الأزمة البنيوية للرأسمالية ومشروع إعادة الاستعمار

الأزمة البنيوية للرأسمالية ومشروع إعادة الاستعمار

تواجه الرأسمالية العالمية اليوم أزمة بنيوية تتجاوز التقلبات الدورية المعتادة، تتشابك فيها عوامل الركود المزمن مع صعود النيوفاشية، ومحاولات الإمبريالية الأمريكية إعادة استعمار الجنوب العالمي. وهذه الأزمة ليست نتاج سوء تدبير سياسي، بل هي حتمية نابعة من تناقضات النظام في مرحلته النيوليبرالية، والتي تتفاقم بفقدان القيادة الرأسمالية لمزايا الامبراطورية الاستعمارية التقليدية.

 أولاً: الركود وهيمنة الفائض

يعاني الاقتصاد الرأسمالي من ركود مزمن تجلى في تراجع معدلات النمو العالمي خلال عقد العشرينيات إلى أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية، مع بطالة مستترة تخفيها انخفاضات في معدلات المشاركة في قوة العمل. ويعود هذا الركود إلى طبيعة النيوليبرالية التي أشاعت تفاوتاً صارخاً في الدخل والثروة. ففي ظل حرية تنقل رأس المال عالمياً، مقابل تقييد حركة العمال، يضطر عمال الشمال إلى منافسة نظرائهم منخفضي الأجور في الجنوب، مما يبقي الأجور الحقيقية راكدة أو متناقصة. ففي الولايات المتحدة، كان متوسط الأجر الحقيقي للعامل الذكر عام 2011 أدنى مما كان عليه عام 1968.

في المقابل، لا تنضب احتياطيات العمالة في الجنوب، بل تتزايد نسبياً بفعل التقدم التكنولوجي المتسارع، مما يربط الأجور هناك بمستوى الكفاف. وهكذا، وفي كلا القطبين، ترتفع إنتاجية العمل بينما تتخلف الأجور، مما يؤدي إلى تضخم حصة الفائض الاقتصادي في الناتج العالمي. وبما أن الطبقات العاملة تستهلك نسبة أكبر من دخلها مقارنة بأصحاب الفائض، فإن هذا التضخم يكبح الطلب الكلي، مولّداً ميلاً مزمناً للإنتاج الزائد يتجلى في الركود والبطالة.

 

 ثانياً: تعطيل آليات المواجهة

الأكثر إثارة، هو أن أقوى تدبير مضاد لهذا الركود – أي زيادة الإنفاق الحكومي – يصبح غير مجدٍ في ظل النيوليبرالية. فلكي يكون هذا الإنفاق توسيعياً للطلب، يجب تمويله إما بالعجز المالي (دون زيادة ضريبية)، أو بضرائب على الأغنياء (الذين يدخرون جزءاً من دخلهم، فتحدث زيادة صافية في الطلب). لكن كلا الخيارين يصطدم بمعارضة رأس المال المالي العالمي؛ الأول: لأنه يرفض العجز، والثاني: لأنه يستهدف ثرواته. ونظراً لعولمة التمويل مقابل بقاء الدولة وطنية، فإن هروب رأس المال يهدد أي دولة تخالف هذه الإرادة، مما يجعل تشريعات "المسؤولية المالية" سائدة. وهكذا، تخلق النيوليبرالية الركود وتعطل علاجه، لتقود الرأسمالية إلى طريق مسدود لا مفر منه إلا بتجاوزها.

 

 ثالثاً: النيوفاشية: عرض الأزمة لا حلها

استجابة النظام لهذا المأزق كانت الترويج للنيوفاشية. فهذه العناصر، التي كانت هامشية، تتحرك إلى مركز السلطة بدعم مالي وإعلامي من رأس المال الاحتكاري، حين تهدد الاستياءات الشعبية الناجمة عن الأزمة هيمنته. وينشأ تحالف يقمع الديمقراطية، ويستخدم القمع وخطاب الكراهية لتقسيم الطبقة العاملة، وتشتيت وعيها، ومنع أي تحدٍ للهيمنة الرأسمالية.

غير أن النيوفاشية، مثل الدولة الليبرالية، عاجزة عن حل الأزمة الاقتصادية، لأن قيود رأس المال العالمي تحول دون تكرار نموذج الثلاثينيات من زيادة الإنفاق العسكري الممول بالعجز. وإن عجزت عن ذلك، تظل النيوفاشية ظاهرة متأرجحة، قد تُقصى انتخابياً لكنها تعود، كحال ترامب، لتظل في الأجنحة.

 

 رابعاً: القائد بلا مستعمرات

يكمن الجانب الثاني للأزمة في تحوّل الرأسمالية ما بعد الحرب. فقد تخلصت من الإمبراطوريات الاستعمارية، مما كبّد القائد الجديد (الولايات المتحدة) خسارة "أسواقه الجاهزة" وخسارة "تصريف الفائض" السنوي من المستعمرات. وهذه الخسارة لها أثر عميق.

فقيادة النظام تتطلب من الدولة القائدة أن تعاني عجزاً في الحساب الجاري لاستيعاب صادرات الدول الناشئة، ولتمويل نفقاتها العسكرية لحماية النظام (كالقواعد الأمريكية الـ 750 حول العالم). تاريخياً، كانت بريطانيا تعوض هذا العجز بـ "تصريف الفائض" من مستعمراتها؛ ففي عام 1910، وفرت الهند وحدها لبريطانيا فائضاً قدره 60 مليون جنيه إسترليني، موّلت ثلثي عجزها تجاه أوروبا والولايات المتحدة. أما الولايات المتحدة، التي لم تمتلك مستعمرات، فلم تجد هذا المعوض، فتحول فائضها بعد الحرب إلى عجز مزمن منذ منتصف السبعينيات، لتصبح اليوم أكبر مدين في العالم.

 

 خامساً: تهديد الدولار والنظام المالي

لا يشكل الدين الخارجي مشكلة طالما يُنظر إلى الدولار "كأنه ذهب". لكن تراكم التريليونات من الأصول المقومة بالدولار يحمل تهديداً وجودياً، لا يقتصر على التحول إلى عملات أخرى، بل يكمن في تحول محتمل إلى السلع الأساسية، وخصوصاً النفط. فاستقرار نظام ما بعد بريتون وودز يقوم على "معيار النفط-الدولار"، وأي هجرة عابرة من الدولار إلى النفط قد تزعزعه. وكما أشار بول باران، فإن تراكم المطالبات المالية الحكومية يجعل الاقتصاد عرضة لتحول مضاربي نحو السلع، مما يهدد بتضخم مدمر يعقبه ركود حاد إذا ما لجأت السلطات لسياسات تقشفية.

 

 سادساً: استراتيجية ترامب: تقاسم العبء وإعادة الاستعمار

في هذا السياق، تبرز استراتيجية ترامب كردّ إمبريالي، لا يمكن اختزاله إلى جنون، بل هو مشروع من مكونين:

1-  تقاسم دور المدافع: بإجبار حلفاء الناتو على رفع إنفاقهم العسكري إلى 5% من ناتجهم، لتخفيف العبء عن الميزانية الأمريكية وتقليص عجز الحساب الجاري.

2-  إعادة استعمار الجنوب العالمي: أي استعادة الامتيازات الاستعمارية البريطانية، عبر فرض عدم تناسق في النظام النيوليبرالي؛ حيث يبقى الجنوب أسيراً لنيوليبرالية الأمس، بينما ينتهك الشمال قواعدها التجارية.

وهذا المشروع يعني تحويل عبء الأزمة إلى أكتاف فلاحي وعمال الجنوب، بتواطؤ من برجوازياتها الاحتكارية.

 

 سابعاً: آليات إعادة الاستعمار

تتخذ إعادة الاستعمار شكلين:

أولاً: المعاهدات التجارية غير المتكافئة، كالمعاهدة الهندية-الأمريكية الجاري التفاوض عليها. فهي تسمح للولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على السلع الهندية، بينما تسمح للهند برسوم صفرية على السلع الأمريكية، وتفرض أهدافاً ملزمة لزيادة الواردات الهندية، متجاوزة حتى نموذج الاستعمار البريطاني الذي كان يترك الكمية للطلب. وهذا يهدف لرفع العمالة والناتج الأمريكي عبر "إفقار الجار"، دون الحاجة لمواجهة رأس المال المالي بزيادة العجز أو الضرائب.

ثانياً: الاستيلاء على الموارد الحيوية، خاصة النفط، في فنزويلا (أكبر احتياطي) وإيران، إضافة للمعادن النادرة في غرينلاند. وتهدف هذه السيطرة لضمان هيمنة الدولار في معاملات النفط، وتعزيز استقرار سعره، واستخلاص "فائض" بامتياز استعماري يسدّ عجز الميزان الأمريكي. وتشكل العمليات العسكرية المباشرة ضد إيران فصلاً جديداً في تاريخ الإمبريالية، يتجاوز الانقلابات والحروب الأهلية التي كانت تقاوم إنهاء الاستعمار الاقتصادي في عهد عبد الناصر ومصدق وأليندي.

 

 ثامناً: مقاومة الجنوب وآفاق التحرر

إنّ شعوب الجنوب لن تقبل بهذا الاستعباد. صحيح أن البرجوازية الكبيرة في مستعمرات الأمس قد تحولت وتحالفت مع الإمبريالية، لكن الفلاحين والعمال والبرجوازية الصغيرة، التي شكلت عماد النضال الوطني، ستقاوم بشراسة. وهذه المقاومة ستتجه للإمبريالية وللبرجوازية الاحتكارية الداخلية والأنظمة النيوفاشية، حاملة إمكانيات ثورية هائلة. وما حدث في إيران هو خير دليل؛ فصمودها فاجأ الإمبريالية، وأفشل مخططاتها، وشجّع بقية دول الجنوب. فالمقاومة لها جدليتها: صمود بلد يقوّي الآخرين، وانهياره يوهنهم. ورغم أن الإمبريالية لن تتخلى عن مشروعها، فإن صمود إيران سيُبطئ وتيرته، ويفتح باباً لتطورات تاريخية كبرى في الصراع بين قوى التحرر وقوى الهيمنة.

خاتمة

إن الأزمة الراهنة ليست مجرد كسادٍ دوري، بل هي أزمة بنيوية لكامل النظام النيوليبرالي، تعكس تناقضاً بين حركة رأس المال وسيادة الدولة، وبين ضرورات التراكم ومتطلبات العدالة الاجتماعية. وقد أدى عجز الرأسمالية عن حل تناقضاتها إلى صعود النيوفاشية داخلياً، وإلى مشروع إعادة الاستعمار خارجياً. لكن هذا المشروع يصطدم بمقاومة شعبية عنيفة، تحمل في طياتها بوادر تحولات ثورية قد تعيد تشكيل خريطة النظام العالمي برمته.

 

فلاشة: النيوليبرالية تولد ركوداً وتعطل الإنفاق العام فترد الإمبريالية بالنيوفاشية وإعادة استعمار الجنوب لكن صمود إيران يحفز مقاومة ذات آفاق تحرر

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1286