الخائفون لا يُبدعون...

الخائفون لا يُبدعون...

المسرح من أروع ما أبدعه الإنسان... فهو الفن المركب والمتماسك الذي يقوم على السببية، لذلك فهو فنٌ صعبٌ ومشاكسٌ للغاية، وهو أكثر الفنون تأثراً في حال غِيابِ الديموقراطية، وسيطرة الأنظمة الباطشة، لأن الإبداع المسرحي العظيم تزداد جاذبية هدفه الأكبر؛ أي غايته العليا، للواقع المتمثل في وحدة الإيقاع الكامنة تحت العواطف الداخلية، والأفعال الخارجية الموجودة في الدور المسرحي. حيث يبدأ عندما يكون الخط الدرامي العام في وحدةٍ متكاملة.

المخرج والمؤلف المسرحي مدّ الله شاهر


إن تغير الصورة من كائنها الورقي إلى كائنها الحي، الذي هو من أكبر الصعوبات وأشدها على خشبة المسرح في خلق الإبداع الواعي والعبقري، من خلال الأداء الروحي والجسماني للمثل وقدرته في أداء دوره وتشكيله الحركي، في تجسيد الكلمات، ورسمه صوراً للظروف المقترحة. حيث يوصل الممثل للمتفرج ما وراء النص الذي يكشف الواقع، واقعاً جديداً وآخر... وآخر... وآخر.
إنّ المسرح بحقٍّ نتاج الثقافات الرفيعة والمجتمعات المتحضرة، لِما له من أهميةٍ في حياة الأمم وطبقاتها العاملة، وأهميته تكمن بما يُقدمه من قِيَمٍ حضارية تُساهم في تطور وجوهر الحياة وتساهم في ازدهارها.
إنّ المسرح منذ تحوله إلى عرضٍ دنيوي، هو في نزاعٍ مستمرٍ مع سلطات القمع، والأيديولوجيات المعادية للإنسانية، والتي تحاول تهميشه أو الإيقاع به في شِباكِ المكاتبِ، واحتكاره بما يتناسب مع دوافعها الخاصة وميولها السياسية التي تتعارض كلياً مع طابعهِ الإشكالي، وحقيقته الحياتية التي هي مصدر قيمته الدائمة.

إنّ العرض المسرحي في مِزاجهِ الخلاّق ولمساته الساحرة قادرٌ على تجسير الفجوة بين الخشبةِ والجمهور، وتظهر آثارِ ذلك مباشرةً بما يثيره من انفعالات، ومثالاً على ذلك...
ما حدث للإسكندر- دي فيري- عندما قام الممثل- تيودور- الذي كان يعيش في القرن الرابع عشر بتمثيل دوره على الوجه الأكمل، فقد تأثّر الإسكندر- دي فيري- من تلك الآلام الممثلة، التي جسدها الممثل- تيودور- بمهارة، حيث انسحب الإسكندر- دي فيري- من دار التمثيل والدموع تنهمر من عينيه، لأنه خجل من أن يراه أحدٌ باكياً على هذه الصورة، وهو الذي كان لا يتأثر أي تأثيرٍ بآلامِ الشعب الحقيقية، وهنا يتمثل الفن في الفكر المسرحي، وهذا معناه أن الإغريقي – تيودور- قد أفهم الديكتاتور بآلام الشعب ما لم يفهمه من الحياة الفعلية التي كان يعيشها الشعب، ولو كان الممثل- تيودور- قد نقل الحقيقة ميكانيكياً لَما تأثر الإسكندر- دي فيري- أي تأثير، ولكنه تأثر لأن الممثل قام بتمثيل الحقيقة، وأعاد خلقها بأسلوبٍ فنيٍّ متميز، وبذلك كان الممثل ممثلاً لا ناقلاً، وأن هذا الممثل قد شعر بدوره، وعبر عنه، ولم يشعر بمشاعره الشخصية التي قام بتمثيل دورها.

الممثل الكوميدي والتراجيدي – بريكور- كان فناناً بارعاً أيضاً، حتى أن الملك الفرنسي لويس الرابع عشر كان يقول عنه: إنّ هذا الرجل يُضحِكُ ويُبكي حتى الحجارة.
أما قيصر روسيا عندما شاهد مسرحية -غوغول- (المفتش العام) فقد التفت إلى حاشيته بعد أن أُسدل الستار وقال لهم: لقد نال مِنّا جميعاً، وأنا أكثركم. أما – بوشكين- شاعر روسيا- فقد صرخ بصوتٍ عالٍ: يا إلهي، ما أبأس بلادنا... ما أبأسَ روسيا.
إنّ على الإحساس بالدور، وروح الممثل الحيّة وصدق المسرح الحياتي هي حالةٌ من التوهج الداخلي والخارجي والنبض الدرامي المُتّقد على خشبة المسرح، يقوم الإبداع والتخيّل الرفيع، الذي يرفض كل وصاية ويُحطم كل رقابة.
إنّ العالم اليوم أصبح مُضحِكاً وكاريكاتورياً مفزعاً حتى التقيؤ، وهذا لا يمكن فصله عن عامية الصراع الطبقي، وعلى المسرح أن يستوعب ذلك، ليكون أكثر توازناً، وأكثر تواصلاً مع الجمهور كضرورة تفرضها طبيعة العصر، كي يستطيع أن يُنتج فناً كبيراً ويُعمم نفسه بجدارة... بعيداً عن الادعاءات والزيف الرأسمالي الذي يعتبره (سلعةً) ويشوه دور الفنان الريادي. لذلك علينا كمسرحيين أن نكون واضحين في هدفنا، وأن نُقدم عروضاً تمتاز بعلميتها من خلال رصد حركة الواقع الثورية، مؤكدين دور الوعي الذاتي والعلمي للأشياء، مع أهمية الحامل الاجتماعي في إدراك «لا معقولية» ما هو واقع، والعمل على (تغييره) بما تتطلبه المرحلة من النقد كسلاحٍ فعّالٍ، تمهيداً للنقد بالسلاح الذي لا بد منه لتحقيق الثورة، وقلب المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285