استمرار العمل الثوري مسؤولية الأجيال بين ماركس وآرندت وفروم
عبد الكريم الجندي عبد الكريم الجندي

استمرار العمل الثوري مسؤولية الأجيال بين ماركس وآرندت وفروم

إذا كانت الثورة تُفهم عادةً على أنها «اقتحام القصور»، فإن تصحيح المسار يُفهم على أنه بناء المؤسسات التي تحمي مكاسب الاقتحام، لكن كيف نفهم «استمرار» العمل الثوري بعد أن تستقر المؤسسات؟؟ 

كارل ماركس يقدم رؤية «الثورة الدائمة»، حيث يرى أن العمل الثوري يجب أن يستمر بلا هوادة، حتى تنتقل ملكية الإنتاج كاملة للطبقة العاملة، هنا يصطدم ماركس مع آرندت، التي ترى أن المؤسسات تحمي «الكنز المفقود» (روح الحرية) من الضياع. وتقدم مدرسة فرانكفورت، ممثلة بـ تيودور أدورنو، تحذيراً مهماً: «الجدل السلبي» الذي لا يرضى بأي واقع قائم، ويصر على أن التصحيح هو عملية نقد لا نهائية، وليس حالة نهائية يمكن الوصول إليها.
أما هربرت ماركيوز فيضيف بعداً آخر في كتابه «الثورة المضادة والتمرد»، يحلل كيف أن المجتمعات الرأسمالية المتقدمة تخلق آليات دقيقة لامتصاص الغضب الثوري وتحويله إلى سلع استهلاكية وثقافة ترفيهية، مما يستدعي ثورة نوعية في الحواس والدوافع نفسها، وليس فقط في العلاقات الاقتصادية.


الثورة ككائن حيّ في مرآة الفلسفة


الثورة ليست لوحة جاهزة تُعلق على الجدار، بل هي شجرة تحتاج إلى تقليم مستمر. تصحيح المسار ليس خيانة للمبادئ الأولى، بل هو فعل من درجات أعلى من الولاء للثورة، الولاء لروحها لا لحرفيتها. ويمكننا، مستعينين بفلاسفتنا، أن نأخذ النتائج الواردة، من بيرك نأخذ الحذر من الاجتثاث الشامل، من مكيافيلي نأخذ ضرورة وجود «فضيلة» مؤسِّسة. ومن توكفيل نأخذ التنبيه إلى استبداد الأغلبية. من ماركس نأخذ عدم الرضى عن أي وضع قائم إلى الأبد.· ومن آرندت نأخذ الدرس الأهم: تأسيس الحرية يحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى روح ثورية متجددة .
أما مدرسة فرانكفورت، فتؤكد، أن تصحيح المسار الثوري يجب أن يكون في آن واحد سياسياً ومؤسسياً ونفسياً وثقافياً. فالثورة التي تسقط الطاغية لكنها لا تغير «الشخصية الاجتماعية» الخاضعة، أو التي تعيد إنتاج «العقل الأداتي» في صيغة جديدة، أو التي تستبدل استبداد فرد واحد باستبداد الأغلبية أو السوق، هي ثورة لم تصحح مسارها بعد. إنها، كما يقول فروم، ثورة تحتاج إلى ثورة. «الثورة التي لا تصحح مسارها على جميع المستويات، تحكم على نفسها بالانتحار البطيء أو بالتحول إلى نقيضها.»

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275