«تاريخ اجتماعي للفلسفة التحليلية: كيف شكّل السياسيون فلسفة لا سياسية»
نُشرت في موقع «كاونترفاير» في 12 شباط 2026 مراجعة بقلم شون ليدويث، لكتاب كريستوف شورينغا «تاريخ اجتماعي للفلسفة التحليلية: كيف شكّلت السياسة فلسفة لا سياسية» (لندن: دار فيرسو للنشر، 2025)، 336 صفحة. وهذا أبرز ما جاء فيها.
ربما تكون أشهر ملاحظة قيلت على الإطلاق عن الفلسفة داخل الفكر الماركسي هي تلك الواردة في «أطروحات حول فويرباخ» للمؤسس (كارل ماركس)، حيث يكتب: «لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، في حين أن المطلوب هو تغييره». إلا أن التاريخ اللاحق لهذا المجال في العصر الحديث، ولا سيما في العالم الناطق بالإنكليزية، هيمن عليه افتراض ضمني معاكس لذلك تماماً: فالمطلوب، وبشكل قاطع، ليس تغيير العالم. إن الفرضية الأساسية التي ينطلق منها معظم الأكاديميين المشتغلين بالفلسفة هي أن هذا الحقل المعرفي يقيم في مكان ما، في حالة من النقاء، داخل عالم متسامٍ، لا تشوبه أية شوائب تاريخية أو سياسية.
أي شخص التحق بدورة فلسفة في إحدى الجامعات الإنكليزية خلال الخمسين عاماً الماضية، من المحتمل جداً أن يكون قد اختبر شعوراً سريعاً بخيبة الأمل إزاء الاستمتاع الواضح الذي يبديه بعض المحاضرين وهم يؤكدون، من وجهة نظرهم، أن هذا التخصص لا صلة له بالعالم اليومي الذي يعيش فيه معظم الناس. ربما ينجذب العديد من المراهقين إلى الفلسفة مع اقترابهم من سن الرشد، إذ تبدو لهم وكأنها تقدم فرصة مثالية للتشكيك في المعتقدات والمسلمات التي نشأوا عليها داخل أسرهم ومجتمعاتهم.
لكن المؤسف أن هذه الإثارة الفتية، إزاء احتمالية اكتشاف آفاق جديدة من المسعى الفكري، كثيراً ما تُطفأ بماء بارد من اليوم الأول، إذ يجد الطلاب الجامعيون أنفسهم في حلقات نقاشية يخوضون في مناقشات تبدو متحذلقة وتافهة حول المصطلحات، بدلاً من التفكير في سبل تغيير العالم، كما كان ماركس يوصي.
السبب الرئيسي لهذا الانخفاض المحتمل في مستوى التوقعات هو أن الفلسفة في منطقتنا من العالم قد هيمن عليها، على مدار المئة عام الماضية تقريباً، ما يُعرف بالتقاليد «التحليلية». كريستوف شورينغا، في هذا الطرح المبتكر للغاية الذي يقدمه من منظور ماركسي صريح لصعود هذا التقليد، يلفت أيضاً إلى هذا التناقض بين ما قد يتوقعه العديد من الطلاب الجدد في التعليم العالي وما قد يتلقونه من المادة في بعض أقسام الفلسفة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة:
«عادةً ما يكون اهتمامهم الأولي بالفلسفة نابعاً من تساؤلات وجودية، وهو النوع الذي لا تشجعه الفلسفة التحليلية. وعندما يرون أن ما يُعرض عليهم بدلاً من ذلك هو نظام الفلسفة التحليلية الصارم، فإما أن يجدوه غير ملائم بما يكفي فيغادروا، أو يتعلموا بسرعة استيعاب متطلباته والتأقلم معها» (ص12).
لقد بات من المتعارف عليه في تواريخ الفلسفة إبراز التناقض بين الطريقة التي تطور بها هذا الحقل المعرفي في العالم الناطق بالإنكليزية، حيث يُنظر إلى التقليد التحليلي بوصفه الوريث الطبيعي للمدرسة التجريبية التي تطورت في أعقاب الثورة الإنكليزية في القرن السابع عشر، على النحو الذي أوضحه مفكرون مثل لوك وهيوم وميل؛ وبين الفلسفة القارية التي تطورت بالتوازي، وبشكل أساسي في فرنسا وألمانيا خلال الفترة نفسها، وضمت شخصيات مثل ديكارت وكانط وهيغل.
أصول الفلسفة التحليلية
يستشهد شورينغا بملاحظات الماركسي الإنكليزي المؤثر، بيري أندرسون، التي مفادها أن هذه الازدواجية كثيراً ما شكلت ذريعة للجهل والانغلاق الفكري من جانب أتباع التقليد الأول تجاه اهتمامات أتباع التقليد الثاني. فقد لاحظ أندرسون أن الفلسفة الإنكليزية «بعيدة كل البعد عن كونها ندوة للحقيقة ومستقلة عن الزمان والمكان... إنها، بالمعنى الدقيق للكلمة، أيديولوجية طبقية». وأشار أندرسون أيضاً أنه أثناء دراسته لهذا التخصص في أكسفورد خلال ستينيات القرن العشرين، كانت أفكار مفكرين أوروبيين مثل هيغل وسارتر «تُستقبل بقصف من الضحكات من قبل أولئك (لابسي أقمشة الكارويات) الذين يشكلون غالبية الجمهور» (مقتبس في ص12).
لا يتناول شورينغا بشكل مباشر أصول هذه الظاهرة المثيرة للاهتمام، لكن استكشافها يمكن أن يمهد الطريق بشكل مفيد لتركيزه الخاص على كيفية تجليها في القرن العشرين. ستقترح المادية التاريخية أن هذين المسارين المتباينين لم يكونا محض صدفة. لقد كانت البرجوازية الإنكليزية في طليعة الثورة السياسية في أوائل العصر الحديث، كما يتجلى في إطاحتها بالنخبة الإقطاعية في الثورة التي قادها أوليفر كرومويل عام 1649. ونتيجة لذلك، لم تكن بحاجة إلى بناء صرح نظري متطور لتبرير استيلائها على الدولة.
أما في فرنسا، فقد استغرق الأمر أكثر من قرن آخر لحشد القوى المادية والفكرية اللازمة للإطاحة بالملكية البوربونية وحاشيتها الأرستقراطية. أما التشرذم السياسي في ألمانيا فقد عنى أن الثورة البرجوازية فُرضت من أعلى في وقت متأخر حتى عن ذلك. وبالتالي، فإن البلدين الأخيرين استفادا، ومن المفارقات، من تطورهما السياسي الأبطأ مقارنة بإنكلترا، بمعنى أن قدراً أكبر من التخمر الفكري حفز في إطار الدفع لتسهيل الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. إن استعداد المفكرين الأوروبيين في القرن السابع عشر مثل ديكارت وسبينوزا للانخراط في نسخة أكثر تصوراً وتأملاً من الفلسفة مقارنة بنظرائهم الإنكليز، الذين غالباً ما اتسمت آراؤهم بالرضا والاكتفاء الذاتي، سيقود في النهاية إلى الرؤى الجدلية لهيغل وماركس في القرن التاسع عشر، والتي تشكل الأسس الجوهرية للحركة الاشتراكية الثورية اليوم.
معظم التواريخ القياسية للتقليد التحليلي تضعه في المقام الأول ضمن سياق الجدالات الفلسفية التي دارت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حول طبيعة اللغة والمنطق. يقدم شورينغا روايات عن هذه الجدالات تكون في متناول غير المتخصص، ولكنه يضيف إليها أيضاً تحليلات اجتماعية وسياسية ثاقبة، كما يشير العنوان. وهو يسعى من خلال هذه العملية إلى تقويض الأرثوذكسية السائدة داخل الفلسفة، والتي ترى أن هذا المجال يوجد في عالم قائم بذاته (اسمي، نومينالي) من الفكر الخالص، غير ملوث بتقلبات الصراع الطبقي أو الثورات التي تميز التاريخ الحديث. إنه يضع نصب عينيه صراحةً فهم الفلسفة التحليلية بوصفها استجابة فكرية من قبل بعض أكثر أعضاء النخبة الغربية بلاغةً وتطوراً للاضطرابات الكبرى التي شهدها القرنان الأخيران، وذلك دون اختزال أفكارهم إلى مجرد تعبيرات فجة عن مصلحة ذاتية متمتعة بامتيازات. على حد تعبير شورينغا:
«حالما يُعترف بأن الفلسفة التحليلية، شأنها في ذلك شأن قريبتيها: السلوكية والاقتصاد الكلاسيكي الجديد، تعمل على إدامة صورة أساسية للأيديولوجية الليبرالية البرجوازية – صورة عالم خامل من الوقائع، يُعطى ببساطة للذات (الفرد) ليتم استقباله بشكل سلبي، وفي مقابل هذا العالم تقف تلك الذات بوصفها كياناً يُفترض أنه مستقل ذاتياً وتلقائياً – حينها يُدرك أنه لا يوجد مقطع في تاريخها يفلت من معالجة نقدية أيديولوجية» (ص4).

الفلسفة التحليلية والهيمنة الأمريكية
يتتبع شورينغا أصول هذه المدرسة الفلسفية وصولاً إلى التقاء ثلاث حلقات من البحث في مطلع القرن الماضي. في كامبريدج، خلال العقد الأول من القرن العشرين، ابتكر برتراند راسل وجي إي مور فكرة أن معظم المشكلات الفلسفية يمكن التعبير عنها في صيغ رياضية أو برموز منطقية. وقد تبنى هذا المنهج بحماسة في فيينا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين تلاميذ مدرسة «الوضعية المنطقية»، الذين اعتبروا العلم بدورهم الحكم المطلق في تحديد الصواب والخطأ. فأي عبارة لا يمكنها الصمود أمام تمحيص العملية العلمية ينبغي رفضها باعتبارها بلا معنى حرفياً [وذلك ضمن معاييرهم الوضعية الخاصة لما يعتبرونه «علمياً»]. بعد الحرب العالمية الثانية، قدّم جيه إل أوستن وجيلبرت رايل في أكسفورد الحلقة الثالثة من التقليد التحليلي، بحجة أن الفلسفة ينبغي أن تتألف بشكل أساسي من التحليل الدقيق للغة «العادية» وتجنب أي نقاش حول المفاهيم النظرية الكبرى كالحقيقة أو العدالة أو الحرية.
«كما لم يكن هناك برنامج تحليل كلاسيكي قبل عملية الدمج هذه، فإن الدمج لم يسفر أيضاً عن مثل هذا البرنامج. وبدلاً من ذلك، كان الناتج مزيجاً غير مستقر بدأ بالتحلل فور تشكله تقريباً. ومع ذلك، كانت الفلسفة التحليلية قد فرضت نفسها كشكل مهيمن في الأوساط الأكاديمية الأمريكية وفي مجال النفوذ الأمريكي خارجها. ربما كانت في حالة تفكك داخلي، لكن استقرارها كبنية اجتماعية ضمن استمرارها وبقاءها» (ص9).
النقطة البارزة التي يطرحها شورينغا هنا، والتي يتم إغفالها بشكل لافت في معظم الروايات عن الموضوع نفسه، هي أن هذه المدرسة الفلسفية التحليلية هيمنت على الفلسفة الناطقة بالإنكليزية خلال حقبة تاريخية شهدت صعود الولايات المتحدة إلى مكانة القوة العظمى، مع المملكة المتحدة كدولة تابعة لها بحكم الأمر الواقع، تقدم غطاءً دبلوماسياً وأحياناً عسكرياً مطيعاً للهيمنة الأمريكية ومقرها واشنطن. شورينغا ليس اختزالياً إلى درجة القول بأن هذا كل ما نحتاج لمعرفته عن الفلسفة التحليلية، لكن من اللافت للنظر أن الأمر يتطلب كاتباً مزوداً بعدسة ماركسية لتسليط الضوء على هذا الترابط المثير للاهتمام. ويضيف المؤلف ملاحظة أخرى:
«أي تفسير مناسب لصعود الفلسفة التحليلية في أمريكا ما بعد الحرب يجب أن يأخذ في الاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية المحددة للغاية التي سادت آنذاك، وكيف شكلت هذه الظروف أنشطة أولئك الخاضعين لها. إن إعادة بناء ناجحة لهذه الظروف تفترض بذل جهد كبير من التغريب المتعمد (جعل المألوف غريباً)، لأن العالم الذي خلقته الولايات المتحدة بعد 1945 بصفتها القوة الغربية المهيمنة الخارجة من الحرب، هو العالم الذي لا نزال نعيش فيه» (ص121).
يستبق شورينغا هنا رد الفعل المعاكس الذي ستواجهه روايته للتاريخ حتماً من المؤسسة الفلسفية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وذلك لأن الإقصاء التحليلي للعوامل الاجتماعية والاقتصادية من الفلسفة قد ترسخ بعمق في عقول معظم المشتغلين بها على مدى العقود التي تلت عام 1945. لا يعني ذلك أن نقاشه لهذا الوسط الفكري والسياسي المتشابك مرضٍ تماماً. لقد كان من المثير للاهتمام قراءة تفسير أكثر شمولية، بمصطلحات فلسفية مناسبة، من قبل المؤلف للطرق الدقيقة التي يدعم بها النمط التحليلي في التفكير هيمنة النظام الرأسمالي الأطلسي.
نظرية الألعاب والمعارضة
إحدى الطرق المذهلة التي يؤكد بها هذا الارتباط بين الفلسفي والسياسي هي عدد الفلاسفة الأمريكيين البارزين الذين كانت لهم صلات واضحة بالمجمع الصناعي العسكري لبلدهم، والذي نما بالطبع إلى حجم ونفوذ هائلين في حقبة الحرب الباردة. كانت مؤسسة راند (Rand Corporation) (الاسم اختصار لكلمتي Research and Development أي البحث والتطوير) واحدة من المنصات المؤسسية لهذه الشبكة الخبيثة العاملة داخل الحياة الفكرية الأمريكية. وإلى جانب تمويلها مجموعة واسعة من الأنشطة الأكاديمية، اشتهرت هذه المؤسسة بشكل خاص بابتكار «نظرية الألعاب»؛ وهو نمط من التفكير يركز على القدرة على التفوق على خصم افتراضي وهزيمته من خلال تطبيق المنطق. يبدو هذا غير ضار بما فيه الكفاية، لكن تطبيقاته في العالم الحقيقي تضمنت النظر في كيفية «كسب» حرب نووية مع الاتحاد السوفييتي أو كيفية إحباط ما يسمى بالخطر الشيوعي داخل الولايات المتحدة. كان لعدد ملحوظ من الفلاسفة الأمريكيين رفيعي المستوى ذوي السمعة العالمية، مثل جون رولز ودونالد ديفيدسون و دبليو في أو كوين، صلات مباشرة بمؤسسة راند في وقت أو آخر من مسيرتهم المهنية. هانس رايشنباخ، على سبيل المثال، كان أحد أتباع المدرسة الوضعية المنطقية من فيينا الذين وجدوا ملجأ أكاديمياً في الولايات المتحدة، وأنتج أيضاً أوراقاً بحثية لمؤسسة راند، بعناوين تنبئ بالشر مثل «الشكل العام لاحتمالية الحرب» و«إعادة البناء العقلاني لقرار الحرب» (ص135). يتأمل شورينغا في هذه العلاقة المريبة:
«كثير من النشاط البحثي المكثف الذي كان ضرورياً لدعم مكانة الولايات المتحدة في مواجهة التهديد المتصور من العدوان السوفيتي، وكذلك لتعزيز الرأسمالية الليبرالية محلياً، تم تنفيذه تحت رعاية مؤسسة راند. لقد وفرت هذه المؤسسة موطناً ملائماً للفلاسفة التحليليين، الذين عملوا جنباً إلى جنب مع خبراء الاقتصاد وغيرهم ضمن نموذجها البحثي الأساسي المتمثل في بحوث العمليات» (ص122).
داخل المملكة المتحدة، كانت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام لهيمنة المدرسة التحليلية هي ردة الفعل ضدها من قبل طلاب الفلسفة الذين تحفزوا بفعل الموجة العالمية من التمردات حوالي عام 1969. في عام 1972، أسست مجموعة من الخريجين في العديد من الجامعات البريطانية «مجموعة الفلسفة الراديكالية»، وكان بيانها التأسيسي يتضمن هجوماً مباشراً على الطموحات المحدودة للفلسفة كما كانت تمارس في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حتى تلك اللحظة. كانوا أيضاً حريصين على إعادة الاتصال صراحةً بالتقليد القاري الذي أنتج العبقرية الفكرية لهيغل وماركس وغيرهما من المفكرين الجذريين الذين أدركوا أن هناك دافعاً تحررياً في صميم الفلسفة، وهو ما يفسر جاذبيتها المستمرة للعديد من الشباب. يستشهد شورينغا بكلمات الإعلان التأسيسي لهذه المحاولة لإعادة الاتصال بروح «أطروحات حول فويرباخ» لماركس:
«إن الفلسفة البريطانية المعاصرة في طريق مسدود. لقد تخلى ممارسوها الأكاديميون بالكامل تقريباً عن محاولة فهم العالم، ناهيك عن تغييره. لقد جعلوا من الفلسفة تخصصاً أكاديمياً ضيقاً ومتخصصاً، ذا أهمية أو صلة ضئيلة بأي شخص خارج الدائرة الصغيرة للفلاسفة المحترفين» (مقتبس في ص166).
لقد تمكنت مجموعة الفلسفة الجذرية بشكل مثير للإعجاب، من الصمود في وجه الهجوم النيوليبرالي في ثمانينيات القرن العشرين وما تلاه من تراجع للجذرية التي ميزت سبعينياته، ولا تزال تقدم مقاربة أكثر صلة بالموضوع بالنسبة للفلسفة في عالم القرن الحادي والعشرين الذي تعصف به تغيرات المناخ والعنصرية والحروب، مقارنة بأي نتاج خرج من التقليد التحليلي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266