فضيحة أم صدمة مستمرة!
في كتابها المعنون «عقيدة الصدمة» تنبه الباحثة والصحفية ناعومي كلاين إلى خطورة استغلال الصدمات لتمرير وفرض سياسات معينة داخل النظام الرأسمالي وتشرح هذه الآلية بشيء من التفصيل وعبر أمثلة عديدة تؤكد فيها ليس تعدد وتنوع أساليب فرض الهيمنة فقط، بل فرط التوحش التي وصلت إليها، وطرق إدارته من النخب التي تحكمه.
واليوم، تظهر ملفات ابستين وطريقة إخراجها، أن هناك نسخاً وأشكالاً جديدة جرى تطويرها واستحداثها ووضعها للاستخدام لنفس الغاية والهدف. تعتمد هذه النسخ مبدأ «السلسلة»، حيث لم تعد تكفي صدمة واحدة كبيرة، بل سلسلة صدمات صغيرة تظهر وتعرض بلا توقف، لدرجة يصبح فيها المجتمع في حالة «مفاجأة دائمة» أو أزمة عميقة ودائمة تعبر عنها «فضيحة مستمرة» وذات مستوى عال من الشدة، لدرجة تثبت في الوعي الجمعي «دائمة» لا يمكن الفكاك منها مما يساهم في تفكك الطاقة الجماعية للجمهور الذي يتعرض لها.
إدارة الصدمات
يقوم النظام الإعلامي هنا بدور محوري ضمن المنظومة العامة التي تسيره، إذ يقوم بتصدير الصدمة وإظهارها بشكل تبدو فيه الأحداث وكأنها نتيجة تآمر أو «غرفة سرية» تدير العالم، ويستخدم الإثارة والسرعة لإدارة صفقة «كشف الحقائق» بحيث يضمن ليس نجاح ما تريده النخب من وراء الصدمة من آثار سياسية واقتصادية ونفسية فقط، بل مزيد من الأرباح لملّاك المنظومة ومشغليها.
ثمة فرق شاسع بين كشف الحقيقة وتطبيع الفوضى، فعندما تعرض فضيحة كبيرة وبشعة كهذه بلا مسار سياسي أو قضائي واضح، ومن دون نتائج ملموسة أو أجراء ضد مرتكبيها والفاعلين الأساسيين فيها، فإن الرسالة الضمنية فيها تؤكد: «لن يُحاسب أحد» منهم، وهنا تبدأ أول مظاهر التبلّد السياسي بالظهور والانتشار.
غالباً ما تدار الصدمات جماعياً من خلال إدارة «الانتباه» بدلاً من إدارة «الحقائق»، خاصة في المجتمعات المعاصرة، حيث يمتلك من يستطيع تحديد ما يظهر، وتوقيت ظهوره، وكمية المعلومات المطلوبة فيه، إضافة إلى سياق عرضه، القدرة والقوة على توجيه الوعي ثم الرأي العام.
صناعة القبول
ثمة فكرة استخدمتها النخب طويلاً ليس في الإعلام فحسب، بل بمختلف المجالات الثقافية والفكرية كالتعليم والسينما وغيرها، عنوانها «صناعة القبول»، وتقوم على مبدأ استبدال قمع المعلومات بإعادة ترتيبها بطرق تؤدي إلى خلق الانطباع المعين المطلوب. فمثلاً لا يتم إخفاء الفضائح، في كثير من الأحيان، بل يجري تفكيكها وتسريبها تدريجياً لتشتيت الانتباه، واستمرار ضخ وتضخيم قصص شبيهة وموازية لها بحيث تضمن النتيجة استمرار الوعي العام في السباحة بمياهها الآسنة، وعدم الخروج من فقاعة «ضباب» مستمر ودائم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفوضى قد لا تكون في كثير من الأحيان، مقصودة تماماً، بل ناتجة عن تنافس المؤسسات ذات المصالح المتضاربة.
ما هو أخطر من القسوة
تختلف استجابات الأفراد بشكل كبير للفوضى الإعلامية التي تسببها الفضائح، فقد ينسحب بعضهم وقد يغضب البعض الآخر، وقلائل من يحاول فهم الظاهرة علمياً من خلال تفكيكها ومحاولة معرفة أسبابها العميقة وارتباطاتها ببنية النظام السياسي الذي أنتجها والتعامل الواعي والعقلاني معها.
لا يكمن الخطر الحقيقي في «تعويد الناس على التوحّش» وقبوله فقط، بل في جعلهم يشعرون بالعجز حيث ليس هناك جدوى من أي موقف تجاه الظواهر المختلفة، فعندما يعتقد الإنسان أن الحقيقة لن تُعرف، والعدالة لن تتحقق، والفساد شامل، ولا يمكن مقاومته فإنه يتحول إلى فرد منزوع الإرادة، يصبح العجز أكثر خطورة من القسوة.
بين السياسي والنفسي
في الظروف الطبيعية، وعند التعرض للخطر أو موقف صادم، تنشط المراكز العصبية المسؤولة عن استشعار الخطر، وتتنبه لضرورة الاستجابة ثم بعد انتهاء الحدث يعود الجهاز العصبي إلى حالة التوازن. ولكن عندما يتعرض الإنسان لتدفق مستمر من التهديدات الرمزية من خلال إعلام مشبع بالفضائح والعنف، يتعب ويرهق بشدة نتيجة عدم وجود نهاية واضحة لهذا النوع من الأحداث، وعدم وجود قدرة على الفعل وإكمال ما يسميه الباحثون في علم النفس، ب«الإغلاق النفسي» للحالة التي يمر بها فيتحول فيها إلى أحد وضعين: إما استثارة مزمنة يصاحبها (قلق دائم) أو إغلاق دفاعي يعبر عنه ب (بلادة وانسحاب). خاصة عندما تتلقى المزيد من المعلومات المتناقضة والتفاصيل الناقصة والاحتمالات المفتوحة بلا نهاية، مما يعيق ملكة التحليل المنطقي ويؤثر عليها سلباً، كما يؤثر على القدرة على اتخاذ قرار أو القدرة على التنظيم الأخلاقي والوجداني لما يحدث.
«لن أفكر بعد الآن»
تؤدي هذه الدوامة الى حالة من الإجهاد الفكري والمعرفي وغالباً ما تترافق بمظاهر دفاعية، تعبر عن نفسها على شكل: «لن أفكر بعد الآن»، التي يعتبرها علم النفس آلية دفاعية لتوفير الطاقة يقوم بها الدماغ في محاولة الدفاع.
يكمن الهدف من إغراق المجال العام بصور التوحّش والفضائح والتفاصيل الصادمة استراتيجية في تخدير الحس الأخلاقي وجعل الإنسان يتبلّد تدريجياً، وقبوله ما كان يرفضه سابقًا؟
فالتكرار يقلل الاستجابة من جهة، كما يؤدي إلى تضخيم التفسيرات من جهة ثانية، وما كان صادماً في البداية يصبح عادياً بعد التعرض المستمر. وتضعف الاستجابة العاطفية شيئاً فشيئاً مع التكرار.
ولكن التعوّد لا يعني الموافقة الأخلاقية بقدر ما يعني انخفاض الشحنة الانفعالية، ويكمن الخطر هنا في أن الأخلاق غالباً ما تحتاج إلى طاقة انفعالية لتتحرك، وهو ما يسبب انخفاضاً في قدرة الناس على التنظيم الأخلاقي والوجدانين والتأثير لاحقاً في معتقداتهم.
مجتمع الاستعراض
يشرح غي ديبور في كتابه «مجتمع الاستعراض» التحولات التي أدت إلى أن يصبح كل شيء، حتى الفضيحة، مادة للاستهلاك البصري. يتحول التوحش المعروض هنا إلى أداة عبر تحويله إلى مشهد مستمر بلا أفق أخلاقي أو سياسي واضح، إما بشكل هوس جماعي وتحليل لا ينتهي أو تعب ذهني يؤدي إلى الاستسلام: «لن نعرف الحقيقة أبداً» خاصة عندما يعرض بالطريق التي عرضت فيها ملفات أبستين (مليئة بالفراغات، متناقضة السرد، بلا محاسبة مكتملة، تآكل الإحساس بجدوى الفعل...إلخ).
مجرد شيء صغير
يشابه هذا الوضع مفهوم قريب من «الإغراق بالمعلومات» الذي لا يهدف إلى إخفاء الحقيقة بل لإغراقها وسط ضجيج يجعل الوصول إليها مرهقاً. يتحول التوحش والعنف إلى مجرد شيء «صغير»، لأنه يمكن أن يصبح إدارياً وعادياً وروتينياً. أما اللغة فتفقد قدرتها على إظهار طابعه الصادم نتيجة التكرار، وعندما يفقد الفعل «وحشيته» في الوعي، تنتفي الحاجة إلى «مقاومته» أيضاً.
التعوّد لا يعني «نجاح الخطة»
يتأقلم الإنسان بطبيعته مع البلادة في كثير من الأحيان كحماية نفسية، وعندما يعي فشل هذا النوع من الحماية فإنه يتحول عنها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265
إيمان الذياب