احذروا السفهاء!
أثار الهجوم وحملة التحريض الإلكترونية التي أدارتها مجموعة حسابات على وسائل التواصل ضد السوريين الذين تجرأوا على الخروج والاحتجاج على ارتفاع أسعار استهلاك الكهرباء مؤخراً ردود أفعال مختلفة. من بينها تعليق ظريف، وصف هؤلاء بالسفهاء، لأنهم «يعتاشون على الردود والتعليقات ويموتون بالتجاهل. فوقودهم الوحيد هو الانتباه؛ وكل ردّ أو تعليق يزيدهم حياة، والتجاهل يسحب منهم الأوكسيجين» وانتهى التعليق بدعوة أظرف: «تجاهلوا السفهاء».
يحمل هذا التعليق، إلى جانب ظرافته، دعوة إلى التساؤل والتفكير، لا في التوصيف الدقيق للسفهاء هذا، ولكن فيما وراء حالة تدفق وفيضان السفاهة على وسائل التواصل في أوقات محددة، وهل هي ناتجة فقط عن خواء وفراغ يعانيه بعض من يبحث عن الاهتمام واللايكات، أم هناك ما هو أبعد وأعمق من ذلك. ولماذا تختار حملات السفاهة هذه حوادث معينة دون سواها لتنطلق بغزارة هكذا وبوتيرة محددة؟ من يحدد توقيتها وإدارة ظهورها وما يقال فيها؟؟ ... إلخ. ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها هنا، بعضها يعرف السوريون إجابته، وبعضه الآخر يحتاج للتفكير وتحليل محتوى هذه الحملات قبل الإجابة.
«فلول إلى أن تثبت العكس»
تضمنت مقاطع الفيديو والتصريحات المناهضة لاحتجاج الناس ضد ارتفاع أسعار الكهرباء ومطالبهم الأخرى تهديدات وسخرية، وتشكيكاً بالوطنية، واتهامات جاهزة بالانتماء إلى «فلول النظام السابق». المصطلح الذي أصبح تصنيفاً لكل من يعارض سياسات السلطة الجديدة، واستخدم في حملات إعلامية ترافقت في البداية مع بعض الأحداث الأمنية والسياسية والعسكرية واليوم تتابع هذه الحملات التجييش والتحريض الطائفي والمناطقي متزامنة مع نشاط الناس السياسي مجدداً في سبيل مطالب اقتصادية محددة!
وإذا إراد المرء تتبع سير هذه الحملة لن يلاحظ بوضوح تصاعد في خطاب التجييش والكراهية بين السوريين فقط، بل أيضاً تصاعد شدة ووقاحة المفردات المستخدمة هذه المرة، ثمة تهديد اجتماعي مبطن حمله تعرض العديد من هذه الفيديوهات للنساء، واللافت أن المرأة السورية لا تزال تستخدم في هذه الحملات لتوجيه الإهانة! كما حمل تنمراً واضحاً على السوريين استخدمت فيها كل اشكال السخرية والتشهير. وما يثير الانتباه أكثر هو ظهور وجوه جديدة في هذه الحملة ومن مناطق مختلفة، قام البعض منهم ببث سمومه من بلدان الاغتراب. ولم يكتف هؤلاء بالمقارنات الاقتصادية المضحكة بين المكان الذي يعيشون فيه، في الغرب، والاوضاع المزرية التي يعيشها الناس في سورية، بل تعرضوا بوقاحة شديدة لأعراض الناس من هناك، واستخدموا خطاباً عالي الشدة، مدافعين «بغضب» ومن وراء البحار عن قرارات تمس حياة الناس اليومية في الداخل السوري.
«طُعم الحنق»
ثمة ظاهرة في علم النفس اسمها طُعم الحنق أو الغضب، (Rage Bait)، يستخدم فيها الغضب مثل طُعم يتم توجيهه في مسار معين ولغايات محددة.
يقوم الأساس النفسي «لطُعم الحنق» على عدة أشياء مركبة منها؛ التحيز التأكيدي بتعزيز واستخدام ميل الناس إلى تصديق ما يتوافق مع معتقداتهم المسبقة، أو الاعتقاد أن ما يثير مشاعرنا بقوة يجب أن يكون صحيحاً، إضافة إلى تأثير الإطار حيث تحدد طريقة عرض القضية كيفية استقبالها وتقييمها.
يمكن تفريغ الغضب، أو أي ظاهرة أخرى، من محتواها عاطفياً، باستخدام الوهم، بأشكاله المتنوعة، ومنها الشكل الرقمي. حيث يجري إيهام الغاضب، على المستوى الفردي، أن تفاعله مع «محتوى أعلامي غاضب» يفرغ شحناته العاطفية، بينما هو في الواقع يعززها. ويؤثر ذلك تالياً في بناء الهوية الاجتماعية، فالغضب المشترك غالباً ما يقوي انتماء الفرد للمجموعة، عندما تتوحد أسبابه وطرق معالجته. يجري استخدام طعم الحنق كآلية نفسية يمكن استغلالها لتعزيز «النرجسية الجماعية» من خلال: إحساس المجموعة بأنها مميزة أخلاقياً وفكرياً، وتصوير «الآخر» على أنه أقل أخلاقاً أو إنسانية، مما يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب العاطفي، فمع كل تفاعل، يزداد الاستثمار العاطفي في الموقف لتنشأ دائرة مغلقة: غضب → تفاعل → مزيد من الغضب.
ومن التأثيرات النفسية السلبية لهذه الدوامة، أنها تتسبب، على المستوى الفردي، بإجهاد عاطفي مزمن نتيجة التعرض المتكرر للمحتوى الغاضب ورفع مستويات الكورتيزول، وأيضاً ما يسمى تآكل التعاطف، حيث تقل القدرة على فهم مشاعر الآخرين المختلفين، وتضيق مساحة الاهتمام الانتقائي فيبحث الدماغ تلقائياً عمّا يثير غضبه فقط. أما على مستوى العلاقات: فتتآكل مهارات الحوار، ويستبدل النقاش بالهجوم دائماً، ويحدث ما يسمى «قطيعة اجتماعية» وذلك بقطع العلاقات مع المختلفين فكرياًن إضافة إلى تطبيع العدائية واعتبار العداء أسلوب تواصل مقبول، ويؤسس ذلك لتفتيت النسيج الاجتماعي.
يُحذر علماء النفس من أن الاستمرار في هذا النمط يمكن أن يؤدي إلى تآكل الصحة النفسية المجتمعية، فالخطر الكبير ليس في الغضب نفسه - كعاطفة إنسانية طبيعية - بل في تسليعه وتوجيهه وتحويله إلى أداة للتحكم والتلاعب.
يعرف السوريون أكثر من غيرهم قذارة الأساليب التي تستخدم لإخضاعهم. ولذلك يطالبون بحقوقهم، ليس بحق التعبير السلمي فقط عن الراي والتظاهر من أجل العيش الكريم والكهرباء والتعليم والعمل والأمان...إلخ، وبتجريم خطاب الكراهية والتحريض على الطائفية والمناطقية ولجمها بقوانين فعلية تساوي بينهم على أساس المواطنة المتكاملة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264
إيمان الأحمد