الأوبئة والتمثيل الاجتماعي: الطبيعة، الرأسمالية، والانشقاقات

الأوبئة والتمثيل الاجتماعي: الطبيعة، الرأسمالية، والانشقاقات

على الرغم من أن الأوبئة البشرية تسبق الرأسمالية تاريخيّاً، فإن التسارع الملحوظ في ظهور الأوبئة منذ الثورة الصناعية (كالكوليرا)، وخاصة في أواخر القرن العشرين (مثل الإيدز، سارس، كوفيد-19)، يرتبط زمنيّاً وجوهريّاً بعلاقات الإنتاج الرأسمالية، وبالتمثيل الاجتماعي المُغترب مع الطبيعة، وبالتسارع المتزايد لاختراق حدود النظام الأرضي. هذه الأوبئة مرتبطة عضوياً بالرأسمالية المتطورة، بسرعتها العالية، وتدفقها بعيد المدى للسلع والعمال جنباً إلى جنب مع الحيوانات والنباتات والكائنات الدقيقة.

ديفيد سي بيرلمان وآشلي فيجنو
ترجمة وتحريرقاسيون


مقدمة: الأوبئة في عصر الرأسمالية المتسارع


إشكالية النظرة السائدة للأوبئة


تقدم العديد من النقاشات حول الأوبئة مقاربة سطحيّة لأسبابها، باعتبارها أحداثاً طبيعية عشوائية مؤسفة لا يمكن منع ظهورها، بل ربما يمكن التنبؤ بها والاستجابة لها بتدخلات (مثل اللقاحات، الأدوية، تحسين التهوية، أو تنقية المياه). حتى أن بعض المؤرخين الماركسيين تعاملوا مع الأوبئة، بما فيها الطاعون، على أنها جزء من «عالم تعسفي من الكوارث الطبيعية». تخلق هذه النظرة تجريداً ضيقاً يستبعد السياق الإنساني والاجتماعي، ويعزل الأوبئة عن النشاط البشري. كما يشير ريتشارد ليفينز إلى أن الكثير من تحليل الصحة والمرض يفتقر للنظرية ويعاني من قيود فكرية بسبب المنظور الضيق الذي يتجاهل التعقيد والتطور والسياق والترابط المتبادل.


التمثيل الاجتماعي للطبيعة والانشقاقات الأيضية والجسدية


تبنى كارل ماركس تحليل جوستوس فون ليبيغ لتمثيل التربة، ووسّعه ليشمل التفاعل البشري مع الطبيعة عبر العمل. لقد ميّز ماركس بين...
- التمثيل الكوني للطبيعة... العمليات والدورات الداعمة للحياة في العالم الطبيعي الأوسع.
- التمثيل الاجتماعي مع الطبيعة: العمليات المحددة تاريخياً التي من خلالها ينتج البشر وسائل عيشهم ويتفاعلون مع باقي الطبيعة.

تحت الرأسمالية، يؤدي الإنتاج من أجل قيمة التبادل (وليس القيمة الاستعمالية) إلى اضطراب هذه الدورات المستدامة، مما يخلق «انشقاقات استقلابية». كما يؤكد فوستر وكلارك أن هذه الانشقاقات لا تقتصر على العلاقة المغتربة مع الطبيعة الخارجية، بل تؤثر على الاستقلاب البشري نفسه، أي الوجود الجسدي للإنسان، مسببة ما يسمى «الانشقاقات الجسدية». وقد أشار ماركس نفسه إلى أن هذه الانشقاقات تتضمن «الأوبئة الدورية».


الميكروبات: الأغلبية غير المرئية


لا تحظى العلاقة بين أنماط الإنتاج الرأسمالية والعصر البشري الجديد (الأنثروبوسين) والميكروبات بالاهتمام النظري والمادي الكافي، على الرغم من مركزيتها لفهم الأوبئة. الميكروبات موجودة في كل النظم البيئية، وهي تفوق عدداً جميع الكائنات الكبيرة مجتمعة. وهي ضرورية لصحة التربة والنظم البحرية وتؤثر في التغير المناخي وتتأثر به. علاوة على ذلك، فإن كل إنسان هو «كائن فوقي» (ميتا-أورجانيزم) يتكون من خلاياه البشرية بالإضافة إلى تريليونات الميكروبات التي تشكل ميكروبيومه، والتي تشارك في الوظائف الحيوية من التمثيل الغذائي إلى المناعة.


أطر التمثيل الخادعة: الزونوزيس والنظرة التجزيئية

ركزت النظريات السائدة للأوبئة البشرية على الانتشار عبر «التجارة» والتأثيرات الديموغرافية، لكنها قللت من أهمية الروابط بأنماط الإنتاج والتمثيل الاجتماعي، وتحديداً بأصل وانتشار الأوبئة «عبر دوائر رأس المال». كما هيمن التركيز على الأمراض حيوانية المنشأ (زونوزيس)، والتي تُفهم بشكل أفضل على أنها «عدوى مرتبطة بميكروبات يواجهها الإنسان عبر تفاعلات مع الحيوانات». لكن إطار «الزونوزيس» يقترح علاقة ثنائية مجردة بين الإنسان والحيوان، مما يحجب عمليات الانتقال المعقدة والسياقات الاجتماعية المُنشأة التي تسهلها، والتفاوتات الصحية الناتجة عن الانشقاقات الجسدية التي تسببها الرأسمالية.


نحو فهم جدلي مادي تاريخي للأوبئة


يُعرِّف الوباء بأنه الزيادة الكبيرة في حدوث المرض، وهو لا يُدفع بالكامل بواسطة الميكروب وحده. لحدوث الوباء، يحتاج عدد محدد من الأفراد إلى الوجود في أنواع معينة من الاتصال، ضمن مسافات وزمنيات محددة. كما أن احتمالية إصابة الفرد وتعطيله تعتمد على حالته الصحية السابقة، والتي تشكلت بدورها في سياقات تاريخية واجتماعية قد تكون مظهراً من مظاهر الانشقاقات الجسدية. وبالتالي، بينما قد «تسبب» كائنات معينة المرض، فإن أسباب وعمليات الوباء هي ظواهر أكثر تعقيداً تنشأ في سياقات اجتماعية وتاريخية محددة.
تقدم بعض أطر الصحة العامة منظوراً أوسع يشمل «المحددات الاجتماعية للصحة»، لكنها غالباً ما تقصر النظر على البيئة الحالية (المتعاملة معها كمعطى ثابت وغير تاريخي)، وتتجاهل التفاعلات المعقدة التي تشكل التمثيل الاجتماعي، وتتجاهل خصوصية التمثيل الاجتماعي الرأسمالي القائم على القيمة التبادلية والتسارع.


مستويات التجريد وجدلية الطبيعة


يتطلب فهم الأوبئة استخدام مستويات تجريد مناسبة تعكس جدلية الطبيعة والأحياء. نطبق هنا مستويات التجريد الماركسية على الأوبئة:
1. الطبيعة الخارجية غير البشرية بشكل عام.
2. الطبيعة غير الحية (الأبيوتيك) والطبيعة الحية (البيوتيك).
3. الطبيعة الحية غير البشرية، بما في ذلك الكائنات الكبيرة والدقيقة.
4. الميكروبات القادرة على إحداث عمليات مرضية في البشر.
تظهر الجدلية في الطبيعة عبر أمثلة مثل العلاقة التكافلية بين شقائق النعمان البحرية والطحالب، التي تؤدي إلى إنتاج الشعب المرجانية، والتي بدورها تشكل موطناً لأنواع لا حصر لها. هذه الدورة المستدامة، كجزء من التمثيل الكوني للطبيعة، تُظهر كيف يمكن للاضطرابات في مثل هذه العلاقات طويلة الأمد أن تنتج أوبئة وجوائح بين الحيوانات.


جدليات الأوبئة: من المظهر إلى الجوهر


- المظهر/الجوهر: التمثيل السائد بأن «الممرضات تسبب الأوبئة» هو تشويه إيديولوجي. فهو يأخذ المظهر (الميكروب الأقرب للرصد) على أنه الجوهر، متجاهلاً أن إمراضية العديد من الميكروبات مرهونة بالسياق. هذه نظرة تجزيئية تشييئية للميكروب.
- التناقض: يقف التناقض بين التوسع والسرعة المتزايدة للإنتاج والتداول الرأسمالي من جهة، وبين العمليات المستدامة طويلة الأمد لتفاعل الكائنات في دوراتها الأيضية من جهة أخرى، مما ينتج انشقاقات.
- التداخل بين الأضداد: بالنسبة لميكروب مثل يرسينيا الطاعون، فإن «الإمراضية» هي طريقته في العيش والتكاثر والاستقلاب مع الطبيعة. هذا جانب مما أشار إليه روي باسكار حول كيفية «استعادة الطبيعة للبشر».
- الكم/الكيف: التراكم الكمي للتغيرات الجينية أو البيئية (بفعل القوى البشرية أو الطبيعية) يمكن أن يقود إلى تحول نوعي، مثل نشوء سلالات جديدة أكثر إمراضية أو تحول العلاقات من مستدامة إلى «متنافرة».
- نفي النفي: يتجلى في التطور التبادلي، مثل تطور الميكروبات لمقاومة المضادات الحيوية، وتطور سلالات فيروسية جديدة تتجنب تأثير اللقاحات، في سباق تطوري مستمر.


المشاع كنظام بيئي والانشقاقات الجسدية


ركز ماركس على السطو على المشاعات (مثل الأراضي) كأساس للتحول إلى العمل المأجور في الرأسمالية. يهاجم الرأسمال المشاع كفكرة، لكن مفهوم «المشاع» يجب أن يتجاوز المنظور الأنثروبوسنتري (المتمركز حول الإنسان) ليشمل حقيقة أن لكل الكائنات استقلابها مع الطبيعة، والتمثيل الكوني للطبيعة هو العملية الشاملة لكل هذه التفاعلات.
للانشقاقات الجسدية مظاهر متعددة:
1. البُعد الجسدي المتجسد: كما وصفه إنجلز وماركس وفيرشو في آثار العمل والجوع والمرض على جسد العامل.
2. بُعد الميكروبيوم: تؤثر الأنظمة الغذائية الصناعية والإفراط في استخدام المضادات الحيوية على تنوع ووظيفة ميكروبيوم الإنسان (اختلال التوازن الميكروبي)، مما يساهم في أمراض غير معدية، وهو انشقاق في التفاعل المستدام بين الإنسان وميكروباته.
3. البُعد بين الأنواع: الاضطراب في العلاقات بين البشر والأنواع الأخرى (بما فيها الميكروبات) في البيئة الأوسع، مما يمكن أن يتجلى في أوبئة وجوائح وانقراضات. هذا هو البعد «بين الأنواع» للانشقاق الجسدي.

 

---2_result


التاريخ المادي: التحولات الرأسمالية والأوبئة


شهدت التحولات في أنماط الإنتاج والتمثيل الاجتماعي تاريخياً ظهور أوبئة جديدة. فالتحول من الصيد والجمع إلى الزراعة، وثورة الزراعة الإسلامية، والتوحيد المنغولي لأوراسيا – جميعها ارتبطت بأمراض مثل الجدري والحصبة.
يختلف الوضع تحت الرأسمالية في الكيفية والسرعة. فالتمثيل الاجتماعي الرأسمالي يحول التفاعلات مع الحيوانات إلى «أنماط تفاعل» تتمحور حول القيمة التبادلية والتشييء، بدلاً من القيمة الاستعمالية والاستدامة. هذا التغير النوعي في العلاقة، وليس مجرد «التدجين» كعلامة على التقدم، هو المفتاح لفهم خطر الأوبئة.


دراسات حالة: الجمرة الخبيثة والطاعون


الجمرة الخبيثة والاستعمار: تتبع التحليلات الوراثية للسلالات العالمية لبكتيريا الجمرة الخبيثة (باسيلوس أنثراسيس) أنماطاً شكّلها النشاط البشري. إحدى السلالات منتشرة في فرنسا وهايتي والسنغال وغامبيا ومنطقة كندا الفرنسية السابقة، مما يشير بقوة إلى أن هذا التوزيع نتج عن الاستعمار الفرنسي وتجارة الرقيق وتبادل الفراء المصنع في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وباء الجمرة الخبيثة في هايتي عام 1770، الذي قتل آلاف العبيد، كان نتيجة تفاعل الزلازل والتمرد والاستعمار وأنماط الإنتاج الرأسمالية الناشئة.
طاعون منشوريا والإمبريالية: حدثت أوبئة طاعون كبيرة في منشوريا (1910-1911) في سياق أزمات إمبريالية، والحرب الروسية اليابانية، والتحول السريع في استخدامات الأراضي وبناء السكك الحديدية. كان للصيادين الأصليين في المنطقة طريقة صيد مستدامة ومحددة موسمياً لحيوانات المرموط (القوارض الحاملة للطاعون)، تتضمن تجنب الحيوانات المريضة. مع توسع الرأسمالية، تم جلب آلاف الصيادين العمال المهاجرين للصيد على مدار العام، مدفوعين بطلب سوق الفراء العالمي وصبغات الأنيلين الصناعية التي جعلت فراء المرموط تقليداً مربحاً للفراء الثمين. أدى الصيد المكثف غير الانتقائي، وانتشار الجلود والعاملين عبر خطوط السكك الحديدية الجديدة، إلى انتشار الوباء ووفاة نحو 60,000 شخص. هنا، تحول نمط التفاعل المستدام إلى نمط رأسمالي مغترب، مسبباً انشقاقاً جسدياً بين الأنواع.


الأنثروبوسين والانشقاقات بين الأنواع


التسارع الحديث للتغيرات في النظام الأرضي (الأنثروبوسين) – كالتغير المناخي وذوبان الجليد الدائم – يزيد من حدة الانشقاقات بين الأنواع وخطر الأوبئة.
- الطاعون: ترتبط معدلات الطاعون بالطقس الدافئ. يؤدي ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى زيادة تجمعات القوارض والبراغيث، وتغيرات استخدام الأراضي، مما يزيد المخاطر، خاصة في المناطق الحضرية.
- الجمرة الخبيثة والجليد الدائم: في عام 2016، تسببت موجة حر في ذوبان الجليد الدائم في سيبيريا وإطلاق جراثيم جمرة خبيثة مجمدة منذ قرون. أدى ذلك إلى وباء بين حيوانات الرنة وإصابة عشرات الأشخاص، بعد غياب المرض عن المنطقة إلى عقود بسبب وقف التلقيح. التحليل الوراثي أظهر أن السلالة تعود إلى زمن التوسع المنغولي في القرن الثالث عشر.


خاتمة: نحو تمثيل اجتماعي مستدام


تتفاعل جميع الكائنات، بما فيها البشر، جدلياً مع الطبيعة الحية وغير الحية كجزء من التمثيل الكوني للطبيعة. تولد أنماط الإنتاج المحددة تمثيلات اجتماعية محددة تؤثر في كل التبادلات الحيوية-الفيزيائية، وتحدد شروط الاستدامة أو الانشقاق. تكمن خصوصية الرأسمالية في الكيفية والسرعة غير المسبوقتين للإنتاج المغترب والتداول من أجل التراكم، مما يؤدي إلى انشقاقات استقلابية وجسدية متسارعة، بما فيها انشقاقات بين الأنواع تزيد من مخاطر الأوبئة.
لا تؤدي هذه الأوبئة إلى «تسوية» المخاطر، بل تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة، فتضرب العمال والفقراء والمهمشين بشكل أقسى. قد يستجيب «الرأسمال» للأوبئة كأسواق جديدة أو كمجالات منافسة، بينما يحاول نظام الدولة التابع له تخفيف الآثار (أو نقلها) غالباً دون معالجة الأسباب الجذرية.
يتطلب الفهم الجدلي المادي التاريخي للأوبئة منظوراً يعترف بالتعايش والترابط الضروري لجميع الأنواع، وترابط العالم الحي وغير الحي كعملية شاملة. إن خصوصيات التمثيل الاجتماعي، وإن كانت مشروطة تاريخياً، يجب أن تكون محور «البراكسيس» (الممارسة النظرية). كما كتب ميزاروس: لا يمكن إيجاد «حل تاريخي مستدام» للتناقضات التي يخلقها التمثيل الاجتماعي الرأسمالي «من دون استئصال الدولة نفسها من التمثيل الاجتماعي المتناحر» و«إعادة الهيكلة الجذرية للتمثيل الاجتماعي نفسه بطريقة غير متناحرة». هذا يتطلب انتقالاً من الرأسمالية، نحو تمثيل اجتماعي مستدام مع الطبيعة، ونحو حضارة بيئية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263