العالم ينعى مايكل بارينتي.. الصوت الماركسي المناهض للإمبريالية
جنى قدري جنى قدري

العالم ينعى مايكل بارينتي.. الصوت الماركسي المناهض للإمبريالية

يمثل رحيل المفكر الماركسي مايكل بارينتي خسارةً لناقدٍ جريءٍ للرأسمالية والإمبريالية، والذي ساهمت أعماله في إعادة تشكيل الوعي الطبقي والفكر المناهض للإمبريالية في جميع أنحاء العالم.

ينعى اليسار العالمي رحيل مايكل بارينتي، المفكر الماركسي والمؤرخ والمفكر العام المؤثر، الذي كشفت أعماله آليات الرأسمالية والإمبريالية والسلطة الأيديولوجية بوضوحٍ لا مثيل له. توفي بارينتي في 24 كانون الثاني عن عمر يناهز 92 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً أثّر في أجيالٍ من الباحثين والمنظمين والحركات المناهضة للإمبريالية في جميع أنحاء العالم.
لعقود، انفصل بارينتي عن التيار السائد في الأوساط الأكاديمية والسياسية، رافضاً تخفيف حدة تحليله أو تطويع لغته لتتوافق مع المعايير الليبرالية. لم يكتب لإبهار المؤسسات، بل لتزويد الناس بالفهم.


جذور من الطبقة العاملة، وسياسة لا هوادة فيها


وُلد بارينتي عام ١٩٣٣ في مدينة نيويورك لعائلة أمريكية إيطالية من الطبقة العاملة، وكان يقول دائماً إن التزاماته السياسية لا تستند إلى مفاهيم مجردة، بل إلى تجربة معيشية. لم تكن الطبقة شيئاً اكتشفه نظرياً، بل شيئاً نشأ عليه.
حصل على شهادة الدكتوراة، ودرّس العلوم السياسية والتاريخ، لكن ماركسيته الصريحة ومعارضته للإمبريالية أدّت إلى تهميشه تدريجياً في الأوساط الأكاديمية النخبوية. وبدلاً من التراجع أو الانصياع، اختار بارينتي الاستقلال؛ فألقى محاضرات على نطاق واسع، وكتب بغزارة، وتحدث مباشرةً إلى قاعات النقابات، والمراكز المجتمعية، ومساحات النشطاء، والجماهير الدولية.
عاش حياة متواضعة، وتجنّب العمل في مراكز الأبحاث والتمويل المؤسسي، وأبقى حياته الخاصة بعيدة عن الأضواء. كان زوجاً وأباً، من بينهم الصحفي والمحلل السياسي كريستيان بارينتي، لكنه لم يسعَ قطّ إلى بناء صورة عامة متجذرة في سيرته الذاتية. ما كان يهمه هو العمل.


كشف الطبيعة الطبقية «للديمقراطية»


كانت أبرز إسهامات بارينتي الأكاديمية الدائمة نقده المنهجي للديمقراطية الليبرالية في ظل الرأسمالية. في كتابه الرائد «الديمقراطية للأقلية»، الذي نُشر لأول مرة عام ١٩٧٤، جادل بأن الديمقراطيات الرأسمالية ليست أنظمة محايدة مفتوحة للجميع على قدم المساواة، بل هي دول ذات بنية طبقية حيث تحدد القوة الاقتصادية بشكل كبير النتائج السياسية.
بيّن كيف تخدم الانتخابات والمحاكم ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة مصالح رأس المال باستمرار، بينما تُدار المطالب الشعبية أو تُضعف أو تُقمع. جادل بأن الديمقراطية لا تُتسامح إلا طالما أنها لا تُهدد علاقات الملكية.
كتب بارينتي: «السلطة ليست موزعة بالتساوي في المجتمع. أولئك الذين يملكون ويسيطرون على الثروة الإنتاجية يميلون إلى الهيمنة على الحياة السياسية للأمة». أصبح الكتاب مرجعاً أساسياً للطلاب والناشطين حول العالم، لما يتميز به من وضوح ورفضٍ للأوهام الليبرالية.


الإمبريالية بلا قناع


كان لبارينتي تأثيرٌ بالغٌ في أعماله حول الإمبريالية والسياسة الخارجية الأمريكية. ففي كتبٍ مثل «ضد الإمبراطورية» و«قتل أمة»، فنّد فكرة أن الحروب الغربية مدفوعةٌ بدوافع إنسانية أو مُثُل ديمقراطية.
بل ربط التدخل والعقوبات وتغيير الأنظمة بالمصالح المادية: السيطرة على الموارد والعمالة والأراضي الاستراتيجية والأسواق العالمية. وبيّن كيف يُوظَّف خطاب حقوق الإنسان بشكلٍ انتقائي، وكيف تُحمى الدول التابعة المُذعنة من التدقيق، وكيف يُصنَّف التمرد على أنه مرضٌ مُزمن. حيث قال: «إذا كانت واشنطن مهتمة حقاً بالأقليات المضطهدة، فلماذا لا تقصف إسرائيل رداً على ما تفعله بالفلسطينيين؟»، مايكل بارينتي، كان بلا شك أقل المفكرين اليساريين تنازلاً عن مبادئهم.
لا تزال إحدى أشهر أقوال بارينتي حاضرة بقوة في وقتنا الحالي: «إن الوظيفة الأساسية للإمبريالية ليست التمدين أو الديمقراطية، بل الحفاظ على نظام عالمي من عدم المساواة».
ساعد تحليله الحركات المناهضة للحرب والإمبريالية على رفض التشتت الأخلاقي والتركيز على البنية بدلاً من المظاهر.


مناهضة معاداة الشيوعية والنزاهة التاريخية


في كتابه «القمصان السوداء والحمر»، واجه بارينتي معاداة الشيوعية في الحرب الباردة كأيديولوجية لا كتحليل. لم ينكر القمع أو الفشل في الدول الاشتراكية، لكنه كشف كيف يُطبع العنف الرأسمالي بينما تُقاس التجارب الاشتراكية بمعايير أخلاقية مستحيلة.
وأصرّ على المقارنة التاريخية، متسائلاً عن سبب اعتبار الفاشية شذوذاً بينما يُتجاهل العنف الجماعي للرأسمالية، بما فيه الاستعمار والعبودية والعقوبات والحرمان البنيوي، أو يُصوَّر على أنه أمر لا مفر منه.
عاد الكتاب فتح نقاش جاد حول إنجازات الاشتراكية في مجالات محو الأمية والرعاية الصحية، مشاركة المرأة، والرعاية الاجتماعية، في وقتٍ كانت فيه مثل هذه النقاشات تُعتبر من المحرمات السياسية.


الإعلام، والأيديولوجيا، والموافقة المصطنعة


قبل وقتٍ طويل من شيوع مصطلح «الوعي الإعلامي»، كشف بارينتي النقاب عن التحيز البنيوي لوسائل الإعلام التابعة للشركات. في كتابه «اختراع الواقع»، أوضح كيف تُشكّل الملكية، والإعلان، والمصادر، وإجماع النخب ما يُنقل، وكيف يُصاغ، وما هي الأصوات المُستبعدة.
أكّد أن الدعاية لا تتطلب رقابة صريحة. فهي تعمل من خلال التكرار، والحذف، والسخرية، والغضب الانتقائي، مُعلّمةً الجماهير ما يجب تجاهله بقدر ما تُعلّمهم ما يجب تصديقه.
جعل هذا العمل من بارينتي ركيزةً أساسيةً في الدراسات الإعلامية النقدية، ولا سيما بين الناشطين الساعين إلى دحض روايات الحرب والخرافات الاقتصادية.


باحثٌ في النضال، لا في التنازلات


لم يُميّز بارينتي ما طرحه من حجج فحسب، بل كيف عاش. لم يتعامل قط مع السياسة الراديكالية كسلّمٍ وظيفي. تقبّل التهميش بدلاً من المساومة، واستمر في التعبير بوضوحٍ عندما كان التلطيف يُكافأ.
لا تزال محاضراته، التي انتشرت على نطاق واسع عبر الإنترنت، محفورة في الذاكرة لما فيها من دفء وروح دعابة ودقة بالغة. لقد وثق بقدرة عامة الناس على استيعاب الأفكار المعقدة دون قيود أكاديمية.
وبذلك، ساهم بارينتي في ردم الهوة بين البحث العلمي والنضال، مُعيداً الثقة في التحليل الطبقي في وقتٍ كان فيه هذا التحليل يتلاشى أو يُستبدل بالتجريد الأخلاقي.


إرثٌ خالد


لم يُؤسس مايكل بارينتي مدرسةً أو يُنشئ أتباعاً. بل انتشر تأثيره بطريقةٍ مختلفة: من خلال الكتب المُستعملة، والمحاضرات المشتركة، وحلقات الدراسة، ومساحات الحركة، ولحظات الإدراك الهادئة التي تُصبح فيها الحياة فجأةً ذات معنى. في زمنٍ يتجدد فيه العنف الإمبريالي، وتتفاقم فيه عدم المساواة، ويسوده الارتباك الأيديولوجي، يبقى عمله ذا صلةٍ مُقلقة.
كتب ذات مرة: «الخطوة الأولى في النضال من أجل العدالة الاجتماعية هي فهم طبيعة النظام الذي نواجهه». لأجيالٍ من المثقفين والمنظمين والباحثين من الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم، ساهم مايكل بارينتي في جعل هذا الفهم ممكناً. لقد رحل صوته. لا يزال يتمتع بوضوح الرؤية.

المصدر: الميادين الإنجليزية

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263