الكلمة الآن للسوريين
إيمان الأحمد إيمان الأحمد

الكلمة الآن للسوريين

لم تستطع الخطابات السياسية على أنواعها توحيد السوريين «موقفاً وخطاباً» بالقدر الذي فعلته وراكمته الأوضاع المعيشية السيئة وأحوال الناس المتردية أكثر فأكثر والمتزامنة مع شتاء قارس وأعباء متراكمة ومستجدة أوصلت شرائح واسعة من الناس إلى حافة الجوع.

في الأيام الأخيرة الماضية، وبعد صدور فاتورة الكهرباء على التسعيرة الجديدة، التي بدت وكأنها القشة التي قصمت ظهر البعير، توحد السوريون في موقف واحد ضد الغلاء وارتفاع الأسعار والمطالبة بحقوقهم المباشرة والمحقة، توحدوا وقالوا كلمتهم ضمن خطاب جامع جرى تغييبه إعلامياً لأشهر خلت، ولصالح خطاب الكراهية والتجييش الطائفي والقومي والإثني وغيرها من أدوات تفتيت وتذرية المجتمع.


تصاعد الخطاب


لم يكن هناك زخرف أو غموض في الحديث المتداول هذه المرة على لسان شرائح مختلفة من الناس يشتركون في كونهم ينتمون إلى الفئة الأكثر تضرراً من مجمل السياسات التي تمارسها السلطة الحالية ولا تختلف كثيراً عن ممارسات السلطة السابقة بل تؤكد يوماً بعد آخر أنها استمرار لها. مطالب واضحة وصريحة ومحقة، عبرت عنها لافتات المحتجين في عدة أماكن ومنصات تجمعوا فيها وتراوحت بين بداية مع: «الكهرباء حق وليست رفاهية، لا تنغصوا فرحتنا بالتحرير، لا للفساد ولا للقرارات غير المدروسة، رفع سعر الكهرباء قرار ظالم وجائر...» ومروراً بـ: «ما رح ندفع وعن قرارك لازم ترجع، بدنا عدالة بدنا كرامة، بدنا كهربا، كفى فساد وكفى استغلال...» وانتهاء بـ: «نحن السوريين أولاً، سورية لكل السوريين والكهرباء حق لهم...» ثمة رمزية يحملها تصاعد الخطاب في الشارع ليس كتعبير عن المطالب المباشرة فقط، والتي كانت سبباً في حالة الغضب الواضحة بل كتعبير سياسي مضمر عن موقف يربط السوريين، كل السوريين، بوطنهم، وطن يعيشون فيه بكرامة.


وينهم؟؟


إضافة إلى ذلك وثقت فيديوهات قصيرة أحاديث الناس المباشرة وتعبيرهم عن أوجاعهم الفعلية مع بعض منصات التواصل والوسائل الإعلامية، قالوا فيها وشرحوا بكثير من التفصيل ما يعانونه من مشكلات وارتفاع أسعار ومعيشة أوصلت بكثيرين إلى حافة الجوع، وما ارتفاع أسعار الكهرباء سوى واحدة منها، كما طالب بعضهم، وبالاسم، شخصيات تصدرت المشهد الإعلامي في الفترة السابقة وتخصصت بالتجييش الطائفي التفتيتي متسائلين: «وينهم؟»، سؤال محق يثبت وعياً واضحاً بما يجري، أين كل هذه الشخصيات والأبواق التي صدرت نفسها إعلامياً وتصدرت المشهد وطفت في إحداث الدم والموت والكراهية، أين هؤلاء ممّا يعاني منه السوريون فعلاً وما يريدونه حقاً؟
«وينهم؟ عن حقوقنا، في الكهرباء والغذاء والتعليم والصحة...؟ وينهم؟ عن كرامتنا المهانة من الفقر والجوع، وينهم؟ عن الإذلال الذي نتعرض له كل يوم في تفاصيل حياتنا اليومية وسعينا وراء لقمة العيش؟ وينهم؟ مازالوا يتشاطرون على الناس ويمارسون أسوأ أنواع التحريض والتجييش، ولكنهم يختفون عند الحديث عن جوعنا وقهرنا؟؟» ليس ثمة بيان أوضح من هذا في وجه ما يعتقده البعض ويروج له تحت يافطة: «شعب ما بيفهم سياسة» ويبرر لنفسه تحت هذه المقولات وغيرها مصادرة حقوق الناس بالحريات السياسية والمشاركة الفعلية في رسم السياسات العامة في البلاد، وتحديد ما يلزم لبناء مستقبل سورية اللاحق على أسس المواطنة المشتركة.


العدالة شرط أساسي وضامن


تؤكد المرويات الشعبية أن «المصائب تجمع الناس»، واليوم يعيش السوريون على وقع تراجع كبير ومستمر في ميزان الأمان بمختلف أنواعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي...إلخ، وبحدوده الدنيا، كما تثبت الوقائع الاستثمار في «مظلوميات مختارة ومحددة» حتى وإن كانت محقة، واستخدامها في إشغال الناس وإشعال خلافات ثانوية، غالباً ما يؤدي إلى استمرارها، ومضاعفة أعداد الضحايا الناتجة عن هكذا استثمار، بينما تبقى «العدالة» الشرط الأساسي الضامن لإنهاء المظلوميات على مختلف أنواعها وبناء البلاد وضمان استقرار المجتمع. إن المطالبة بالعدالة، لا كشعار فارغ، بل كمضمون حقيقي ومتعدد الجوانب والاتجاهات، عدالة سياسية واقتصادية واجتماعية، ينصف من خلالها السوريون ويعيشون بكرامة في بلاد أحبوها ودفعوا ثمناُ باهظاً في سبيل بقائها ووجودها، ويستحقون العيش فيها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263