التراجع بطعم آخر
إيمان الأحمد إيمان الأحمد

التراجع بطعم آخر

ما زال البعض واهماً يراهن على التطبيع مع الكيان الصهيوني وإمكانية إقامة علاقات سياسية وثقافية معه. في الوقت الذي يتكشف فيه للعالم أجمع ماهية هذا الكيان ليس بوصفه ممثلاً لرأس المال المالي العالمي الأكثر وحشية فقط، بل لكونه أثبت بالفعل وعبر ممارساته السياسية والعسكرية والثقافية حقيقة أن وجوده أصبح تهديداً للبشرية كلها.

فحسب تعبير المثل الشعبي «يطعمك الحج والناس راجعة»، يبني البعض موقفه هذا ويرتبه، رغم الحقائق التي يكشفها الكيان عن نفسه في كل يوم وموقف ومتغير جديد، وفقاً لإحداثيات قديمة ومتآكلة. حيث لم يهضم بعد، مثلاً، أحد أهم التغيرات السياسية في العالم اليوم والمتمثلة بتراجع الهيمنة الغربية والأمريكية على وجه الخصوص وتغير ميزان القوى العالمي لغير صالحها وصالح ممثليها وحلفائها، بينما ينطلق آخرون من كيدية واضحة مصدرها حالة الفوضى والتخبط التي تعيشها المنطقة أو بسبب ضيق الأفق والتعنت السياسي، بينما تسير الأمور في العالم على نحو مغاير.

فقد أثار، في الآونة الأخيرة، الحدث الثقافي الأبرز في أستراليا مهرجان «أديلايد» والذي يجذب الكثير من مثقفي العالم، عاصفة من الجدل. فقد شهد المهرجان سلسلة من الانسحابات والاستقالات بعدما أبلغ الكاتبة الأسترالية الفلسطينية رندا عبد الفتاح المعروفة بإسهاماتها في الأدب الخيالي والواقعي والمدافعة الشرسة عن حقوق الشعب الفلسطيني أنّه «لا يرغب في المضي قدماً» في مشاركتها في فعالية أسبوع الكتّاب التي ينظّمها. وبررت إدارة المهرجان موقفها هذا «بحساسيات ثقافية» أثارها إطلاق النار في شاطئ بونداي يوم 14 كانون الأول خلال احتفال بعيد يهودي. رداً على ذلك، انسحب عشرات المدعوين من المهرجان، واستقال عدد من أعضاء مجلس إدارته بمن فيهم رئيسته، فيما طالب محامو الكاتبة بتفسيرات وفقاً لما نقلت وكالة «فرانس برس».
وقال المهرجان حينها في بيان «بينما لا نشير بأي شكل من الأشكال إلى أنّ الدكتورة عبد الفتاح أو كتاباتها لها أي صلة بمأساة بونداي، إلا أنه بالنظر إلى تصريحاتها السابقة، فقد توصلنا إلى رأي مفاده أن مواصلة برمجتها لا تراعي الحساسيات الثقافية في هذا الوقت غير المسبوق بعيد (واقعة) بونداي».

من جهتها، أكدت الكاتبة والأكاديمية رندا عبد الفتاح بأنّ استبعادها يعكس «عنصرية صارخة ومخزية ضد الفلسطينيين». وأضافت في بيان أصدرته: «هذه محاولة حقيرة لربطي بمذبحة بونداي». وسبق للكاتبة أن واجهت انتقادات بسبب بعض تصريحاتها، ومنها منشور على منصة إكس في تشرين الأول عام 2024 قالت فيه إنّ «الهدف هو تصفية الاستعمار وإنهاء هذه المستعمرة الصهيونية القاتلة».
وكان اللوبي «الإسرائيلي» قد مارس ضغوطاً على إدارة المهرجان لإلغاء دعوة عبد الفتاح بسبب مواقفها المنتقدة «لإسرائيل». وأسفر هذا الضغط عن استقالة رئيسة مجلس الإدارة، تريسي وايتينغ، كما انسحبت الكاتبة لويز أدلر، ابنة والدين من الناجين من المحرقة، من منصبها في إدارة المهرجان.

وذكرت وسائل إعلام أسترالية أن استبعادها أدى إلى انسحاب أكثر من 180 مشاركاً من الحدث الثقافي الذي من المفترض أن يستمر من 27 شباط إلى 15 آذار المقبل. مما اضطر مجلس إدارته إلى إعلان إلغائه نهائياً.
وضمّت قائمة المنسحبين شخصيات بارزة، من بينها رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن، والكاتبة البريطانية زادي سميث، والكاتبة الأسترالية كاثي ليت، والكاتب الأمريكي الحائز جائزة «بوليتزر» بيرسيفال إيفرت، إضافة إلى وزير المالية اليوناني السابق الكاتب يانيس فاروفاكيس الذي نشر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيه وهو يمزق دعوته. كما استقال ثلاثة أعضاء من مجلس إدارة «أديلايد» خلال اجتماع استثنائي وفقاً لما نقلته التقارير الإعلامية إضافة إلى رئيسة مجلس الإدارة تريسي وايتينغ.
ويُعدّ «مهرجان أديلايد» من أعرق الفعاليات الأدبية والفكرية في أستراليا، تأسّس في ستينيات القرن الماضي، وشكّل منصة دولية للنقاشات الأدبية والسياسية والفكرية، واستضاف كتّاباً ومفكّرين من مختلف أنحاء العالم، وجرى وصفه بأنه مساحة مفتوحة لتبادل الأفكار والجدل العام حول قضايا الثقافة والعدالة والحرّيات.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261