أوهام «المخلصين»
عندما يغلق الباب أمام الداخل للمساهمة في صنع التغيير، يدفع ذلك الكثير من القوى السياسية والنخب للوقوع في وهم «المُنقذ الخارجي». والاعتماد على قوى كبرى في مقدّمتها الولايات المتحدة بوصفها «الملجأ الأساسي» في الخيال السياسي لهذه القوى، صفة رسمتها رواية الهيمنة في النصف الثاني من القرن العشرين، ولكن.
تحمل هذه الـ«لكن» كثيراً من المسائل التي تحتاج البحث والتمحيص. فالافتراض أن أمريكا هي القوة القادرة على الإطاحة بطاغية ما على هذا الكوكب، أو حماية أقلية خائفة، أو فرض انتخابات مُؤجَّلة تقف أمامها بعض الحقائق التي لا بد من سردها، حقائق يؤكدها التاريخ والخبرة في التعامل الطويل مع سياسات الولايات المتحدة في المنطقة والعالم أجمع. فغالباً ما يكون السعر المدفوع أعلى من الوعود و«المخلص الأمريكي» بحكم طبيعته لا يقدم خدمة مجانية، بل مقابل تنازلات أمنية وسياسية في ملفّات متعدّدة. ويقدم نفسه «شريكاً» يساهم في إعادة إنتاج أزمات جديدة وتفعيل بعض البؤر في المشاكل والأزمات القديمة لاستمرار سيطرته وتحكمه بمن يطلبون مساعدته.
والأمثلة على هذا المسار لا تعد ولا تحصى بل يكاد يكون تاريخ تدخل الولايات المتحدة في شؤون الغير سلسلة من الأمثلة على ذلك. ربما ليس آخرها (العراق، فنزويلا، ...وغيرها). يقدم البعض «أنظمة وقوى» أوراق اعتماده للأمريكي للبقاء على قيد الحياة، ولا تكتمل صفقة كهذه دون وجود «إسرائيل» في أوراق الاعتماد كشرط أساسي للاتفاق، وهنا تتفق الكثير من الأنظمة مع بعض المعارضات والقوى السياسية المحلية في وهم «الأمريكي المخلّص». ويظن بعض «الأذكياء» منهم أنهم يمكن أن يتعاملوا مع «التوازنات» في هذه المعادلة المعقدة.
عندما لا ينجح الرهان على أمريكا، يذهب كثيرون في اتجاه التفاهم مع «إسرائيل»، واستجدائها، إما رغبة في استعادة رضا واشنطن عليه، أو لاعتقاده أنها ممكن أن تكون بديلاً مناسباً يحفظ لهم ماء وجوههم أمام جمهورهم على الأقل. ويبرر هذا التحول أمام جمهوره بوهم جديد مفاده أن «إسرائيل» قد تكون «مختلفة»، ويتناسى الحقيقة البسيطة التي يؤكدها العلم قبل السياسية بأن إسرائيل هذه ليست سوى الممثل الأساسي لرأس المال المالي العالمي والأمريكي خصوصاً، وأنها عصا الولايات المتحدة في المنطقة ورأس حربتها، هذه الأوهام خاسرة لسبب بسيط تعلنه أمريكا نفسها اليوم في تخليها عن حلفائها الأساسيين والتقليديين، فكيف ستفعل مع قوى طارئة هنا وهناك أو أنظمة تحاول الاستمرار في نهب شعوبها على أساس التبعية المستمرة للغرب. يثبت التاريخ أن الرهان لا يزال قائماً على قوة الشعوب وإرادتها الحرة، أما غير ذلك فهو وهم وقبض للريح.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
آراس محمد