المرحلة الكاشِفة ومؤشرات الجبهة الفكرية: تحوّلات تستحق التفكُّر
مع كل تطوّر للصراع السياسي نتأكد أكثر فأكثر على مستوى الوعي وجبهة الصراع الفكري بأن المرحلة التاريخية الراهنة كاشفة للقوانين والاتجاهات الأساسية ليس فقط للرأسمالية ولكن للمجتمع الطبقي ككل. الالتفات إلى هذه الخاصية النوعية للمرحلة، أي في كونها كاشِفة، ضروري ليس فقط للتموضع في ظرف سريع التطور وشديد التعقيد، بل لفهم وتوقع، ما أمكن، اتجاهات التطوّر الرئيسية.
عن المرحلة الكاشفة مجدداً
في العودة إلى بعض كلاسيكيّات الفكر الفلسفي والسياسي في الماركسية خاصة، نجد المعادلة المركزية التالية: إن وصول صراع المتناقضات إلى مرحلة من الحدود التاريخية، أي إلى مرحلة ضرورة حلّ تلك التناقضات، فإن جوهر تلك التناقضات (وبالتالي نتيجة حلّها الكامنة فيها) ينكشف ويظهر للـ«عين العادية». هذا مثلاً ما نجده شديد الوضوح في الدفاتر الفلسفية للينين. وكون المرحلة اليوم تشهد احتداماً للتناقض في الرأسمالية في نسختها الراهنة وغياب هوامش المناورة أمامها، فهذا يحمل ضمناً احتدام التناقضات في المجتمع الطبقي ووصوله هو نفسه إلى حدوده التاريخية بسبب موقع الرأسمالية في تاريخ تطور المجتمع الطبقي، وبشكل خاص عدم إمكانية استمرار الانقسام (العمل-رأس المال) والانقسام (فرد-مجتمع)، وفي الوقت ذاته الحفاظ على الحياة على الكوكب.
وهذا الانكشاف يظهر على مستوى الوعي والجبهة الفكرية، أولاً في غياب أيّ سردية ممكنة بديلة لتبرير هذا الواقع المأزوم لدى هذه البنية المأزومة، فما يجري تقديمه من قبل أيديولوجيي ودعائيي القوى المهيمنة هو اللايقين واللاتعيين واللاعقلانية. وثانياً، على طرف القوى التي تحاول الحفاظ على الذات من موقع الصراع مع التفتيت والهجوم الشامل عليها، يظهر الانكشاف من خلال ما يمكن تسميته بالـ«تلمّس التجريبي» لواقع النظام العالمي كنظام رأسمالي-طبقي في مرحلة متقدمة من تعفّنه. هذا التلمس التجريبي
الذي يقول بأن ما كان لم يعد ممكناً استمراره وما يجب أن يكون غير واضح المعالم بعد، هو تعبير، وإن بلغة نظرية غير مكتملة (بسبب من تجريبيّته النسبية) من موقع نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية، عن أن التناقضات وصلت إلى حدود تاريخية وهي لذلك تفرض نفسها على القوى الحية التي تحاول التفكير في حل المسائل والمهمات المطروحة. وهنا لا نقصد أن كل القوى التي تتقدم المشهد تتحرك من الموقع التجريبي النسبي، بل المقصود هو تلك القوى التي لا تنتمي نظرياً وبشكل واع إلى تيار المادية-التاريخية والماركسية كعلم شديد التعقيد. وهذا يفترض من قبلنا اعترافاً وتبنياً ضمنياً لهذا العلم كونها أرقى منصة معرفية توصلت إليها البشرية دون أن يعني ذلك نكران المنتج الفكري والمعرفي التقدمي للتيارات الأخرى، بل في كون المادية التاريخية والماركسية بنياناً توليفياً وتوحيدياً لكل المنتَج التقدمي على قاعدة مادية متماسكة.
في المعالم المباشرة لهذا الانكشاف
منذ انفجار الأزمة السورية، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية (الأطلسية-الغربية)-الروسية، وحرب الكيان في غزة ولبنان، إلى الحرب ضد إيران، ومن ثم فنزويلا، وغيرها من البؤر المنفجرة، بدأت تتضح معادلة مركزية يشار إليها على أنها من مفاتيح «الصمود والنصر»، ألا وهي «الجبهة الداخلية». هذا الموقف نجده اليوم يتكرر وبشكل ثابت في مختلف المواد المكتوبة والمقابلات والتحليلات الجدية والصادقة، إن كان على لسان محللين أو باحثين أو حتى الحكومات. وإذا أردنا أن نترجم هذا الموقف إلى لغة صريحة يمكن القول بأنه انكشاف لقانون قديم في الكلاسيكيات الماركسية ألا وهو أن المواجهة مع الإمبريالية تعني استدارة في وجه الرأسمالية، فالجبهة الداخلية التي يجري الكلام عنها هي جبهة رفع مستوى معيشة الشعب وحل قضايا الاقتصادية والاجتماعية والروحية في ظل اقتصاد تابع أو طرفي في نهاية التحليل. هذا القانون ليس جديداً في اللغة النظرية وبشكل خاص لمن هم في موقع نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية من موقع الفكر المادي التاريخي. ولكنه اليوم يظهر بوضوح ليس فقط إلى عين الفاعلين من مختلف المواقع الفكرية بل إلى الجماهير نفسها إن كان في موقفها الواعي من حكوماتها أو في حركتها الاحتجاجية نفسها. وهذا القانون يجر معه الموقف من النظام الإمبريالي وأدواته المادية والعسكرية والفكرية والثقافية. ليس هذا القانون وحده هو ما ينكشف، بل تبعاته على الممارسة السياسية والفكرية نفسها. فالمقولة التي قالت بها قاسيون طويلاً، أي ضرورة الحوار أو فن الحوار، صارت اليوم تتكرر على لسان الكثيرين كممارسة ضرورية للتوصل إلى قواسم مشتركة بديلاً عن الصراع التناحري. وممارسة الحوار تعترف ضمناً بأن القوى ذات المصلحة لديها من المشتركات المصيرية والوجودية ما يتجاوز الخلافات، وهذه حالة جديدة في التاريخ تطلب أدواتها «العقلانية» الجديدة في وجه اللاعقلانية المعمّمة. من التبعات أيضاً التفكير النقدي الذاتي أو «وعي الذات» الذي يظهر مكمّلاً لضرورات المراجعة على وقع الأزمات التي منيت بها قوى المواجهة مؤخراً. والوعي الذاتي هنا هو تخطي حالة الهويات السياسية أو الفكرية الجاهزة نحو حالة من الانفتاح الممارسي ونحو جامعة، ما يعني تعبيراً عن الترابط والتعقيد في المصالح الذي يفرض هذا التطور في الهوية، ضد الهويات المتقابلة والمتصارعة.
وهنا نصل إلى نقطة «انكشاف» أخرى، ألا وهي الظهور الكثيف لمصطلح «السردية» أو «السرديات» في أدب الحوار والتحليل السياسي مؤخراً عند تناول الجبهة الثقافية والسياسية. من المعلوم أن مقولات «السرديات الكبرى» أو «مرحلة ما بعد السرديات» أصيلة في أدبيات الفكر السياسي والنظري عند توصيف المرحلة الراهنة من أزمة الرأسمالية، ولكنها اليوم تتحول إلى مكوّن عضوي في الخطاب السياسي اليومي كدليل على الانكشاف المتزايد لجوهر المرحلة التاريخية والمهام المترتبة عليها، من خلال أزمة السرديات السابقة إن كان لدى طرف القوى المهيمنة أو القوى التي تواجه هذا الطرف. وهنا لا نقول إنّ من يقول بالحاجة للسردية يملك هكذا سردية بديلة إن كان للمراجعة أو لتوحيد القوى الاجتماعية والجبهة الداخلية أو الإقليمية حولها، ولكنه مؤشر واضح على أن هناك ضرورة للانتقال إلى واقع جديدٍ السرديةُ هي تعبيره الواعي.
بشكل عام يمكن القول إن هذه العملية، التي لا تحصل بشكل سلس ودون آلام، تتطوّر مع كل تطور في الصراع وضروراته. والانتباه إلى هذه العملية يعمل كعنصر مساعد، لا بل تعويضي، على الجبهة الفكرية-السياسية، فالواقع التجريبي نفسه يعمل في صالح ولادة وعي جديد مما يجعل «الدعاية» النظرية أسهل على عكس ما يشاع حول أننا لا نملك اليوم إمكانيات كافية على جبهة الوعي في مقابل آلية الدعاية المهيمنة. ومن تبعات هذه العملية هو الانتباه إلى ضرورة الانفتاح على القوى التي تتطور في هذا الاتجاه وتأمين الأطر المناسبة لالتقائها وعملها المشترك.
ما سبق ليس إلا جزءاً قليلاً من الغنى الكامن في المرحلة الراهنة، التي على الرغم من الطول النسبي وتعقيد مساراتها تظهر اليوم وكأنها حتى تتجاوز وإن ببطء هذا التعقيد والطول لصالح تسارع أكبر وتجاوز للتعقيد يتطور يوماً بعد يوم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1261