المجتمع المنقسم والذكاء الاصطناعي: مؤشرات تناقض شامل

المجتمع المنقسم والذكاء الاصطناعي: مؤشرات تناقض شامل

شهدت الرأسمالية عدة «ثورات تكنولوجية» يجري عادة حصرها بأربعة رئيسية، وكانت كل واحدة تؤدي إلى تحوّلات في عملية الإنتاج وبشكل خاص في قوى الإنتاج، ومن ثم إلى تحولات اقتصادية-اجتماعية وسياسية. ولكن «الثورة» الراهنة (الرابعة) المتمثلة بالذكاء الاصطناعي هي أعمق وأكثر شمولاً، تظهر من خلال أشكال المقاومة كما أشكال استيعاب تلك المقاومة. فهل يمكن للمجتمع الطبقي أن يولّف بين هذه «الثورة» وتناقضاته؟

سريعاً حول الثورات التكنولوجية


شهد تاريخ الرأسمالية ما اصطلح على تسميته بـ 4 ثورات تكنولوجية. الأولى بدأت في القرن الثامن عشر حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتمثلت بشكل خاص بالانتقال من العمل العضلي البشري إلى الآلة من خلال اختراع الآلة البخارية. بينما الثانية تمثلت بعصر الصلب والكهرباء والإنتاج الموسع، والتي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. أما الثالثة فهي الثورة الرقمية التي انطلقت في النصف الثاني من القرن العشرين مع ظهور الحواسيب والإنترنت والإلكترونيات بشكل عام. أما عصر الثورة الرابعة المتمثلة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، فقد بدأ في بداية القرن الحادي والعشرين.


بعض تأثيرات الثورات الثلاث السابقة


كان للثورة الأولى تأثير اجتماعي-سياسي كبير، حيث جرى توظيف الآلات في قطاعات إنتاج كالنسيج والزراعة من خلال استبدال العمالة البشرية، فجرى نقل العمل العضلي من الإنسان إلى الآلة، وبالتالي جرى الاستغناء عن العمّال في تلك القطاعات. ولهذا كان شكل المقاومة لتلك التحولات حاضراً في تلك القطاعات بشكل رئيسي. ففي بداية القرن التاسع عشر ظهرت الحركة اللاضية (بالإنكليزية Luddite من 1811 إلى 1816) في إنكلترا (مدينة نوتينغهام تحديداً)، وذلك نسبة إلى نيد لود، وهو شخصية فولكلورية أصبح رمزاً للحركة، حيث استخدم اسمه لإمضاء رسائل التهديد والاعتراض التي وجهتها الحركة إلى أصحاب المصانع الذين قاموا بإدخال الآلات إلى ورشاتهم. وتمثلت الممارسة الرئيسية لتلك الحركة بالتحطيم المباشر للآلات.
تلاقت الحركة اللاضية مع حركة تمرّدات السوينغ (Swing Riots)، أيضاً نسبة إلى شخصية مخترعة أخرى هو الكابتن أو الملك سوينغ، من أجل ضمان سرّية مرسلي رسائل التهديد، والتي ظهرت أيضاً في إنكلترا منذ 1830 رفضاً لتوظيف الآلات في الزراعة. جرى قمع الحركتين وإعدام ونفي قادتهما. وكان الاعتراض على الآلة في الثورة الأولى ثقافياً من خلال التيار الرومانسي في الفن والأدب والتي كانت تحن إلى عصر ما قبل الآلة والحياة «البسيطة».
وتطوّر ونضج الموقف من الآلة من اعتداء مباشر على الآلات وتحطيمها إلى موقف سياسي تجاه النظام الاقتصادي-الاجتماعي الرأسمالي نفسه. وكانت الحركة الشارتية (الميثاقية، نسبة إلى ميثاق الشعب بالإنكليزية People’s Charter، في العام 1836 كحركة سياسية مطلبية) محطة من هذا التطور في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر، ومن ثم الحركات العمالية والثورات المتأثرة بالماركسية التي بدأت باستيعاب الآلة في سياق تحويل النظام الاجتماعي لصالح الغالبية من خلال دور التكنولوجيا في تقليل العمل الضروري، ما يفتح باب إطلاق طاقات الإنسان في نشاطات إبداعية وتحويلية للواقع بدل النشاط الروتيني.

وهذا الاستيعاب للتكنولوجيا، أي تحويل النقمة نحو النظام السياسي بدل النقمة على الآلة نفسها، كان يجري مع تطوّر الحركة السياسية الثورية وفكرها من الفوضوية إلى حركة أكثر انتظاماً. ولهذا لا يمكن قراءة رد الفعل الاجتماعي على التكنولوجيا الجديدة بمعزل عن تطور الحركة السياسية الشعبية الثورية وممارستها الفكرية والعملية بشكل عام. من هنا يمكن فهم أن مفاعيل الثورة التكنولوجية الثانية ظهرت في أشكال أوسع من ردود الفعل على الثورة الأولى، ليس بفعل نضج الحركة الشعبية السياسية فقط، بل بسبب اتساع نطاق توظيف التكنولوجيا الجديدة. فمع كل تحوّل في التكنولوجيا كان نطاق التوظيف يتّسع، ليضم مجالات الحياة اليومية وليس تلك المرتبطة بالإنتاج المباشر فقط، كالنقل والاتصالات وغيرها.

بالتالي كان الاحتجاج أكثر تعقيداً ومتضمناً في موقف سياسي واجتماعي أوسع، ظهر في ثورات سياسية كبرى منها الروسية (البلشفية) وما تبعها من ثورات على مستوى العالم امتدت حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أُحيطت التكنولوجيا بترحيب كبير كونه جرى توظيفها لصالح عملية التحرر الاجتماعي في البلدان المستعمرة، إن كان في المجالات العسكرية أو الصناعية أو الزراعية، وغيرها، ما يؤكد الطبيعة الديالكتيكية لتأثير التكنولوجيا وارتباطها المباشر بالنموذج السياسي-الاقتصادي على قاعدة مدى تعميقها أو قدرتها على حل التناقض بين الإنسان والمجتمع، وبين العمل ورأس المال. من هنا مثلاً يمكن فهم التناقضات التي أفرزتها الآلة بين قوى الإقطاع القديم في روسيا مثلاً والحركة التصنيعية في البلاد.

وهذا التعقيد في الموقف يظهر بشكل خاص مع الثورة الثالثة (الرقمية)، حيث إنها حصلت في ظروف الحرب الباردة، ما يعني أن مفاعيلها السلبية على سوق العمل جاءت ملجومة بتوازن سياسي-اقتصادي، ما أدى إلى تلطيف التناقض مع التكنولوجيا الجديدة، دون نفي وجوده، كونه أدى هذه المرة إلى استبدال قسم من العمل الذهني أيضاً إلى جانب استبدال قسم من العمل العضلي (من خلال الروبوتات الأقل ذكاء من تلك التي ظهرت مع الثورة الرابعة) على عكس الثورتَين الأولى والثانية اللتين اتسمتا باستبدال العمل العضلي حصراً. ولكن كون هذه التكنولوجيا لا تزال تتطلب دوراً للعنصر البشري لإدارتها، كان تخفيف التناقض من خلال التدريب وإعادة التأهيل، لا الاستبدال الكامل للعمل البشري كما حصل مع الثورة الأولى. ولكن هذا التدريب حصل في الإنتاج المتبقي في المركز فقط، لأن انتقال التصنيع من المركز إلى الأطراف في العقود الأخيرة من القرن العشرين أدى إلى إلغاء فرص العمل لا استبدالها في سياق عملية بطيئة. ولهذا كان التناقض بين العمل والآلة يحصل في سياق عملية معقدة من الصراع الاجتماعي-السياسي، أخذاً بالاعتبار تفكيك الطبقة العاملة في سياق دولة الرفاه، مما جعل أشكال المقاومة صعبة وملجومة ومستوعبة ضمن دولة «الرفاه» حيث تتركز التكنولوجيا الحديثة تحديداً (أمريكا الشمالية، أوروبا، اليابان تحديداً). هذا التناقض الذي ظهر متأخراً في سياق الحركة الشعبية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أي تحديداً مع زوال مفاعيل دولة الرفاه مع زوال الاتحاد السوفياتي واستفحال الأزمة في الرأسمالية.
العرض السابق يبدو اختزالياً إلى حد ما لضيق المساحة ولتعقيد المسألة نفسها، ولكنه معبّر لفهم موقع الثورة التكنولوجية الرابعة وكيف يحصل الاعتراض عليها.


مقاومة-استيعاب الثورة الرابعة


ظهرت الثورة الرابعة (التكنولوجيا الذكية) من خلال استبدال العمل العضلي والذهني معاً، في مرحلة من ضعف تطوّر الحركة الشعبية والثورية مع انحصار أشكال الصراع العالمي من خلال الدول بشكل خاص. وفهم تأثير هذه الثورة مبني أولاً على مدى اتساع تطبيقاتها في كل مجالات الحياة على عكس الثورات الثلاثة السابقة، كالتربية والتعليم والعلوم والإنتاج والاتصالات والترفيه والصحة والنقل والمواصلات وغيرها. وهي إذاً ليست محصورة في الإنتاج، بل في إنتاج أدوات الإنتاج (العلم). وبالتالي فإن حجم الاستبدال شبه شامل لكامل الطبقة العاملة. والتأثير الثاني، المرتبط بالأول، هو ثقافي-روحي، يطال جوهر تعريفات اجتماعية قيمية أخلاقية سياسية فلسفية، كون التكنولوجيا الذكية تخلق أزمة في الفكر الرسمي القائم على الانقسام الطبقي كهوية الإنسان والوعي والعلاقة بين الوعي والواقع، ومسألة المسؤولية القانونية والأخلاقية.

ولهذا فإن أشكال المقاومة تجاه هذه التكنولوجيا تحصل في كل حقول المجتمع، بعضها مباشر (مرتبط بالمجال الأول، أي عملية الاستبدال الشاملة للقوى العاملة البشرية) وبعضها غير مباشر (مرتبط بالأزمة الروحية والذهنية). تنعكس هذه المقاومة في ما يسمى في بحوث الذكاء الاصطناعي حول الثقة (رفع ثقة الإنسان وقبوله بالتكنولوجيا الجديدة) والأنظمة الذكية المتركزة حول الإنسان (human-centered AI) وإدخال الإنسان في الحلقة والفعل (إلى جانب الذكاء الاصطناعي) (Human in the loop) ورفع الفعالية الإنسانية (agency) والاغتراب (alienation) التي تشهد طفرة وغالبها بعدم مباشرة من مراكز التمويل والدول التي تحاول استيعاب التناقضات الناشئة. ويجري على أساسها تشكيل هيئات دولية محلية وإقليمية وعالمية من أجل «ضبط» وتقنين قطاع التكنولوجيا الذكية من خلال تضخم البحوث الأخلاقية (Ethics) في معظم جامعات العالم التي يجري ضخ تمويلات كبرى فيها.


خلاصة عامة


هذه التأثيرات لا يمكن استيعابها في سياق المجتمع المنقسم طبقياً - كما حصل مع الثورات السابقة (ضمن حدود صراع دموي شمل الحروب العالمية والثورات) - إلا من خلال تجاوز المجتمع المنقسم طبقياً. فاستبدال العمل البشري لصالح العمل الصناعي ذهنياً وعضلياً يعني استبدالاً عالمياً (أي إلغاء) للطبقة العاملة كلها، كونه لا مجال لرأس المال أن يتوسع أكثر - كما حصل مع الثورات الثلاث السابقة - إلا على حساب تفتت الدول نفسها نتيجة تعاظم التهميش على حساب الآلة. هذا التجاوز يؤدي إلى حل مسائل روحية فلسفية مرتبطة بالتكنولوجيا الذكية من خلال تجاوز انقسام إنسان-مجتمع، التي وحدها تعيد إدخال الإنسان في التاريخ وتعريفه كخالق لنفسه ولتاريخه بعيداً عن التعريفات المثالية التي سادت طوال قرون المجتمع الطبقي، والتي تهددها التكنولوجيا الراهنة وتدفعها إلى الواجهة. وبالتالي فإن محاولات الضبط التي تقوم بها دول كالصين مثلاً لحصر تطبيقات الذكاء الاصطناعي ليست إلا محاولة تلطيف مؤقتة، يجب قياس نجاحها ومدى محدوديته ضمن تطور عملية الصراع السياسي العالمي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1251