التجريبي
سامر محمد إسماعيل سامر محمد إسماعيل

التجريبي

يشكل سعد الله ونوس «1941- 1997» عتبة مهمة في قراءة المدينة العربية المعاصرة، فنصوصه التي استلهمها من التراث العربي، وخصوصاً كتاب الليالي العربية «ألف ليلة وليلة» كانت جميعها تدور أحداثها في مدينة بغداد، على نحو «مغامرة رأس المملوك جابر» و«الملك هو الملك» حيث تحضر المدينة كفضاء للدسائس وحفلات التنكر، وسقوط الأقنعة، وقطع الرؤوس، في حقبة تاريخية وصفها المؤرخون بزمن «الشطار والعيارين» وتحالف السلطة مع عيونها وأصحاب شرطتها وجلاديها على الشعب ومصائره؛ 

فيما تحضر دمشق كمدينة تتألف في نصوص صاحب «محكومون بالأمل» من سجون ومواخير وأسواق وقلاع كما في مسرحيته: «طقوس الإشارات والتحولات». إنها دمشق منتصف القرن التاسع عشر؛ رجال دين ونقباء وبنات هوى؛ كما هي في الحقبة المملوكية مؤرخون يراقبون الوقائع، يعلقون عليها، دون أن يتدخلوا في مجرى الأحداث؛ تحضر ها هنا مسرحية «منمنمات تاريخية» التي سجل سعد الله موقفه فيها من دور المثقف في الحرب عبر شخصية ابن خلدون عندما يقفل عائداً إلى المغرب بعد دخول التتار إلى دمشق وتكليف تيمورلنك له بتأليف كتاب عن بلاد المغرب العربي. لقد آثر صاحب «ملحمة السراب» أن يضع النهضة العربية على محك النقد التاريخي، حيث المسرح مكان لتاريخ مفقود يتم روايته على ألسنة شخصيات تتماهى مع الطرح الفني، ولوجاً إلى أنماط تبحث عن مؤلف، مسرح داخل مسرح، ليصل الصراع إلى أشده في مسرحيته «سهرة مع أبي خليل القباني» النص الذي يعتبر مجابهة صادمة بين الرجعية الدينية وفن المسرح، الصراع الدامي بين الدين والفن في هذا النص وضع جمهور السبعينيات في سوريا أمام عطب بنيوي لطالما شغل المثقف السوري بعيد الاستقلال؛ أو قل صياغة مدينة عربية كدمشق لا يمكن أن تحيا بأسواقها ومتاجرها على حساب تغييب مسارحها؛ ففي بغداد العباسية مثلما في دمشق القرن التاسع عشر، كان لا بد لسعد الله أن يقدم موجزه الأدبي؛ تصوره التنويري المعاصر عن المدينة كفضاء حاضن لفضاءات المسرح، ولقيمة هذه الأماكن في تثوير الوعي العربي، وانتزاعه من رقدته التاريخية، وخموله المزمن؛ لكن اللغة المسرحية التي كتب بها سعد الله ونوس جميع نصوصه لم تحالفه؛ ولم تستطع، على الرغم من أهمية هذه النصوص، أن تحقق حلمه بتحويل الكلمة إلى فعل؛ إذ قدمت العروض المشغولة عن مسرحيات سعد الله ونوس - في معظمها - لغة تسلطت على أدوات الممثل ومخيلته الإبداعية؛ محيلةً هذا الممثل إلى نموذج بائس من مرددٍ لخطب وعظات لطالما حاربها الكاتب في تنظيراته المسرحية و«بياناته عن مسرح عربي جديد» دون أن ترقى العروض إلى جوهر الفرجة الجماهيرية التي كان ينشدها ونوس في كتاباته المهمة؛ فغالباً ما كانت تؤدى أعماله على الخشبة بكامل دسمها الأدبي.

 

هواجس الجمهور

هذه الطريقة بالتعاطي مع مفهوم العرض المسرحي المنبثق عن أدبيات ونوس أنجبت بمعظمها أشكالاً مشوشة من الفرجة، وغالت أيما مغالاة في تنصيب «خرافة اللغة» على عرش المسرح، فيما تراجع دور الكلام الحركة، وتفاقمت الأدبيات المؤداة على الخشبة؛ لتصير نوعاً من انعكاس مباشر لأثر السلطة على جمهور تم التجريب فيه أيما تجريب؛ فالجمهور الصامت حد الفضيحة بعد هزيمة حزيران 1967 كان عليه أيضاً أن يخضع للترويض عبر دس ممثلين بين صفوفه في مسرحية «حفلة سمر» وليمسي الممثل والجمهور في نصوص سعد الله ونوس صورة غير محمودة من «كاسبار» - بيتر هاندكه، فالممثل هنا أقرب ما يكون لفأر تجارب تلقنه الأصوات معارفه وترشده عبر عسف لغوي آلي متقطع النبرة نحو ما يجب القيام به من إشارات وإيماءات، وخلجات وردود أفعال، إذ لم يبقَ هذا الممثل سوى صدى لارتطامات لغوية تعنفه في كل لحظة، وتمنعه من الخروج النفسي على نصه المدوّن نأمةً.. نأمة، ممثل منابر وخطيب مفوه، بالطبع كان ذلك نتيجة تحييد العاميات والمحكيات السورية بحجة تمكين اللغة العربية والحفاظ على الهوية القومية؛ تلك المحكيات التي كان من الممكن لها أن تشكل ناقلاً أميناً لهواجس الجمهور وأوجاعه وخيباته المتكررة؛ لتبقى مشاريع صاحب «أحلام شقية» مقتصرة على جمهور النخبة والمهتمين في مسرح القباني بدمشق، دون أن ينجح معظم من قدم مسرحيات سعد الله ونوس في استقطاب شرائح أوسع من الجمهور؛ حيث لم يعرف هؤلاء المخرجين أنه لا بد للمسرح من نزع الحاجز اللغوي بين الممثل وبين الشخصية التي يقوم بأدائها؛ حتى يصدق الجمهور ما يشاهده على الخشبة؛ لا بد من توازن بين الجهد الفيزيائي والنفسي للممثل عبر تعزيز المناجاة الداخلية التي يترجمها ممثلو المسرح إلى أفعال، ليصبح الممثل بعيداً كل البعد عن صيغ التعبير المحنطة السائدة في معظم عروض المسرح القومي فترة السبعينيات والثمانينيات، كون العرض مفهوماً مختلفاً تمام الاختلاف عن النص الأدبي الأخرس، هذا النص لا يمكن أن يبدو مؤثراً وفاعلاً كما هو مكتوب على الورق، بل عبر ارتجالات الممثل ومساكنته الحقيقية للشخصية المبتكرة والأصيلة؛ ذلك أن الشخصية المسرحية تعيش مراحل متعددة من الصياغة؛ مرةً على الورق، ومرات ومرات في زمن البروفة، الزمن القادر على إحالة الأدب المسرحي إلى عرض فني؛ عرض مسرحي يكون في جوهره كتابة للحياة اليومية بلغة المعيش ذاتها؛ وليس من خلال الصيغ المتفاصحة على الجمهور، وذلك بعد إخضاع النص إلى عملية دراماتورجية معقدة؛ إلا أن المسرح السوري ومثله معظم المسارح العربية ظل مكاناً للتفكير بالمسرح، لا مكاناً للعب الحر والبريء مع النص؛ خيانته، وتجاوزه إلى فضاء أكثر تحرراً من التسييس والسياسة وتحريض الفقراء؛ هؤلاء الذين تم تطفيشهم من المسرح بحجة تحريضهم! بالمجمل ينطبق هذا الكلام على معظم تجارب المسرحيين السوريين الذين للأسف لم يوفقوا في توظيف طاقة النص الفائق الذي كتبه ونوس على الخشبة.

 

تأصيل الأصول

باختصار، كان على مخرجي نصوص سعد الله ونوس أن يدركوا أن الجمهور كائن تاريخي وجغرافي، ولا يجوز بحال من الأحوال عدم الإصغاء للمزاج الذي يتحكم بهذا الجمهور؛ فالمسرح ليس مكاناً للتفكير بالتاريخ، ولا بإجراء مناظرات وتطبيق لنظريات التغريب والأسلبة وحسب؛ فوفق معادلة «الآن - هنا - نحن - الآخر» كان لا بد للمسرح السوري نقل الشيفرا الثقافية للجمهور إلى الخشبة كمرآةٍ له أثناء لحظة التلقي، إذ لن تنجح مخادعة المتفرج بتقديم عروض تمت كتباتها لتسييسه وتعبئته اشتراكياً.

من هنا يجب إدراك أهمية تدمير الصياغات التقليدية السائدة في معظم عروض المسرح العربي، والبراء من وصاية الفصاحة كأسلوب تفكير لدى الممثل، للعبور بهذا الأخير إلى عاميات الحياة كمادة جوهرية لفن التمثيل، مادة يصير معها الممثلون مجموع أنانيات فاعلة على الخشبة، تصادم أساليب؛ تجاور فني لمادة قوامها غطرسة الممثل - الشريك لا الأداة، لا الممثل العبد لمخرجه ونصه الفصيح، وصولاً إلى مادة تتخلص وللأبد من ازدواجية التفكير بلغة، والتكلم بلغة أخرى.

عندها تصبح لغة المسرح هي كلامه؛ حكيه، فتصير هذه اللغة هي الدراما نفسها، وهذا ما لم يحققه مسرح الطليعة السوري؛ وذلك بحكم الفارق الزمني بين «المسرح العربي التليد» وأربعينيات وخمسينيات القرن الفائت عندما كتب يونيسكو دروسه قائلاً عن اللغة بأنها «كراسي جاثمة في عرض الطريق»، إلا أن سعد الله ونوس كان مشغولاً بما يسمى «تـأصيل المسرح العربي» واكتشاف «نموذجنا المسرحي القومي» عبر اللغة العربية، ما أضاع وقتاً طويلاً في وهم لا يمكن إدراكه رغم كثافة المشهدية المسرحية العربية في أشكال الحكواتي وخيال الظل ومسرح العزاء الكربلائي وسواها، إلا أن هذه الأشكال ظلت بعيدة عن حلم «التأصيل» الذي لازم ونوس لسنوات طويلة، فهل تجارب أداموف الروسي ويونيسكو البلغاري، وبيكيت الإيرلندي تنتمي بالضرورة للمسرح الفرنسي، وتصب في تأصيل أصوله؟ أم أن تجارب هؤلاء تيارات مسرحية تؤكد عالمية فن المسرح؟ أليس كل من بيتر فايس وبيسكاتور وبريشت وبيرانديلو الذين تأثر بهم ونوس أيما تأثر في نصوصه؛ أقرب إليه من يعقوب صنوع والقباني ومارون النقاش؟ على الأقل في تجاربه التي غزلها على منوالهم؟ إذاً لماذا كان هذا الإصرار على تأصيل أصول غير أصلية ما دام التغريب والمسرح داخل المسرح والمسرح التجريبي في « يوميات مجنون» و«رحلة حنظلة» و«ثلاث حكايات» كانت مشروع سعد الله ونوس مع رفيقه فواز الساجر مع تأسيس المسرح التجريبي عام 1977؛ التجربة التي توقفت عام 1979 بعد التجريب في الجمهور لا التجريب له؛ فهل هناك أصلاً مسرح في العالم ليس تجريبياً؟

 

*(كاتب سوري)

المصدر: السفير

آخر تعديل على الجمعة, 11 نيسان/أبريل 2014 20:19