لقطة عابرة.. تجردنا من الانتماء.. ؟
ملاذ سعد ملاذ سعد

لقطة عابرة.. تجردنا من الانتماء.. ؟

أن تبني طائرة صغيرة من وَرق، أو تصنع رسمة تشاركها عبر مواقع التواصل، أو تصنع فيلماً سينمائياً قصيراً من أدواتك وبمشاركة أصدقائك، فهو عمل بريء، لا رسالة به إلّا ما تريده أنت، ولربّما تربح عليه جائزة ترضيّة من هنا أو هناك.

ولكن في سوق «الكبار»، مع شركات الترويج والرعاة وغيرهم، بأيّ مُنتج كان، فلا رسالة تُنقل إلّا ما يفرضه صاحب المال..
إذاً دع براءتك تلك واتبعني.. فقد تغريك رواية ما لكثرة مبيعها، أو لعبة ما لكثرة لاعبيها، أو مسلسل ما لكثرة مشاهديه.
فما إن يشتهر اسم مُنتج ما، ليصبح كالكابوس، يأتيك حتى في منامك: «جرّبني.. جرّبني».
لا شهرة بلا عمل وجهد.. ولمسة حنونة من الرأسمالية..!
لنأخد مثلاً: Game of Thrones – Da Vinci’s Demons – Vikings – Hannibal ترجمتها على التوالي: صراع العروش- شياطين دافنشي- الفايكنغ- هانيبال.
هذه أسماء لأربعة مسلسلات واسعة الشهرة والانتشار عالمياً، وضمن قائمة الصدارة لأكثر المسلسلات مشاهدة.
تشترك هذه المسلسلات بتوجيه الأنظار إلى نقطة، فكرة، ويختلفون فيما بينهم بنقاط، أفكار، أخرى قد لا يلاحظها الكثير من المعتادين على مشاهدة المسلسلات ومتابعيها، وتفاجئ الغريب، إذا ما انتبه لمضمونها.
«المثلية الجنسية» هي نقطة مشتركة مطروحة في كل هذه المسلسلات، وكأنها أمر طبيعي ومُتقبل أسطورياً وتاريخياً وحاضراً، مع التأكيد على «تاريخياً» بحيث لم يتوان منتجوها من توظيف أسماء لشخصيات لها وزنها عبر التاريخ كـ «دافنشي» مثلاً، بغاية المزيد من التأثير عبر هذا التوظيف، أو حضارة بشرية قديمة مثل «الفايكنغز» في شمال أوربا، على أن المثلية كانت موجودة بينهم كشيء اعتيادي، ناهيك عن أساليب التأثير السينمائية باستجرار العواطف وخلق الصدمات، وغيرها من الوسائل الأخرى.
وتختلف هذه المسلسلات عبر عرضها لنقاط متباينة إضافية، لا تخلو من الرسائل المضمرة، كغاية وهدف، مثل: صراع الدين/الإلحاد- والعنف المباشر هو حلّ لأية مشكلة- والمرأة كائن ضعيف يتم التلاعب به لطيبته، ولكن ما إن تمتلك الإرادة حتى تصنع المعجزات وتسخّر الكون لنفسها، وغيرها من النقاط الأخرى.
ولا يغيب عن أذهاننا أن هذه الأساليب والطروحات هي استكمال لخبرات متراكمة في طرح وترويج الأفكار القائمة على مثل هذا النوع من الإنتاج للترويج لفكرة ما مثل: البطل الفردي القادر على تحقيق المستحيلات، ويحقق العدالة والحرية أينما وجد.
ذرّة من صحراء التلاعب
هذه فقط 4 من المسلسلات ضمن مجال السينما الذي يحتوي الآلاف غيرها، عدا الأفلام القصيرة والطويلة، وهذا جانب واحد فقط من المجال الفني الذي يحتوي على الموسيقا والأدب وألعاب الفيديو وغيره، وهذا فقط جانب من أمور الحياة اليومية وغيرها، كالأكاديمية والثقافية والقانونية والسياسية والعلمية، التي تحتوي لمسات أخرى، لا تعدّ ولا تحصى، وجميعها يتم توظيفها عبر تلك التشوهات الاضافية، لتصنع ما تصنعه من تشوّهات معرفيّة، والتواءات واقعية تداعب عقل المتلقّي.
رسالة اللمسة،
و«اللاانتماء» خير متعاطف!
لا شك أن ما بعد الحداثة، وهي الاسم الحركي للرأسمالية، عملت وتعمل، على صنع وإبداع صراعات ثانوية تخفي وتغيب بها الصراع المباشر معها، بشتّى الوسائل، في مسعى من أجل طمس ثقافة الشعوب، واتباع سياسة استلاب العقول، وغيرها من المساعي الأخرى التي تخدم هذه الغاية.
ومع تطور التكنولوجيا ووسائل التواصل والتلفاز والإنترنت، واحتكاك البشر مع هذه الوسائل بشكل دائم ومتواصل تُصبح معها هذه السياسيات وتأثيراتها ذات فعالية أكبر، وذلك بحكم سيطرة رأس المال عليها، عبر التحكم بوظائفها وأهدافها وغاياتها، وبالتالي تتكاثر الضحايا المستهدفة من كل الشرائح الاجتماعية، بهدف تشكيل وعي يتسم بالسطحية وبالهامشية، لا يعير أي اهتمام بمواجهة مشاكله، اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو وطنية، سواء كانت تلك المشاكل مباشرة أو غير مباشرة، ثانوية أو رئيسة، وفي الوقت نفسه هو ليس حيادياً، وإنما يحيا وعياً خارج الزمان! مشغولاً بصراعات وهمية مصنعة حسب الطلب، مثل (تأطير مشكلة خلاص البشرية عبر الصراع بين الإيمان والإلحاد- التغيير النوعي عبر الحركة النسوية التحررية و«مظاهرات التعري»- المثلية الجنسية أمر طبيعي موجود وسيبقى- ....) ولتظهر هذه الأفكار بصراعاتها مع مروجيها وداعميها وحامليها كحمامة السلام، لدرجة أن بوذا بكامل «كرشه» يتّسع في جيبهم الضيقة!.
ما الغاية..؟
إنّ هذا الوعي المشكل، باختلاف قضاياه، وصراعاته المصنعة، تعتمد سمته الأساسية على المثالية المفرطة بالسطحية، وغايّة تشكيله وتكوينه أن يبقى كذلك، عبر حقنه بالمزيد من الرسائل المتواصلة التي تبقيه على حاله، لحين توظيفه في حركة ما عبر جرعة زائدة جديدة ما.
مع العلم أن هذا النمط من الوعي، ربما يكاد لا يلحظ واقعياً كتجسد متكامل البنية بشخص ما، إلا أنه كافٍ، بمكان وزمان ما، افتراضي أو واقعي، لتصدر منه همسة، كي تتراكض «أبواق التشهير والإعلام» عليه، وهي أدوات مسيطر عليها رأسمالياً، بغاية إما تسليط الأضواء تجاهه بغية التعمية عن حدث ما يجري بمكان آخر، أو لتمرير «تشوهات» فكرية إضافية تستهدف الوعي العام عبر الإعلام، ولعمر الشباب تحديداً، من أجل تكريس صراعات وهمية إضافية تشغل حيّزاً من الفكر والنشاط الاجتماعي لديهم، وإبعادهم عن القضايا الجدية والحقيقية الأخرى كلها، أو تشويهها.

المعرفة خير سلاح
كل هذا وذاك من المفرزات العفنة للرأسمالية، متاحة الآن، وستبقى لأجيال قادمة تتفاعل معها، وإن زالت أو تداعت وسائل استمرار ترويجها وتوظيفها، مع تداعي أو زوال تأثيرات الرأسمالية نفسها.
فعلى الرغم من صعوبة العمل السينمائي في بداياته، وآليات حفظه، ومع وجود كل المنتجات اليومية ضمن هذا المجال، نستطيع أن نصل لمشاهدة أعمال «شارلي شابلن» مثلاً، ومّن قبله في زمان الأبيض والأسود.
فمع تكنولوجيا اليوم وآليات التخزين الحالية، هذه المفرزات ليست، ولن تكون، بعيدة إطلاقاً عن متناول اليد، وستبقى موجودة ولو بعد حين، خارجة عن إرادتنا، كمواد قادرة على تصنيع التشوّهات المعرفيّة، وخلق الصراعات الوهمية، إلى ما شاء الله.
لكن بالمقابل فإن الوعي المستهدف واقعياً، لن يكون قادراً على تشكيل أيّ خطر مباشر، ولن يكون له مكان ضمن قائمة المشكلات الواجب معالجتها، حيث إنه لم يتعد كونه أداة ضمن علبة أدوات الرأسمالية، مختلفة الشكل والوظيفة، ويكفي قطع الجرعة عنه، عبر تداعي أو زوال تأثيرات الرأسمالية، كي يذوب بين ليلة وضحاها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
816