د. مصعب عزاوي د. مصعب عزاوي

فنجان قهوة: الوطن بين قيم التوحيد ونزعات التذرية

إنّ وقفة مدققة ، تستند في المقام الأول إلى الإحساس العفوي بمصلحة الفرد من خلال مصلحة الجماعة ؛ ستحيلنا مباشرة إلى شعور عميق بالقلق والخوف على مستقبل وحيوية هذا المجتمع العربي الكبير الذي ننتمي إليه، والذي أصبحت أخطار التذرية والتفتيت الشعار الأكثر رواجاً للنزعات الفكرية والإعلامية الاختراقية التي تتناول مستقبل المنطقة وفق الصيغة الأمريكية لتهشيم المنطقة وإعادة هيكلتها وفق رؤيتها التي تتوافق مع طموحها لأن تكون الوجه الأكثر (نصاعة) للإمبريالية الجديدة المعولمة. ويمكن لنا تلمس المحاور الأساسية لهذه السياسة التهشيمية:

1ـ التهشيم العسكري: المتمثل بالتهديد الصهيوني الأمريكي لكل بنى المقاومة في الأمة ابتداءً من محاولة وأد الانتفاضة الفلسطينية المظفرة وكل نظائرها الكفاحية وصولاً إلى التهديد بتحطيم الدول المجاورة للمخاض التحرري الفلسطيني ، وخاصة فيما يتعلق بتهديدات ضرب العراق الجريح، وقانون محاسبة سورية الذي يعدّ له ليكون مقصلة موجهة ضد سورية وثوابت دعم المقاومة والتمسك بالحقوق التاريخية الوطنية والعربية.

2- التهشيم النفسي والحضاري: والمتمثلة بتعزيز شعور التنكس التاريخي والعقم الحضاري، مترافقاً مع دق طبول الحرب وأبواق الحصار ومحاولة قرنها باستمرار بالتمسك بالثوابت الوطنية والقومية، وتسويق أنّ المدخل الوحيد للهروب من هذا المصير (المحتوم) هو الانصياع في ركاب مشاريع التصفية الحضارية للأمة من خلال المشاريع الاستسلامية المتنوعة ابتداء ًمن مشروع الشرق الأوسط الجديد، وأشكال الشراكة المختلفة العناوين المتماثلة المضمون، وتمثل قنوات وفضائيات  دس السم في الدسم التي تحاول دائما ًزرع دعوات التيئيس والإحباط وتعزيز الفرقة الاجتماعية في نسيج المجتمع العربي لتبقى دائما ًكحصان طروادة الأكثر تقدما ًمن أجل تحقيق أهداف التهشيم الحضاري للكتلة التاريخية في المنطقة العربية، والتي تسندها دائماً مجموعة من أصوات (الحثالات) الانتهازية ـ الكمبرادورية والتي تتفاخر دائماً بكونها تمثل أنيابا ًللنهب والنهش الاقتصادي والثقافي  بالوكالة عن القطب الصهيوني الأمريكي.

ونستطيع وبكثير من اليقينية القول بأن المدخل الأول واللازم لمقاومة نزعات التهشيم والتذري الحضاري يتمثل في إعلاء قيم الوحدة الوطنية في وجه قيم التفارق  والاختلاف ضمن  جدلية تدرك بأن الصمود في وجه قيم العامل الخارجي التفتيتي يتمثل أولاً في تعزيز اللحمة الداخلية للنسيج الاجتماعي الوطني حيث أن مقومات الصمود الأولى هي ثبات الكتلة التاريخية وتلاحمها مما يجعلها أكثر قدرة على الصمود الذي يمكن له أن ينتقل إلى موقع الفعل و التأثير إذا استطاع الاستفادة من المخزون الحضاري والبشري الهائل  في هذه الأمة، والذي للأسف الشديد لم يخرج إلى حيز التأثير إلاّ في فترات محدودة من التاريخ العربي المعاصر وضمن ظرف استند إلى حركة مستندة إلى الزخم وليس على الوعي النوعي عندما يأخذ طريقه إلى السوية الشعبية الأكثر اتساعاً.

ونستطيع التشديد على أنّ قيم التوحيد الأولى التي يجب السعي الدؤوب لترسيخها في الواقع الاجتماعي للكتلة التاريخية في المنطقة العربية تتمحور حول المربع المنهجي التالي:

أولاّ: تعزيز منهج التعددية الفكرية والإيديولوجية والسياسية ومفهوم القبول بوجود الرأي الآخر على قاعدة من التكافؤ والندية والتكامل من أجل تكامل الجهود للدفاع عن الوجود الحضاري للكتلة التاريخية والذي يمثل الهدف الذي يجمع عليه  كل الفرقاء  ، والذي يجب أن يترافق دائماً بالنضال لاستنهاض وتوطين القاعدة الديموقراطية في حقلي السياسة والمجتمع وخاصة فيما يتعلق بخيارات الأمة الأكثر حيوية والتي تمس مستقبل الوجود الحضاري لها.

ثانياً : إعادة الاعتبار لمفهوم التشارك الاجتماعي والتساوي في حق المواطنة، وأنّ الوطن والوطنية حق للجميع ضمن شرط توازن الحقوق والواجبات والذي يجب أن يشتمل الجميع ضمن إطار مجتمع القانون الذي لا يملك أحد تجاوزه بأي حال من الأحوال.

ثالثاً: محاربة الفساد والمفسدين باختلاف تلاوين وأشكال ذلك الفساد ، والوقوف بكل صلابة ودأب لمساندة كل التوجهات الساعية لتحقيق ذلك الهدف، وتعزيزه بالعمل الصبور لترسيخ مفهوم الشفافية الإدارية ومحاسبة المخطئين وضمان حرية الصحافة الوطنية التي يجب أن تناط بها هذه المهمة أولاً.

رابعاً: الوقوف بكل حزم ـ وخاصة من قبل المثقفين ـ بوجه كل النزعات والأطروحات التجزيئية والتفريقية والتعصبية من قبيل النزعات ما قبل القومية والإثنية الضيقة والمذهبية والإقليمية والطائفية التقوقعية؛  مع ضرورة التشديد على احترام كل الخصوصيات الحضارية والقومية والتاريخية ضمن شرط التساوي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
181
آخر تعديل على الأحد, 18 كانون1/ديسمبر 2016 16:29