إلى أين يسير المسرح في سورية؟!

نشرت «قاسيون» في العدد (170) مقالة حول فرقة «ليش» للمسرح الحركي، والبحث ينفتح على أسئلة واسعة، ولكنها غائبة عن البحث المسرحي، لينتهي المقال.. عند سؤال يشغل المسرحيين، ولكنه ـ على ما يبدو ـ لا يؤرقهم..إلى أين يسير المسرح في سورية؟

في حياتنا الثقافية، والمسرحية بشكل خاص، تتوالد الأسئلة ليكون الجواب سؤالاً، والبحث تساؤلاً، وهذا أمر مشروع في مرحلة نرى فيها المسرح في سورية أخذ يستعيد نشاطه ومحاولاته بعد فترة طويلة من الانقطاع. إن المسرح في سورية يطرح اليوم معطيات أخرى تجبرنا على الوقوف عندها..

لنفرد مساحات للتفكير والتحليل والبحث، ونفتت اللوحة علنا نراها بدقة أكبر.. وفي مرحلة ما ربما نستطيع إعادة جمعها مع خلق جديد. مساحات بحثنا تحتاج للتجريب، للعمل باليد لا بالعقل فقط.

إلى أين يسير المسرح السوري؟ سؤال يفتح أمامنا بحثاً واسعاً لا تغلقه الكثير من المقالات، فليكن إذن، لنعمل على فتح ملف المسرح السوري من مختلف الزوايا، وبتعدد وجهات النظر والرؤى المطروحة على الساحة المسرحية.

(لا بد من وجود خطة ثقافية تقوم بإشراف الدولة «وزارة الثقافة» لتستوعب الطاقات الشابة، إذ أن المراكز الثقافية تتحول إلى نقاط استقطاب، لأن الفجوة لم تردم بعد بين الإبداعات الفنية والجهة الثقافية الداعمة والممولة).

يتفق العاملون في المسرح من كتاب ونقاد ومخرجين وممثلين على غياب مثل هذه الخطة اليوم، كما أنه ينظر إلى أسباب غياب المشروع المسرحي بنظرة تختلف باختلاف التجربة. وربما كان غياب المشروع المسرحي المتكامل سبباً أساسياً لضياع البوصلة، وتحول تجربة مبدعينا إلى متفرقات غريبة عن بعضها لا تنتمي إلى مشروع واحد يضع في أهدافه البعيدة الوصول إلى غاية ماـ فكرية أو فنية ـ تطور العمل المسرحي السوري.

لكن لنتساءل: ما السبب؟ هل يغيب عن وزارة الثقافة والمديرية العامة للمسارح والموسيقا ضرورة وجود مثل هذه الخطة؟ أم أنهم لا يعون الدور الاجتماعي للمسرح في الحياة العامة؟ إن الاحتمالين كليهما غير قائمين أساساً. وهنا يحق لنا التساؤل: ما السبب الحقيقي لوصول مسرحنا إلى هذه الحالة!

إن حضور العرض المسرحي لا يقتصر على كونه تجربة فنية بل يتعداها ليكون ظاهرة اجتماعية، يعيش من  خلالها المتفرج تجربة اجتماعية ترافق تجربته الفنية قبل العرض وبعده، بل إن هذه الحالة لها أعرافها التي ترتبط بجمهور ما، فما هو العرف الذي ينص على ارتداء رواد المسرح لملابس السهرة! أليس عرفاً اجتماعياً. وشعور الجميع بأنهم يخضعون لنفس التجربة الجمالية، يقرب بينهم، هو شعور بالتوحد في هذا المكان، حيث يجلس كل منهم في مكانه في الظلام دون أن يرى الآخرين لكنه في حقيقة الأمر يشعر بوجود من بقربه ويسمع سعال أحد الحضور.

كما أن العلاقة المسرحية تحمل في جوهرها عمقاً سياسياً، وتبلور انعكاسات الحالة السياسية الاقتصادية الاجتماعية على الفن..فما علاقة المتفرج بما يقدم له على الخشبة؟ نظرياً لا يكتمل العرض المسرحي إلا من خلال متلق يعمل على تفكيك وجبة الرموز والإشارات التي يرسلها العرض، ليعيد بناءها وتركيبها، معتمداً في ذلك ـ وبشكل ميكانيكي ـ على تركيبته الفكرية، وخلفياته السياسية الاجتماعية الاقتصادية، وذاكرته البصرية والجمالية والفنية. إنها بالمحصلة إحدى آليات التلقي التي يمارسها المتفرج من خلال تلقيه للعرض. لكن ما يحدث في صالات مسارحنا يهمش فعالية مثل هذه الآلية ليحصرها في كونها طريقة للفهم، والاستيعاب. أما المشاركة الفعلية في العرض المسرحي، وهي في الواقع إشكالية عمل عليها النقد المسرحي طويلاً. وخصوصاً منذ بدايات القرن العشرين، فتغيبها السلبية والاسترخاء الذي يمارسه المتفرج من خلال جلوسه على الكرسي. ولهذا الأمر جانبان موضوعيان:

ــ ما يتعلق بالوضع السياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي يعيشه المتفرج، فالانعزال عن الحياة العامة، وغياب المشاركة الحقيقية لا يتوقف عند حدود سياسية بل يمتد ليصبح آلية تفكير وحياة تسيطر على التعامل مع أي عنصر خارجي بما في ذلك الفن.

ــ والآخر مرتبط بما يقدم على الخشبة، هل يخص المتفرج، وهل يحرضه على المشاركة الحقيقية. أم يشعره بالغربة.

مزيد من التشتيت والضبابية تسيطر على العمل المسرحي في سورية، مزيد من الغربة يواجه بها مسرحنا، القليل ممن تبقى من جمهوره..فإلى أين يسير المسرح في سورية!

* رنا يازجي

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

معلومات إضافية

العدد رقم:
172