جهاد أبو غياضة جهاد أبو غياضة

محمد منصور في «القدس.. ذاكرة فنية عربية»: البلاد التي في الأغاني

صدر كتاب «القدس ذاكرة فنية عربية» حاملاً الرقم الـ18 ضمن سلسلة «كتاب الشهر» التي تصدرها الهيئة العامة السورية للكتاب ودار البعث. وهو من تأليف الناقد والصحفي محمد منصور، وقد جاء بحثاً تاريخياً في الذاكرة الفنية الغنائية التي تناولت القضية الفلسطينية من حيث إسهامات المطربين العرب، ومن ثم التبادل الثقافي الفني والتكامل بين السوريين والفلسطينيين، آخذاً من «إذاعة القدس» التي أسسها الانتداب البريطاني عام 1936 مرتكزاً بحثياً وشاهداً معبراً عن حالة التلاقي الفني.

الكتاب جاء مقسماً إلى بابين، احتوى كل واحد منهما على فصلين.. يبدأ الباب الأول «القدس في الذاكرة العربية» بتحليل تجربة الرحابنة وفيروز المتصلة بالغناء عن القدس والقضية الفلسطينية، تحت عنوان «الأغنية الرحبانية تمردت على البكائية وأنشدت حلم العودة»، معتبراً هذه التجربة التي أنتجت 11 عملاً غنائياً فاتحتها العمل الكورالي الحواري «راجعون»، منعطفاً خاصاً كونها ارتقت برمزية الفن، وأخرجت الأغنية من مرحلة النحيب على المفقود إلى استنهاض الهمم، فقسّم التجربة إلى محاور أربعة: التشرد واللجوء في «غاب نهار آخر – أحترف الحزن والانتظار»، وذاكرة المكان في «يا ربوع بلادي – يافا- بيسان»، وأغنيات القدس «القدس العتيقة – زهرة المدائن». ورابعاً حلم العودة في «سنرجع يوماً – أجراس العودة- جسر العودة»، وقد رأى الكاتب أن حلم العودة اقترن بثلاثة عناصر رئيسية ميزت التجربة الرحبانية عما سواها هي: النبرة الرومانسية التي تعبر عن الحنين إلى المكان والذكريات، والبعد التراجيدي الذي يستحضر آلام الغربة ولوعة الانتظار، وصولاً إلى الأمل الراسخ بإمكانية العودة وحتميتها وإن طال زمن الانتظار.
ثم يشير منصور إلى زيارة فيروز وعاصي ومنصور للقدس عام 1964 التي حرضت على ألبوم «القدس في البال»، وحكاية السيدة فيروز مع المرأة المقدسية التي أهدتها المزهرية المذكورة في العمل الغنائي الذي أرّخ للزيارة «القدس العتيقة» والذي يأتي تميزها ليس من قبيل البراعة في الوصف الحسي فقط، وإنما بما حملته من رسائل تحريضية «خبرهن عالي صاير بلكي بيوعى الضمير»، وهي الأغنية التي دفعت الشاعر الفلسطيني سميح القاسم إلى استكمال الهدية بقصيدة بعنوان «زنابق لمزهرية فيروز». ثم يأتي على ذكر قصة مفتاح القدس الخشبي المقدم من المقدسيين للسيدة فيروز عام 1968. ليصل الكاتب إلى نتيجة تميز أعمال فيروز والرحابنة في كونها شكلت خروجاً على كل الشعارات والأيديولوجيات السياسية وخصوصاً مواقف النظام العربي الرسمي في ذلك الحين.

أما الفصل الثاني، فيتحدث عن أهم الأغاني العربية التي واكبت تطورات الحدث الفلسطيني وتغيراته منذ النكبة وحتى وقتنا الراهن، حيث يبدأ الكاتب بأغاني الأربعينيات فيذكر منها قصيدة «فلسطين» للموسيقار محمد عبد الوهاب، و«مصرع البطل» للمطربة نهاوند، لينتقل الحديث إلى الأغاني التي واكبت نكسة حزيران 1967وسقوط القدس (الشرقية)، كأغنية «المسيح» لعبد الحليم حافظ، ثم يسلط الضوء على تجربة لم تنل ما تستحقه من التقدير وهي تجربة «فهد بلان» الذي غنى مراراً للقدس، وأغنياته «قدس العرب- المسجد الأقصى- القدس بتنادي- فلسطين أرضنا – في فلسطين لا مفر»، لينتقل إلى مرحلة انطلاق العمل الفدائي المسلح الفلسطيني ومواكبة الأغنية العربية له، وخصوصاً في لقاء عمالقة الفنون «أصبح عندي الآن بندقية» للشاعر نزار قباني وألحان محمد عبد الوهاب وغناء أم كلثوم التي أصبحت دليل عمل وعنواناً من عناوين الثورة وشعاراتها. ثم أغنية سعاد محمد «قومي إلى الصلاة» التي أرّخت لحريق المسجد الأقصى، وأغنية محمد رشدي «ولا في قلبي ولا عنييا إلا فلسطين»، والمساهمة المميزة للمطربة نجاح سلام في: «يا قدسنا- قدسي أنا». ليصل للانتفاضة الأولى 1987 وظهور الثنائيات الغنائية  خصوصاً «زنابق لمزهرية فيروز» لخالد الشيخ ورجاء بلمليح، ثم دويتو «من ينقذ الإنسان» لكاظم الساهر ولطيفة التونسية.. ومرحلة الانتفاضة الأولى 2000 وظهور التجارب الشابة كـ«الأقصى» لفضل شاكر، و«صوت الحجر» لوليد توفيق، و«القدس أرضنا» لعمرو دياب، و«يا قدس» لنوال الزغبي، و«أبواب القدس» لهاني شاكر (المفتقرة إلى الصياغة الشعرية المتينة)، و«أولى القبلتين» لأصالة المثقلة بالنبرة الخطابية.. ثم تجربة الأوبريت الغنائي «القدس حترجع لنا» التي أداها 28 فناناً مصرياً..

ثم يشير الكاتب إلى تحول هذا النوع إلى مادة استهلاكية مواكبة للحدث، وأخيراً الاحتفاء باختيار القدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009، وخصوصاً أغنية «القدس» لهاني شاكر وأغنية أصالة نصري التي قالت عنها أنها ستقود الانتفاضة الثالثة! وهنا يورد الكاتب اعتراضاً على كلمات الأغنية لـ د.نبيل طعمة إذ يقول موافقا رأي النقاد القائل: (أردأ الشعر أصلحه للغناء، وإن كان تاريخ القدس لا يبدو أنه يبرهن على صحة هذه المقولة)، وهذا القول لايستقيم للكاتب لا بالعموم ولا بالخصوص، فكثير من الشواهد تؤكد خطأ هذه المقولة فتجربة الأغنية الشعرية من أفخم التجارب وأجمل الأشعار لأعظم الشعراء مثل: أشعار أبي فراس الحمداني  وعمر الخيام  ومحمود درويش وسميح القاسم ونزار قباني ومانع سعيد العتيبة وأحمد شوقي..
أما الباب الثاني، الذي حمل عنوان «من دمشق إلى القدس وبالعكس»، فقد أفرده الكاتب للإسهامات الفنية للسوريين والفلسطينيين، والتبادل الفني الحاصل قبل النكبة وبعدها، تحدّث فيه عن تاريخ إذاعة القدس 1936، وإسهاماتها الغنية ونشاطها الفني الذي اجتذب كبار الفنانين العرب: من أم كلثوم إلى أسمهان وفريد الأطرش وغيرهم.. وعن أهم الشخصيات السورية التي انطلقت منها أمثال أمير البزق محمد عبد الكريم وعبد الفتاح سكر.. وفي المقلب الآخر عدد  بعضاً من الشخصيات الفلسطينية التي أسهمت في الحياة الفنية السورية عموماً، متحدثا عن مساهماتها الغنية كآل أبو غزالة: «يعقوب- بسام (لطفي)- إياس»، وآل حنا: «يوسف –أمل – ريم- رامي».. وشخصيات أخرى كثيرة.. مركزاً على بعضها وناسياً، أو متناسياً (أو مسقطاً؟) بعضها الآخر..

القدس ذاكرة فنية عربية هو بحث تأصيلي تأريخي بامتياز، نجح كاتبه بتسليط الضوء على الكثير من المواضع التي ربما جهلها الناس وغيّبت عن الأذهان، وإن شابه بعض الاختصار والاقتصار على القدس موضعاً محدداً للاختيار في التجربة الغنائية، وهو ما جعله يسقط الكثير من جوانب التجارب الفنية العملاقة المتصلة بالقضية الفلسطينية عموماً، لكون القدس علامة تميز، وحاملاً أساساً للقضية الفلسطينية، وليست موضوعاً مجرداً بذاته.

معلومات إضافية

العدد رقم:
409