أوراق خريفية: «أسئلة محيرة»

عندما استبد به الغضب لدرجة لم يعد الغليان  الداخلي ينفع معه تدخين كل هذا الكم الهائل من السجائر… تناول النفاضة الطافحة بالأعقاب، ورمى بها التلفاز الذي يبث أخبار الحرب في العراق وفلسطين وواقع الأمة العربية… تكسرت شاشته وصدر عنه فرقعة قوية وتناثرت شظاياه في أرجاء الغرفة. وانتشر رماد السجائر واختلط بسحابة الدخان الأسمر المنبعث من التلفاز.

شعر بضرورة اللقاء مع أي كان يتمتع بقدرة التحليل لما يجري، ويجيب على أسئلته التي افترست مخيلته ووعيه. فخرج مسرعاً لايلوي على شيء.

تذكر أن موعد شطف البناية يصادف اليوم. ركل برجله الأرض ولعن الزمان الذي جعله يعمل حارساً مع أنه يحمل شهادة البكالوريا.. (طز بهذا العمر الذي لايرحم إلا الأغنياء..) قال في نفسه، وعاد أدراجه إلى البيت. (الأستاذ سعيد نعم، إنه الوحيد الذي يفهم في هذا العالم.. إنه الوحيد الذي بمقدوري أن أفضفص أمامه وأسب وأهتك عرض من أراه يستحق ذلك…).

صعد درجات السلم بسرعة مراهق، ناسياً وجع ظهره وانقراص فقراته..

عند وصوله الملحق، كانت دقات قلبه قد تسارعت حتى بات صدره يعلو ويهبط كمنفاخ الحداد..

رن الجرس عدة مرات إلى أن فتح الباب.

■   أهلاً رامز، تفضل..!

■■   (لاهثاً) عذراً استاذ سعيد!

■   (هاله مارأى على وجه رامز من أمارات السخط والحنق، وأدرك بحدسه أن ثمة مشكلة ما يعاني منها. فأومأ له بالدخول وسبقه بالجلوس على الأريكة) ادخل يارامز ادخل! يبدو أن حماتك ستحبك مستقبلاً، تعال لنشرب الشاي، إنها أكرك عجم.. تعال!

■■   أستاذ! أكاد أجن (وعصر راسه بكفيه) لاأفهم مايحصل في هذا الزمن الشرموط!…

■   طول بالك يارامز! نصف الألف خمسمائة.. (وقام بصب الشاي في كأسين)

■■ أستاذ سعيد! لماذا لم يجتمع وزراء الدفاع العرب لدراسة مجريات العدوان على العراق، وتقييم النتائج واستخلاص العبر..؟!

■ (مبتسماً وهو يحرك الشاي) غيرو..

■■ على حد علمي، اجتمع ممثلو نقابات العمال العرب، وقرروا الامتناع عن تقديم الخدمات والتسهيلات للخطوط الجوية والبواخر الأمريكية والبريطانية… لكنني لم ألحظ أية مفاعيل لذلك؟

■ (غابت الابتسامة عن وجهه) غيرو..

■■ كل شعوب وحكومات الدول العربية تنتقد حالة التمزق العربي.. ومع ذلك، حتى الآن الدخول إلى أية دولة عربية، يتطلب تأشيرة خروج وفيزا دخول ومابعرف شو..؟

■ (متجهماً) غيرو…

■■ قناة السويس.. النفط.. الأموال العربية..؟

■ (قام وأدار المسجلة).. فصدحت أغنية لفيروز «هونيك في سجرة ورا النبع الغميق» غيرو..

■■ .......

■ أووف… هل انتهيت؟ ألن تدخل؟

■■ هنيئاً لك برودة أعصابك ياأستاذ! قل لي بالله عليك ماذا أفعل؟ قلبي يتمزق وعقلي صار قد الكشتبان..؟!

■ عليك ياعزيزي! بشرب الشاي أولاً، ومساعدتي بالإجابة على سؤالي التالي ثانياً: كما تعلم، تم تعيين محافظ جديد البارحة.. ترى، ماهو سبب الحظر المفروض على أحزاب الجبهة المتعلق بمنع أعضائها ـ باستثناء البعثيين طبعاً ـ من تولي منصب محافظ أو رئيس بلدية أو حتى مخترة… وطيلة السنوات الثلاثين الماضية..؟!

■■ (أحس بنوع من الارتياح) يبدو أنني سأشرب الشاي فعلاً، ويحلو الحديث أكثر.. هات أستاذ هات.. عمره ماحدا يورث..

 

■ ضيا اسكندر ـ اللاذقية