سميح شقير... القادم من حصار طويل وموجع... الذاهب إلى يسار الحلم

■ حاربوني طويلاً لا سفر، لا مكان أغنيّ فيه، لا إعلام يعترف بي.

■ رفضت مساومة التلفزيون السوري في الثمانينات.

■ جمهوري يريد مني كل شيء، ويلومني. هل أنا قدّيس؟

■ خذلني أصدقائي عندما ترشحت لمجلس الشعب.

■ اليسار لا يزال خيار من لم يستفد من فتات السلطة.

■ لازلت مصاباً بالأمل وأغني.

■ لا مانع لدي من لقاء مي نصر والتعاون معها.

■ قدّمت مؤخراً لحن لوديع الصافي، وسأصدر أول ديوان شعر لي قريباً.

مثلما ظهر معظم سنوات حياته محاولاً تجهيز المعنى بأن يختبر تعديل اللحن بالمساء أو أن يعبث بكيمياء الكلمة لتنطلي الحيلة على من ينتظر البدلة الخاكية، والحذاء العسكري، والرسم الأحمر الناعم لمنجل ومطرقة على الصدر.

أخيراً سيفهم سميح شقير أن أهم ما لديه لم يقله بعد، وعبر ثلاث ساعات أمضيناها في بيته معتقدين أننا ثبتنا المعنى على الطاولة أمامنا وضحكنا من لونه الشاحب.

سميح شقير لم يقل سوى ما هو فائض عن ذاكرته، ما لا يريده من جسد عمره 47 سنة أو من 22 عاماً هي سنوات غنائه. أولاً لنقل هكذا:

لقد أصدر مجموعته (لمن أغني) الأولى عام 1983 ثم (بيدي قيثارة) عام 1984، تلاها بعام مجموعته الثالثة (حناجركم). عام 1987 أصدر مجموعته الرابعة (وقع خطانا). ثم الخامسة عام 1990 (زهر الرمان) وصولاً إلى مجموعته السادسة (زماني) عام 1998.

سميح شقير أتقن أيضاً السيلان فوق جغرافيا العالم من الجزائر عام 1982 إلى لبنان عام 1983، فلندن وبرايتون ومنشيستر في فعاليات تناهض العنصرية عام 1984، ثم موسكو وتونس فباريس. لاحقاً كولن الألمانية عام 2000 ليغني فيها للحرية. عام 2001 تكساس ولويزيانا في الولايات المتحدة وأحيّا أربع حفلات في فنزويلا ثم مهرجان جرش عام 2002.

ويأتي الحوار التالي كأنه يحاول فضّ ارتهان قائم بين أغنية وصوتها في لعبة زمن طويلة تمارس علينا مخادعة من النوع المبرر والقاسي لكنها تكفي لبوح هادىء:

■ مجموعاتك الثلاث الأولى جاءت سنوية وكأن لها عيد ميلاد حرصت على إحيائه. الرابعة تأخرت عامين، والخامسة 3 أعوام، والسادسة 8 أعوام. هل نسيت شيئاً هنا؟ أو لنقل هل تفاجأت فأبطأت إيقاع عزفك وغنائك؟•

■■ أعتقد أن إيقاعاً حاراً ودافئاً قادني إلى المجموعات الثلاث الأولى، حتى المجموعة الرابعة لم تكن خارج هذا الإيقاع. ثم سافرت إلى دراسة الموسيقى في كييف (1990-1994)، وبعد عودتي صدمني وضع معقّد للغاية، إذ كنت ممنوعاً من السفر لأسباب مجهولة، وضاق حصاري حتى في إيجاد مكان أقيم به حفلة. مع شطب وإلغاء كلي من الإعلام (غير مرحب بعملي)، واستمر هذا الوضع حتى عام 1997 حين أحييت حفلة في قصر العظم حظيت بتغطية إعلامية.

■ تقول إلغاء إعلامي وحصار ومنع من السفر. ألم يزد هذا جماهيريتك؟

■■ الإلغاء والمنع لم يساهم في زيادة جماهريتي. أنا اخترت الخندق اللا رسمي منذ البداية، خندق الناس.. صحيح أن تعتيماً مورس علي لكني لم أسع لكسره، واخترت الكاسيت والمسرح لأصل. أذكر في الثمانينات أن رئيس دائرة الموسيقى في التلفزيون السوري آنذاك عرض عليّ بث بعض من أغنياتي (يختارون ما يعجبهم). لكني رفضت الفكرة. إما كل ما أغني أو لا. وكانت ثلاثية بيروت اختباراً لهم. قلت في نفسي حينها إذا مرّت مثل هذه الأغنية ستمر باقي أغانيّ. لكنها لم تمر وانتهى الموضوع هنا. من زاوية ثانية أعترف أن التعتيم الإعلامي على ما أغني أثر في عدم وصولي إلى شرائح أكبر.

■ لكن ألا توافقني أن جمهورك محدد سلفاً. أو ربما حددته حين أطلقت مشروعك في الثمانينات؟

■■ نعم. جمهوري نوعي، وكان يمكن توسيع دائرته من خلال وجود جسر إعلامي دون أن يجري اختبار تجربتي على مذبح الفكرة. الشريحة الكبرى من الناس يعتمدون على الإعلام كمصدر وحيد للمعلومات هم طبعاً لا يرتادون المسرح ولا يتابعون حفلاتي. أقصد لو حظيت تجربتي بمواكبة إعلامية لكان ثمة فرصة لطرح ما أريد على شريحة أوسع. وعموماً لم أناد طيلة حياتي بغير الهم الوطني.

■ لنتوقف هنا عند المعنى فيما كنت تغنّي. ألم يتأرجح في مجموعاتك الست من ذات واثبة واثقة (هكذا بدأت) إلى مجموع استكنت إليه (منتصف تجربتك)، ثم عدت إلى ذاتك وكأنك تلوذ بنفسك وتعاتبها (آخر مجموعتين)؟

■■ انظر مفتاح العمل الفني ينطلق من الذاتي ولا يقصده. وأنا حين أغنّي (أكتب وألحن) لا أفكر بالذاتي والجمعي سوى كمدخل لعبور الفكرة والإحساس وما يميز تجربتي يكمن في الانفتاح العميق على الناس. هذا يتيح أن تكبر الذات وتنمو. خذ مثلاً مجموعة (زماني) التي اخترتها أن تتضمن بعداً ساخراً أي سخرية بعد الألم، وما أوصلنا إليه هذا الألم، وهنا احتمال العتب وارد بل وموجود. أغنية (خلص) من المجموعة نفسها مثال على ذلك. لقد كنت واضحاً في عتبي على ناسي. وأعتقد أني إنسان ساخر استمتع بالمفارقة الذكية سواء بالاستماع إليها أو بإنشائها.

■ هل هذا رقص. أقصد أن السخرية قد تحمل رقصاً فوق مادة أقل شأناً منها كالألم مثلاً. هل تحتفظ ذاكرتك بهكذا سجل؟

■■ بالطبع، أتذكر أن أول مجموعة لي (لمن أغني) سجلتها على (مسجلة منزل متطورة) وكانت لصديق (مستعجل). لم يعطني سوى ساعتين فقط. حينها كنت أسكن وحدي (بعيداً عن الأهل) في غرفة صغيرة لا أذكر منها أكثر من رطوبة أبدية أورثتني أمراضاً طويلة لازلت أعاني منها حتى الآن. الغرفة كانت في المخيم. وكنا حينها نتقاسم كل شيء، المعيشة والأحلام. المجموعة الثانية سجلناها من حفلة (بيدي قيثارة)، وهذا واضح حين سماعها. أما الثالثة فكتب لها أن تكون أول مجموعة أسجلها في استديو، وكان لدريد لحام وخلدون المالح (استديو شمرا) حينها ضحك منا مدير الاستديو، كيف نطلب حجز الاستديو ساعتين والحد الأدنى ثلاث ساعات وبرأيه ثلاث ساعات لا تكفي حتى تسجيل أغنية واحدة، لكن المفاجأة كانت حين تمكنا من تسجيل المجموعة كاملة في ثلاث ساعات باستثناء أغنية «بيروت» التي تطلبت إعادة استئجار ثلاث ساعات أخرى. أريد أن أقول بأني عشت ظروفاً نوعية في مواجهة الحياة وأهم ما في تلك الظروف وضع مالي مهزوز ومتردٍ على الدوام ربما ساهم في تذبذب إيقاع عملي لاسيما الجانب المتعلق بالتسجيل.

■ يعني لست مديناً لأحد؟

■■ لا أعتقد حتى أني أتذكر لقائي بعبد الوهاب عام 1977 في فندق بلودان، حينها اقتحمت مجلسه، وكان معه وزير الثقافة بعد أن فشلت في رؤيته بالطريقة العادية. كنت أعمل في الملعب المجاور للفندق، وأتذكر أننا جلسنا معاً (40 دقيقة)، وطلبت مساعدته كي أدرس الموسيقا في مصر لكنه اعتذر. لم يسمعني حينها وسافر بعد أيام. أصلاً معدّلي في الثانوية العامة جاء أقل بكثير من القبول للإيفاد الخارجي.

■ ثم درست الموسيقا في كييف على نفقة الحزب الشيوعي السوري؟

■■ لا، درست على نفقتي، ثم أني تركت اتحاد الشباب في الحزب الشيوعي باكراً. صدمني غياب الديمقراطية وقلت ستكون الأمور أسوأ في الحزب نفسه، وأخذت على نفسي التزام مسافة من التنظيم، وهي مسافة قريبة وأنا في حوار نقدي مفتوح ودائم معهم.

■ ألم تتلق دعوة من اتجاه شيوعي سوري لدراسة الموسيقا على نفقته؟

■■ عدة اتجاهات شيوعية عرضت عليّ ذلك، لكني رفضت، لم أكن أريد أن أحسب على أحد. ولا أخفي أبداً أن الانشقاقات العديدة في الحزب آلمتني، وكل تلك التسميات (النور، قاسيون، صوت الشعب...) بحاجة إلى إعادة مراجعة لأني لازلت أرى أن اليسار في بلادنا هو الانحياز الصحيح والمعبر الطبيعي لكل طامح بالعدالة الاجتماعية، ومنارة إن شئت لكل باحث عن مستقبل كفيل باختصار شروط هذا الواقع المتردي.

■ وهل أصبحت على مسافة من النظرية الماركسية أيضاً؟

■■ أنا الآن في مكان نقدي للماركسية ولم أعد أقف في الركن الممسك بالحقيقة الكاملة. ومع الزمن أصبح نقدي لها باتجاه تجاوز الجانب الكلاسيكي منها دون التقليل من أهميتها كمنهج علمي. ولا أنكر أيضاً أني في وقت مبكر من حياتي كنت شديد الحماس للنظرية الماركسية كمنهج علمي والدليل الوحيد في التفكير.

■ الخذلان كقدر يصيب معظم الباحثين، هل أصابك؟

■■ خذلني أصدقاء كثيرون. اشتغلت عمراً كاملاً لناس آمنت بهم، ومررت بظروف اعتبرها استثنائية سرعان ما تحولت إلى مستمرة، وحين يصبح الفرد ظاهرة. يصير من الصعب أن تحدّ مسيرته تفاصيل، فأنا ولسنوات مديدة لم أتلق إسناد مجتمعي كامل، ولا ألوم أحداً هنا. وأدرك أن العلّة تكمن في عدم وجود مجتمع مدني مؤسس ومترابط. جمهوري يريد كل شيء مني، ولم يقدّم لي شيئاً سوى العاطفة.

■ ربما توجب عليك التوقف ليس كنتيجة بل كفعل. ألم تفكر بالتوقف؟

■■ منطقياً كان يجب أن أتوقف منذ زمن. أقول منطقياً لكني لم أفعل. وأعتقد أني لن أتوقف. السلطة لم تعطني شيئاً، والناس اكتفت بالمحبة.

■ عام 2001 أصدرت مجموعتين غنائيتين للأطفال (تنورة) و(تفاحة) هل نقرأ هنا تغيراً إيديولوجياً أيضاً؟

■■ لا، العمل مع الأطفال موضوع آخر، وأنا استمتعت به ولدي الآن مجموعتان جديدتان، وأعتبر أن التأليف الكلامي والموسيقي للأطفال أصعب منه حين التوجه إلى الكبار لأني استخدم هناك مفتاح طفولتي الخاصة، أيضاً التوجه إلى الأطفال يتطلب فكراً فلسفياً في تصوّر طريقة التوجه، وكثيراً ما رفضت أعمالاً للأطفال ذات طابع وعظي.

■ ربما هذا العصر ليس لسميح شقير أو مارسيل خليفة؟!

■■ هو أبعد ما يمكن عن روحهما، لكني لازلت أصارع لأبقى على تماس مع الذاكرة، أعتقد أن الاستمرار قدري. أن أبقى مغنيّاً فاعلاً ومتفاعلاً، وستبقى تجربتي تجربة معنى باعتبار أن المعاني لا تسقط على الأرض بل تتلقفها الأيدي.

■ برأيك هل لا تزال أغانيك تمتلك سلطة السحر، وأنت ترتفع بقدرها كالساحر؟

■■ ربما أفقد الإحساس بسلطة السحر والساحر بين حفلتين، وأتفاجأ عند كل حفلة بأن للهم الوطني سطوة السحر في الأغنية، وكثيراً ما أصل أنا تحديداً عند (زهر الرمان) إلى حافة البكاء، وأحياناً أبكي. أحتاج طاقة إضافية لغنائها، السحر أراه ببساطة في الأداء العميق. وأعلم جيداً وأتفاجأ أيضاً حين أعلم أن إحدى أغنياتي تدخلت أو غيرت في مصائر وأقدار أناس أعرفهم.

■ بعد مجموعتك السادسة (زماني) 1998 لم تصدر شيئاً، هل تنوي الاكتفاء برصيدك السابق وتواظب على إحياء الحفلات فقط؟

■■ المشكلة ليست ذاتية بل موضوعية، لدي مجموعتان للأطفال و3 مجموعات أخرى بينها مجموعة صوفية كلماتها لابن الفارض والحلاج، والثانية باسم «دعوا المغني يغني»، والثالثة لم أسمها بعد. تلك المجموعات جاهزة ومركونة في الدرج منذ سنوات، وأنا غير معتاد أن أطلب من شخص أو أقصد شركة إنتاج على الأقل حفاظاً على روح تجربتي وصلتها بالناس لأنها أمانة. وأعتقد أن الأقرب من صدور أي مجموعة غنائية هو ديوان شعر لي أنوي طباعته في بيروت.

■ جانب التلحين للغير في تجربتك. كيف تراه؟ وهل صحيح أنك ستتعاون مع مي نصر؟

■■ أعطيت مؤخراً لحناً لوديع الصافي، والكلمات هي قصيدة للشاعر اللبناني سمير عوّاد، لحنّنت أيضاً لمجموعة أصوات أقنعتني منها باسل خلف، ورامز جبر، وهيام غانم التي نالت ذهبية مهرجان الأغنية السورية السابع بحلب عام 2000، بالإضافة لتعاوني مع رفيق السبيعي في هذا الخصوص، وبالنسبة لمي نصر لم نلتق بعد، ومن جهتي أرحب بفكرة التعاون معها.

■ ألا يشغلك التأليف الموسيقي، ألا تفكر بإطلاق هذا الصوت؟

■■ ستكون النقلة القادمة والأعلى في تجربتي هي التأليف الموسيقي، لدي كتابات موسيقية متناثرة وكثيرة، وأنا أعمل على لملمتها، وأعتبر أن العمل على موسيقا صرفة فيه تجاوز للنص الكلامي باتجاه مساحة أخرى ذات عمق أبعد. النص أراه قيداً جميلاً لكنه يبقى قيداً. والحرية القصوى برأيّ تبلغها الموسيقا الصرفة. الموسيقى أصلاً كثافة روح وخيال مفتوح على الجحيم ولا أتخيل موسيقى تصل إلى القلب دون أن تهز الخيال.

■ هل مازلت مصاباً بالأمل؟ وتحرص على نقل العدوى إلى من يسمعك؟ أم أنك شفيت؟

■■ مازلت مصاباً به، ولا زلت تحت تأثير هذه الإصابة، هناك الكثير مما كان يدعو إلى الإحباط خاصة مع بعض من تعاملت معهم (لم يذكر أسماء)، وفي البعد الشخصي إحباط وخيبة، لكن إصابتي بالأمل جعلتني أعلو فوق جراح الخيبة، الأمل أيضاً اختراع ضروري حتى أتمكن من إيجاد مبرر لكل هذه الشحنة الراغبة حرث واقعنا المتردي. بقي أن أقول لا تزال لدي لحظة مشتهاة، أن أغني في ساحة مجدل شمس.

 

 ■ حاوره: أيمن الشوفي