حياة دون كيخوته وسانتشو كما يرويها أونامونو

نشر أونامونو كتاب «حياة دون كيخوته وسانتشو» عام 1905، أي في سنة الاحتفال بالذكرى المئوية الثالثة لصدور كتاب ثربانتس، ولكنه في مقدمة الطبعة الثانية يؤكد أن صدور كتابه توافق مصادفة وليس عمداً مع الاحتفال بالذكرى المئوية الثالثة لطباعة «الكيخوته» أول مرة. وأنه يجب عدم فهم كتابه على أنه «عمل بمناسبة الذكرى المئوية».

 والحقيقة أن اهتمام أونامونو بكتاب ثربانتس وبشخصية دون كيخوته ليس وليد لحظة معينة، فلدى أونامونو نتاج كيخوتي حقيقي سابق وتالٍ لكتابه هذا. فقد كتب في العام 1905 نفسه مقالة بعنوان «حول قراءة الكيخوته وتفسيره»، ومقالة أخرى بعنوان «ضريح دون كيخوته»، وهو النص الذي أضافه في مطلع الطبعة الثانية من كتابه هذا الصادرة عام 1914، كما أنه يتناول شخصية دون كيخوته في كتابه «الشعور المأساوي بالحياة» وكذلك في قصيدته المطولة «مسيح بيلاثكيث» (......). كما فعل ذلك في دراسات عديدة أخرى، منها: «عظماء، زنوج وشهداء»، و«دون كيخوته وبوليفار» و«حول دون خوان تينوريو». وكان قبل ذلك كله قد كتب ثلاثة مقالات في العام 1898، هي على التوالي:«الموت لدون كيخوته!»، و«الحياة لألونسو الطيب!»، و«المزيد حول دون كيخوته».

ويشير أونامونو في الفصل الرابع والستين من القسم الثاني من «حياة دون كيخوتيه وسانتشو» إلى تلك المقالات، وبصورة خاصة إلى مقالة «الموت لدون كيخوته»، ويطلب المعذرة لإطلاقه صرخة الموت تلك ضد دون كيخوته:

«أنا أطلقت ضدك، يا سيدي دون كيخوته، دعوة الموت تلك. فاغفر لي، اغفر لي، لأنني أطلقتها ممتلئاً بنية سليمة وطيبة، وإن كانت خاطئة، بحب لك. ولكن الأرواح الشحيحة، تلك التي أفسد صُغارُها أخذت كلامي على عكس ما أردته، وبينما أنا أسعى لخدمتك، ربما أكون قد أسأت إليك... سامحني إذاً يا عزيزي دون كيخوته على ما يمكن أن أكون قد سببته لك من أذى حيث أردت لك الخير. أنت من أقنعتني بخطر الوعظ بالعقل بين تلك الأرواح المتحجرة. أنت من بينت لي الشر الذي يتبع توبيخ رجال ميالين إلى أشد أشكال المادية فظاظة، حتى لو تنكروا بالروحانية المسيحية.»   

يهرب أونامونو في «حياة دون كيخوته وسانتشو» من الطريقة التقليدية في قراءة عمل ثربانتس التي سار عليها التجديديون من أبناء جيله. ففي لجوئه إلى طرح أسطورة الكيخوته، لم يتبع أونامونو الدروب التي خطها غيره من التجديديين الإصلاحيين، وإنما استفاد من شخصية الكيخوته بصورة أساسية ليحدد نفسه في دور المثقف المصمم، في تلك الفترة، على لعب دور البطولة. و«حياة دون كيخوته وسانتشو» ليس في الواقع إلا صورة ذاتية يقدمها أونامونو لنفسه، مزينة بمجموعة من القيم (الإيمان، الشجاعة، الجنون، العاطفة... الخ) كي يعرض نفسه للقارئ كمثال لبرنامج حيوي، وهو برنامج خاص بأونامونو قبل أن يكون لثربانتس. فنجده يقول في مقدمته للطبعة الثالثة: «إن ثربانتس هو الذي أخطأ، وإن تفسيري وتعليقي، وليس تفسيره، هو الأمين». فدون كيخوته هو القناع الذي اختاره أونامونو ليفسر (ويبرر لنفسه) نشاطه العام. ومما لا شك فيه أن أونامونو لا يهمه من قريب أو بعيد تفسير النص الثربانتسي: «أترك للعلماء والنقاد الأدبيين والباحثين التاريخيين المهمة الجديرة والمفيدة جداً في التحري عما كان يمكن لكتاب الكيخوته أن يعنيه في زمانه، وفي الجو الذي أُنتج فيه، وما أراد ثربانتس التعبير عنه فيه وعبر عنه».

ينطلق أونامونو في تأملاته حول شخصية الكيخوته من إنكار أي مغزى موضوعي إلى هذا الحد أو ذاك في كتاب ثربانتس، ويُبقي خطابه موجهاً، حصرياً، إلى ذاتية القارئ. فنراه ينطلق في خطابه على الدوام من «تجربة» واردة في الكتاب، تُرفع هذه «التجربة» لديه إلى مقولة فلسفية، ثم تُحوّل إلى نظرية، وأخيراً، وفي حركة ثالثة، ينزلق اهتمام النص إلى الحياة.

يتابع أونامونو بدقة تسلسل حبكة الكيخوته كما هي عند ثربانتس. ويتيح له الاقتباس النصي اختيار المقاطع التي يُفترض أنها أثرت بقوة أكبر على مخيلته، بينما نراه يختزل للقارئ تلك الأجزاء من قصة النبيل العبقري والتي لا تتوافر على الدسم الذي يخدم مصالحه. وهكذا، في الفصل السادس، من القسم الأول من الكيخوته، ذاك الذي يتناول «التفتيش الكبير والشائق الذي قام به الكاهن والحلاق في مكتبة نبيلنا العبقري». يكاد أونامونو لا يعلق إلا بقول ما يلي: «إنه فصل يتحدث عن الكتب وليس عن الحياة. فلنتجاوزه.». ولا يمكننا أن نغفل واقع أن أونامونو، في الوقت الذي يعمد فيه إلى تكريس صفحات عديدة للتعليق على بعض الفصول، نجده يقتصر في فصول أخرى على التعليق ببضعة أسطر فقط، فهو يعلق على هذا النحو على الفصلين (33-34): «هذان الفصلان يتناولان حكاية «الفضولي السفيه» وهي حكاية ليس لها أي علاقة بسياق هذه القصة»، وكذلك على الفصول (39، 40، 41، 42) إذ يكتفي بالقول: «هذه الفصول مليئة بقصة الأسير وقصة كيف عثر المندوب على أخيه»

ولد ميغيل دي أونامونو آي خوغو بمدينة بلباو ببلاد الباسك عام 1864. ودرس الفلسفة والآداب بجامعة مدريد، ومنها تخرج بدرجة امتياز وهو في الحادية والعشرين من عمره. وحصل في العام التالي على الدكتوراه عن أطروحة حول اللغة الباسكية بعنوان: نقد لمسألة أصل العرق الباسكي ووجوده منذ ما قبل التاريخ.  وعمل منذ العام 1891 أستاذاً للغة اليونانية في جامعة سلمنكا، ثم صار منذ العام 1901 رئيساً لهذه الجامعة، وهو المنصب الذي شغله لسنوات طويلة، وبالرغم من أنه فُصل من منصبه هذا ثلاث مرات لأسباب سياسية، إلا أنه كان يعود إليه إلى أن مُنح في العالم 1934 لقب «الرئيس الفخري لجامعة سلمنكا مدى الحياة». وبسبب معارضته لدكتاتورية بريمو دي ريبيرا، نفي إلى جزيرة فوريبينتورا، ورجع بعد سقوط الدكتاتورية عام 1930 إلى سلمنكا. وفي العام 1935 منحته الحكومة الجمهورية لقب «مواطن الشرف»، ولكن ذلك لم يمنعه من التعبير العلني عن خيبة أمله من الجمهورية لسياستها في الإصلاح الزراعي وفي الدين والحكومة. وقد توفي بمدينة سلمنكا في الحادي والثلاثين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1936.