حوار: جهاد أسعد محمد ـ رائد وحش حوار: جهاد أسعد محمد ـ رائد وحش

اللي مع التطبيع ما يورنيش خلقته

التقينا (العم نجم) في أمسية لا تُنسى قبيل الاحتفال بذكرى تأسيس الحزب الشيوعي السوري.. حكى وتذكّر وضحك وتألّم وشارف على البكاء.. باح بأشياء لم يفشها يوماً.. وثبّت موقفه من العدو والأنظمة والمطبّعين، وشدّد على التمسك بالمقاومة كخيار أوحد لهزيمة الصهاينة ودحرهم والقضاء على وجودهم ومشاريعهم.. هذا أحمد فؤاد نجم، الشاعر الذي هجرته اليوم جنيّة الشعر المراوغة الغاوية..

ما الذي جعلك تمتلك كل هذه القدرة على التعبير عن كل المهمشين والفقراء في الشارع العربي عموماً، والمصري على وجه الخصوص؟؟
 لأنني أعيش بينهم، وهذا اختيار. كان لدي فرصة، ولا تزال موجودة، في أن أذهب إلى الشاطئ الآخر، لكن هذا لن يحدث. أنا فخور بكوني لسان أهلي وصوتهم في البكاء والشكوى وفي الفرح إذا حدث. وأنا في الفترة الأخيرة شرفوني بلقبين: «سفير الفقراء في الأمم المتحدة»، و«أبو المصريين»، وقد اخترت اللقب الثاني.

ما هي المؤثرات الأولى التي وسمت شخصيتك لتكون على هذا الشكل؟؟
أزعم أني استوعبت الموروث الشعبي، ليس المصري فقط، وإنما العربي أيضاً، والفضل الأكبر يعود لأمي التي كانت كالربابة، فقد كانت شكّاءة بكّاءة متذمرة. الشاعر المصري الراحل زكي عمر الذي أسميه «شاعر الفلاحين» كتب عن أمه قصيدة تعبر عن شخصية أمي أيضاً: «ما كنتش تحب اللون الباهت/ ما كنتش تحب المية الفاترة/ وكانت لما بتكره تكره موت/ ولما تحبّ تحبّ صبابة/ ولما بتحزن تبقى ربابة». بالنسبة لي أنا العضو الرابع من حشو وتفريغ بطن المواطنة هانم مرسي محمد نجم، أمي عليها السلام. كنت أقرب إخوتي إليها رغم أنني لست بكرها ولا أصغر أولادها. كنت أجلس أمامها عندما تغني أو تشكو الزمان، فقد كانت خزانة للموروث الشعبي. أنا لم أدخل المدارس نهائياً لكن أمي كانت مدرستي، فمنها تعلمت أن أكون صوت المقهورين، وأيضاً لأن أسرتنا الصغيرة ظلمت من العائلة الكبيرة.

متى وكيف وجدت الشاعر في شخصيتك؟؟
كان أخي الكبير عبد العزيز قاسياً وكنت أخاف منه، وكان يكتب (جوابات) غرامية لابنة عمي، ابنة اللصوص الذين سرقونا، وكوني كنت المراسل كنت أقرأ الرسائل وأنا ماشٍ، ليس حبّاً بما كتب، بل حبّاً بخطه الجميل.
 
لكنك قلت أنك لم تدخل المدرسة.. فكيف تقرأ الرسائل؟
ابنة عمي علمتني الألف باء.. المهم أن أخي كتب في إحدى الرسائل أغنية لعبد الوهاب هي «حياتي إنته»، أوصلت الرسالة وسألته لماذا كتب الأغنية: «هل أنت عبد الوهاب لترسل باسمه؟؟»، فقال بما أنه لا يعرف الكتابة قام بنسخها، فقلت له أنا مستعد لأن أكتب لك. قال: «هو إنته بتعرف تكتب.. يا الله؟؟»، فكتبت له قصيدة لا أزال أذكرها حتى الآن: «يا حبيبي أنا محتار/ أعمل إيه في دلالك/ والقلب قايد نار/ من كتر كلام عزالك». ولأنّ الكلام لم يعجبها عاقبني أخي عقوبة شديدة جداً، ويومها قررت ألا أقترب من الشعر أبداً. لاحقاً، بدأت أتردد على مجلس يضم شعراء، وبدأت أسمع وأستمتع، وكان حفظي للقرآن تعويضاً لحرماني من الدراسة، بعدها بدأت أكتب، وكان منتهى أملي كأمل كل شعراء تلك الفترة أن تغني لي أم كلثوم. ثم التقيت بمجموعة مثقفي مجلة «روز اليوسف» لا سيما الرسام حجازي. وذات يوم دعاني للغداء وسألني هل قرأت بيرم التونسي؟؟ وكانت كل معلوماتي عنه من أغاني أم كلثوم، فقلت له: «ما عجبنيش».. فضحك، وحين خرجت من عنده أعطاني دواوين بيرم، فأخذتها وقد شعرت أنه رسالة. وحين بدأت بقراءته (جرالي اللي جرالي)، وبدأت أكتشف عظمة شعر بيرم، والأهم هو اكتشافي أن الشعر له وظيفة أخرى غير الغناء، ومن خلال لقائي اليومي مع شيوعيي «روز اليوسف» حجازي وفؤاد قعود ومصطفى رمزي ومحي الدين اللباد.. بدأت أكتب أشياء خاصة تلامس العام، حتى كارثة 67 حيث التقيت بالشيخ إمام، وهذا كان عاملاً أساسياً في تحولي من شاعر غنائي إلى شاعر مناضل.
 
رغم النكسة كان يمكن لأحمد فؤاد نجم أن يبقى كغيره.. فما هو سر تحولك الثوري؟؟
أمي هي السبب.. فقد كانت تقول لي: «إنته الراجل الوحيد في ولادي»، و«أوعى تبلع لسانك». كانت تتعامل معي بمنتهى القسوة كي تجعلني رجلاً.

وما الذي أعاق طموحك بأن تغني لك أم كلثوم؟؟
نكسة 67.. لأنني كنت متحمساً أكثر من جمال عبد الناصر، لست وحدي بل كل المصريين، أذكر أن الشيخ حسين من جيراننا في «حوش آدم» كان يناديني بثقة: «أبو النجوم.. بكرا ح نتغدا في تل أبيب بس أوعى النسوان اليهود يعملو معاك مش عارف إيه».. كنا واثقين أن (إسرائيل) إلى البحر، وهذا ليس موقفاً عدوانياً لأن هذا هو مكان الغزاة البرابرة جميعاً. النكسة غيّرت مشروعي في الحياة لكنها لم تهز احترامي لعبد الناصر، طبعاً لم أكن أحترمه لسواد عينيه، بل لأنه كان مشروعي، مشروعنا كلنا، إنه أمير الفقراء، فأول عبارة من عباراته كانت: «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد». الفلاح المصري لم يرفع رأسه إلا في عهد عبد الناصر ولم ينحن بعدها أبداً.
طبعاً كنت قد أعطيت لبليغ حمدي نصاً، وقد ظهر خبر في الأهرام يقول بأن حمدي يلحن لأم كلثوم كلماتي، استغربت من ذلك الكلام التافه..

 كيف أصدرت ديوانك الأول؟؟
كنت أحب ابنة عمي وهي من عمري، لكنني لم أكن أستطيع الزواج منها لأنها من تلك الطبقة التي سرقتنا. وعندما دخلت السجن سنة 1959 بتهمة تزوير أوراق رسمية، وكنت قد فعلت تلك الفعلة حقيقة، وحكمت لمدة ثلاث سنين. في السجن كانت هناك مكتبات ضخمة، والفضل يعود للمساجين الشيوعيين، قرأت بيرم ثانية، وبدأت أكتب من واقع السجن، وفي يوم من الأيام دخل أحد الضابط وأعطاني جريدة «الأهرام» لأقرأ خبراً عن مسابقة عن «مشروع الكتابة الأول» التي أقامها «المجلس الأعلى للفنون والآداب»، فشاركت في المسابقة، وفي يوم الإفراج عني من عام 1961 دخل مدير السجن وبارك لي، وأعطاني ملحق الجريدة كي أقرأ خبر فوز ديواني «صور من الحياة والسجن» بالجائزة. توجهت فوراً إلى مقر المجلس أخذت النسخ، ركبت الباص وأعطيت نسخة للرجل الجالس جواري، وقد عاملني بمنتهى الرقة حيث أخذه وقال: سأتابعك. حين وصلت البيت قلت: الآن سأصفي حساباتي مع الآخرين، وأولهم ابنة عمي التي كانت قد تزوجت من ابن عم آخر، حيث اعتقدت أنها بعد أن تعرف أنني أصبحت أديباً سوف تنتحر. توجهت إلى مكتب زوجها وأعطيته الكتاب، وبدءاً من اليوم الثاني بدأت أقرأ صفحة الحوادث منتظراً خبر انتحارها دون جدوى.
بعد عشرة أيام وأنا على نار رجعت إلى ابن عمي سألته إن كان قد قرأ الديوان، وأنا أعرف أن لا يقرأ (ولا ينيّل)، لكنه ربما يأخذ الديوان ويرميه على طاولة السفرة فتأتي زوجته وترى اسمي عليه فتأخذه وتدخل لتقرأه ثم تغرّق الكتاب بدموعها، وحين يدخل إليها يجدها ميتة!!! سألته والديوان أمامه على المكتب فقال: «في واحد مجنون هنا بيقول عليك إنك خليفة بيرم التونسي.. يا سيدي مبروك على  بيرم وعليك وعلى سعد الموجي».. وسعد الموجي الذي يقصده هذا مدير المطبوعات وهو نموذج لابن الحارة المصرية النابغ.

 كيف التقيت بالشيخ إمام؟؟ وكيف تم التأسيس لهذه الشراكة؟؟
سعد الموجي اقترح عليّ أن يعرفني على رجل فنان يعيش في «حوش آدم»، وهو يراه فناناً حقيقياً رغم أن الجميع يقولون إنه دقة قديمة. وتواعدنا يوم الجمعة وهذا هو الموعد الوحيد الذي وفيت به في حياتي. دخلنا البيت وجاء الشيخ إمام وقال له سعد: معي الشاعر أحمد فؤاد نجم. كان إمام شخصاً متواضعاً. تناول العود،وبدأ يدوزن به، وطلبت منه أن يسمعنا شيئاً للسيد درويش أو الشيخ زكريا فنوّر وجهه وأجلسني قربه، وراح يغني فسحرني بأستاذيته كعواد ومغن. بعد فترة قررنا أن نبدأ العمل فكتبت له في الجلسة نفسها «أنا أتوب عن حبك»، وظللت إلى جواره حتى لحّنها، عموما كانت أغاني هذه المرحلة مختلفة عن الإذاعة.

لم يطل الأمر حتى أصبحت أغانيكما لسان حال حركة التحرر بأكملها، وصار ذكر الثنائي نجم وإمام يعني أننا أمام أغنية تقدمية، يسارية الطابع، شعبية الهوى، خارجة من قاع المجتمع لتقول أحلام الفقراء.. ما مدى تعمدك لذلك؟ وهل أنت من ورطت الشيخ إمام بهذا التوجه؟؟
بالطبع كنت متعمداً.. خصوصاً بوجود صفوة الشباب الوطني الذين كانوا ملتمين حولنا. وكذلك وجودنا في وسط الناس وهذا ما قوانا وصاننا وحرسنا لأنهم شكلوا لمشروعنا حضناً دافئاً.. «ح نغني ودايماً ح نغني/ ونبشّر بالخير ونمنّي/ ونلف الدنيا الدوارة/ على صوت النغمة الهدارة/ ومعانا المشرط والبلسم/ في الكلمة الصاحية النوّارة/ ماشيين.. عارفين.. مع مين.. على مين/ دايماً واضحين/ مش بين ده وده/ هو احنا كده وح نبقى كده».. هذا كان شعارنا..

 أحمد فؤاد نجم كيف يرى مستقبل هذه الأمة في هذه الفترة؟؟
نحن كعرب لن يكون لنا غد وهذا الكيان الصهيوني موجود، لكني واثق أن هذا المشروع محكوم عليه بالفشل لأنه جسم غريب في المنطقة، وقد قلت هذا الكلام حتى في باريس. المقاومة هي مبرر وجودنا، إنها شيء مقدس.. حسن نصر الله بالنسبة لي مثل الحسين وغيفارا.
الأمة الآن في الإنعاش، ولكنها ستنهض بالتأكيد بفضل المقاومة، وموقفي من مختلف الأطياف السياسية محكوم بمواقفها من إسرائيل «واللي مع التطبيع ما يورنيش خلقته».

آخر تعديل على الثلاثاء, 12 تموز/يوليو 2016 14:59