مخيلة شعرية مجهولة المصدر


ترقى ترجمة الشعر السنسكريتي الكلاسيكي إلى الانجليزية إلى أكثر من مائتي عام، عندما أنجز أحد المترجمين المرتبطين بشركة الهند الشرقية مقتطفات شعرية تتناول إحدى الأساطير الشعبية الهندية مجهولة المؤلف، ثم نشرها في لندن لتعاد ترجمتها في عدد من اللغات الأوروبية الحيّة، وبالتالي لتستقر في المخيلة الشعرية الأوروبية بعدما أعيد ترجمة تلك الأشعار كاملة تقريبا وقد أصبحت واحدة من مرجعيات ومصادر إلهام تلك المخيلة، أي بعد أن تأثر بها الكثير من الشعراء الأوروبيين البارزين، وتحديدا شعراء تلك المرحلة الشعرية الرومانسية التي شملت خارطة الشعر الأوروبي بأكمله خاصة مع ترجمة العملين الكلاسيكيين الرائعين: الرامايانا والمهابهاراتا اللتين عرفتا ترجمات عديدة في مجمل الثقافات الأوروبية، وبناء على ما توفرتا عليه من طاقة تخييلية عالية وأسئلة تمس الوجود الإنساني لجهة ارتباط الدين بالمنطق الفلسفي والمنطق الشعري، فضلا عن ارتفاع مستوى السرد والحوار فيهما فقد انتقل أثرهما إلى السينما والمسرح والرواية.

وعبر هذه الفترة التاريخية الطويلة من ترجمة الشعر الكلاسيكي السنسكريتي إلى الانجليزية وسواها فقد تشكل تاريخ ترجمي له من المريدين والمتتبعين الذين لفتوا الانتباه إلى أن خزانة بالفعل تضم هذا الشعر الكلاسيكي باتت موجودة الآن في المكتبة الأوروبية، وتحديدا في اللغة الانجليزية التي أُخذ منها هذا الكتاب حاملا في عنوانه اسم المكتبة والشعر.
هذا الكتاب هو أنطولوجيا، كما أنه نتاج صنيع فعل أنطولوجي دؤوب سواء في لغته الأصلية أم في اللغة المنقول إليها وتغطي فترة تمتد قرابة 3000 عام وتضم شعراء مجهولين من أزمنة بعيدة وآخرين حديثين، وتأثر بها شعراء من ثقافات مختلفة من العالم من بينهم مَنْ حازوا جائزة نوبل مثل أوكتافيو باث الذي تأثر عميقا بالنصوص الهندية الكلاسيكية وأعاد صياغة بعض أساطيرها في مقاربة شعرية راهنة تتصل بمجتمعات أميركا الجنوبية، وذلك بالطبع فضلا عن شعراء هنود وأوروبيين أما عربيا فلم يصلنا هذا الكتاب إلا متأخرا.
ثمة غنى شعري ينطوي عليه الكتاب لجهة علاقة النصوص بالأشكال وطبيعة استخدامها في الحياة الهندية التقليدية القديمة: الترانيم والتعابير الصوفية والحوارات والسرديات الملحمية والقصائد التراجيدية والإيروتيكية بالإضافة إلى شعر البلاط والشعر التعبدي الفلسفي.