مملكة «إيميلي» السعيدة..

مملكة «إيميلي» السعيدة..

كانت صورة اعتيادية للغاية، ابتسم أمام الكاميرا وهو يزرع علماً أزرقاً على تلة جرداء، غمرته غبطة عجيبة وكأنه حقق اكتشافاً لأرض لم تلمسها قدم إنسان من قبل، لم يكن يعلم بأن «اكتشافه» هذا سيثير عاصفة إعلامية حول العالم وفي غضون ساعات، إنه الرجل الثري والأب الحنون لطفلة محظوظة للغاية، فقد قام والدها بشراء بلد كامل لأميرته الصغيرة وتوجها بهذه الصورة على العرش!

كان ذلك منذ أقل من سنة، حينها قام «جيرمايا هيتون» بتحقيق أحلام طفلته المدللة، فهي تود على الدوام أن تكون أميرة كما في الأفلام، وهو يملك ما يكفي من المال والنفوذ لتحقيق ذلك،  فاختار بقعة من الأرض تقع بين مصر والسودان، لا تعترف بها أي من الدولتين، وزرع علم المملكة الجديدة، وأسماها بكل بساطة: «مملكة شمال السودان»، لم تعد تدعى باسمها الحقيقي «بير طويل» بعد الآن، فقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الاسم العجيب وتناقل الجميع صورة «الملك» و«الأميرة» أمام علم «المملكة» الجديد، لكن القضية تلقت على الفور الكثير من ردود الأفعال السلبية من قبل الكثيرين بعد أن اتهمه البعض بـ«استعمار» أراضي الغير بكل وقاحة.


«مملكة شمال السودان»

يقول «جيرمايا» في معرض دفاعه لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية: «لم يتم تسمية هذا البلد الجديد على أي خريطة، ولم تعترف به حتى الآن أي أمة على الأرض، ومن ضمنهم بالطبع بلادي الولايات المتحدة الأمريكية»، وتابع قائلاً: «يعرّف الأكاديميون الاستعمار بأنه احتلال بلد ما من قبل بلد آخر للسيطرة على خيراته وموارده، أنا ببساطة لا أمثل الولايات المتحدة الأمريكية، لا أمثل إلا نفسي فقط، والأرض مهجورة أساساً ولا تنتمي لأي بلد..!»، لكن كل هذا لم يهدأ من روع المنتقدين، وظل الرجل حديث الصحافة الأمريكية والعالمية طوال الشهور الماضية، لكنه اليوم يكتب فصلاً جديداً من فصول «المملكة السعيدة» لا يقل جدلاً عن سابقه، بعد أن أعلن منذ بضعة أيام توقيع عقد مع شركة «ديزني» لإنتاج أفلام الرسوم المتحركة بغية تنفيذ فيلم عائلي جديد بعنوان «مملكة شمال السودان»، يتحدث عن هذه القصة «المميزة» بتفاصيلها كافة، أي أن أول أفلام «ديزني» التي تتحدث عن أميرة أفريقية سيكون بكل بساطة قصة فتاة ثرية بيضاء من فرجينيا تدعى «إيميلي»، فلكم أن تتخيلوا ردة فعل الجميع بعد أن أعلن «جيرمايا» ذلك في بلد يعيش هذه الأيام عرضاً «ملوناً» لإحدى أسوأ تناقضاته الاجتماعية، لتضاف «العنصرية» إلى لائحة التهم الطويلة التي ينعت بها الناس «الملك» السعيد.


زلة لسان!

لا ينكر «جيرمايا»، صاحب أكبر شركات التنقيب عن المعادن في ولاية «فرجينيا»، بأن له علاقات خاصة مع بعض المدراء الكبار في شركة «ديزني»، وهو يظن بأن ذلك لا علاقة له باختيارهم لقصته المثيرة للاهتمام، كما بدأ يحتل مساحة أكبر من الاهتمام المحلي والعالمي، حين أعلن بأن ابنته تملك خطة مفيدة تجعل من إنشاء «مملكتها» حدثاً نافعاً للغاية، فقد سألت «إيميلي» أمها مدرسة العلوم، إن كان بالإمكان زراعة الأرض والاستفادة من المحصول، بعد أن تعلمت في مدرستها بأن أفريقيا أرض خصبة للغاية، كما رأت على التلفاز صوراً للعديد من الأطفال الجياع هناك، لذا قررت «الأميرة» أن تطعم الجميع هناك من حديقة المملكة، طبعاً، أجابت الأم بالإيجاب، لكن الجميع يعلم بأن هذا الأمر غير وارد على الإطلاق، فجفاف الأرض وعدم قابليتها للزراعة هو السبب الأساسي لكونها مهجورة أساساً.
على كل حال يلتفت «الملك» لأمور أكثر جدية، فهو يريد إعلان حدود واضحة لمملكته عن طريق السبل القانونية المناسبة، بعد أن نصب أمام العالم علم «مملكة شمال السودان» قبل عدة شهور، كما يود البدء بإنشاء علاقات دبلوماسية حسنة مع دول الجوار، تتضمن خطة تبادل تجاري فعالة، لم يخف الرجل تشاؤمه من نجاح خطته تلك، فمصر والسودان لم تعترفا بعد بالمملكة، وربما لن يحدث ذلك أبداً، إلا أنه اعترف في نهاية المطاف بالهدف الحقيقي من وراء كل هذا، ربما كانت مجرد زلة لسان، فقد أخبر مجلة «فورين بوليسي» بأنه يود بناء مجمع صناعي لإنتاج الطاقة بالتعاون مع حكومتي مصر والسودان!، لا يظن أحد بأنه تحدث مع «أميرته» حول هذا الموضوع المربح للغاية.


فقط هدية؟!

نالت هذه القصة في البداية نصيبها من السخرية والضحك، فقد بدأت كهدية عيد ميلاد لطفلة كانت قد بلغت السابعة فقط، لكنها اليوم بدأت تأخذ أبعاداً جديدة لم يتوقعها أحد بالفعل، لم يتوقع الكثيرون أن تأخذ رواية هذه «المملكة السعيدة» هذا الحجم، وبالتأكيد لم ينتظر أحد أن تتحول إلى فيلم سينمائي عالمي، يستغرب البعض كيف يُعجب أحد بمثل هذه القصص، إنها الرواية الأمريكية التقليدية التي يختار فيها أحدهم أي بقعة من العالم، ليفعل بها ما يريد لمجرد أنه يمتلك الكثير من الدولارات الإضافية!