فن الربيع خريف الفن

فن الربيع خريف الفن

في الربيع يجتمع التناقض دونما ارتياح، هو فصل الفصول، فيه تقاتل البراعم لمسات الرياح، فإما تحتضر مستسلمةً لآخر نفحة ٍخريفية، وإما تستقبل صيفها بألوانٍ متفاوتة، وليست في الألوان النهاية، كما يحب للبعض الاعتقاد، فللألوان دلالاتها..

 

ويبقى على الريشة أن تختار لونها، اللون كلمة ولحنٌ وإيقاع، وفي الكلمة شعار، وفي اللحن خطاب، وفي الإيقاع خطواتٌ وخطّة .......

ما بين الثورة والثورة المضادة، ربيعٌ وحراكٌ وأزمة، وطيفٌ من المصطلحات، من شأنه اختصار ما يشوب الحالة السورية من تعقيدات، فرضت اصطفافاتها وانقساماتها على مختلف أطياف وفئات الشعب السوري، اصطفافاً اختلفت أدواته باختلاف هذه الأطياف، ولطائفة الفن وصنّاعه أيضاً اصطفافهم وأدواتهم، أدوات ٌ تزيد طبيعتها من تعقيد ما التزمت به وارتهنت له، وفي الالتزام لا تتعدد معايير تقييم العمل الفني بقدر ما هي تختلط، وتذوق المنتج الفني الملتزم - بدءاً باستهلاكه وانتهاءاً بنقده- يزداد تعقيداً نظراً لما تنفرد فيه أدوات الفن من «جمال» يخفف من فجاجة المصطلحات والمفاهيم المجردة، دون أن يخفف من حدتها ووقعها. فإن هتف اللحن شعاراً امتزج انفعال الموسيقا بواقعية الكلمة ليضاعف كل منهما أثر الآخر، أثراً تكثر معه الأعمال الفنية التي تتخذ من هموم السوريين وتفاصيلهم الآنية والمستقبلية مادةً خصبة ينهل منها أهل الفن، من موسيقيين وكتاب وشعراء ورسامين.

 ولكن الكثير يقال بحق من أعلن الالتزام بأكثر قضايا المنطقة تعقيداً، فالالتزام - بالمعنى الواسع للكلمة لا بمعناها الضيق - هو قضية متكاملة منسجمة لا تقبل التجزئة أو الفصل، تبدأ بالمستوى التقني للعمل الفني، وتتسع لتشمل كافة إحداثياته، بدءاً من تمويله وانتهاءً بالمنبر الإعلامي الذي يُسوق عبره، هذا ما أراد مؤرخ الفن ميشيل باكساندال تبيانه في افتتاحية كتابه -الرسم والتجربة في إيطاليا القرن الخامس عشر(1972) - حيث يقدم باكساندال مجموعة من العقود التي استخدمها التجار والقساوسة في مدينتي فلورنسا وسيينا من أوائل عصر النهضة بعمل لوحات لرسامين «غيرلاندايو، فيليبو ليبي، فرا أنجيليكو» العقد لا يقف عند حد تحديد حجم اللوحة وموضوعها، وإنما يتجاوز ذلك ليصل لحد تحديد طيف الألوان المستخدمة من الفنان المعني، ونقتطف من باكساندال: «إن لوحة من القرن الخامس عشر هي مستودع للعلاقات الاجتماعية «، في قوله يوضح بأن ما يعاد إنتاجه، أو على الأقل تعريفه وتصنيفه  في متاحف الفن ومعارضه، على أنه «فن» باعتباره يملك الصبغة التقنية على الأقل، لم يكن بمعزل عن باقي العلاقات المهيمنة في المجتمع، ووفقاً لهذا يصبح من الصعب بمكان على السوريين «إن لم يكن من المستحيل» تذوق الكثير من الأعمال، التي تتبنى الحرية شعاراً، التغاضي عن تمويلها ومنابرها التي اختارت أو اختير لها أن تسوق عبرها، فأي عاقل يستطيع أن يتذوق «حرية سمفونية « تعزف على أعتاب أكثر بيوتات العالم قهراً واستبداداً واستغلالاً لفقراء الشعوب وثرواتها ...!!؟ أي إحساس يستطيع أن يفصل بين عنوان هذه السمفونية  وبين الرمزية «البائسة» لدولة ٍ قوامها استعمار الإنسان قبل الحجر ....!؟ والكلام ذاته يقال بحق من اتخذوا من ندوات قطر الثقافية منابر لشعارات الحرية والديمقراطية، خاصةً وأن هؤلاء يحصلون على ما يشتهونه من تغطية إعلامية وأكثر، هل من الممكن الاستمتاع بإيماءات هذه الشاعرة وذاك الموسيقي وهم يهتفون «الحرية والعدالة» لمن استملكوا ثروات بلادهم لعائلاتهم ...!!؟؟

ليس من الممكن الحديث عن الالتزام بما ينشده السوريون بمعزل عما سبق، فهذه القنوات والمنابر تختار ضيوفها في البرامج السياسية بحذر، فكيف باختيارها لمن يعتلي مسارحها ويسكن فنادقها ويمول برؤوس أموالها...؟ من السذاجة بمكان اختزال و»تقزيم» مصطلح الالتزام، وعزل العمل الفني عن ارتباطاته بقضايا اقتصادية وسياسية، خاصةً وأن مضمونه يدور حول ما سبق، ولكي لا نبقي حجة لمدعي «الحرية» هؤلاء فقد بات من الواضح انعكاس تلك التفاصيل على مستوى أعمالهم ومنتجاتهم التي بات إنتاجها أشبه ما يكون بانتاج السلع بالجملة وفقاً لصيغ ثابتة، ومن هنا مدخل للحديث عن «جمال» هذه الأعمال وغيرها .

الجمال والانفعال العاطفي :

لا مجال لإحصاء أرقام البنية التحتية المهدمة في سورية، لا مجال لعد أرقام المهجرين والنازحين، ولا وقت لحصر عدد الجياع برداً وكلأً وسلاماً، لا ليس ذلك بوارد عند من التهت أصابعهم فقط بإحصاء عدد الشهداء يومياً ب»انتقائية» موجعة ..!!

 هؤلاء الملتهون اختاروا شعارات لا تستطيع أدواتهم حسمها، فاختزلوا لا الالتزام في الفن وحسب، وإنما جمال الفن واختصروه بعنصري «الانفعال والعاطفة» متخذين من هذين العنصرين وسيلة انعكست باستخدام أدوات «لا فنية» وغاية تسهل معها إيصال ما يشاؤون من الأفكار. 

الوسيلة :

لم نعد نستطيع الفصل بين المقطوعة هذه أو الأغنية تلك دون تذكر مقاطع الفيديو الملصقة بها ...!!

يحاول مؤلف إحدى السمفونيات أن يخفف من حدة التجريد الموسيقي الذي يتصف به مثل هذا النمط الموسيقي، مستخدماً منبهات «بافلوف» الثانوية، تارةً باختيار عنوان شعبي معروف لدى معظم السوريين، وتارةً عبر إرفاقها ب»فيديو كليب» قد يمس البعض من السوريين فيما يعانونه من تفاصيل يومية، لا تخلو من أخطاء تقنية فادحة، وليس الحديث هنا عن هذه الأخطاء وإنما لإلقاء الضوء على هذه الظاهرة التي لا تمت للفن الملتزم «تقنياً» على الأقل بصلة، والأغنية الملتزمة الناجحة حتماً لا تحتاج لمثل هذه الوسائل السوقية السلعية، إلا إذا كان الفيديو كليب عنصراً أساسياً للأغنية كما الكلمات واللحن والتوزيع ...!

من الجلي هنا إعادة التفكير لوهلة عن مدى المهنية والإبداع في اعتماد الأغنية على «كليب» صارخ تمر عبره أقذع الصور الصارخة بدماء الأطفال والأمهات باختلاف أسباب أوجاعهم ..؟؟ وإذا كانت الغاية تبرر هكذا وسائل فلعلماء الجمال قولٌ آخر.

الغاية :

يرى علماء الجمال قبل الاجتماع، أن عنصر الانفعال والعاطفة عنصر لازم –ربما- لكنه حتماً غير كاف، لإدراج عمل أو انتاج ما ضمن دائرة الفن، فالأخير يتطلب إلى جانب ذلك عناصر عديدة، من ضمنها: الإنشاء والتركيب والإبداع. والفنان السوري المبدع يقع عليه من الأعباء الكثير، ولا يكفيه بمكان الإيحاء أو التوصيف والبقاء بعيداً عما يجتاح الحالة السورية من انحرافات باتت هي الحالة العامة وما يشذ عنها «انحراف»، يقول عالم الجمال الفرنسي المشهور شارل لالو (1877-1953) «الفن بالمعنى الواسع للكلمة إنما هو عبارة عن عملية التحوير أو التغيير التي يدخلها الإنسان على مواد الطبيعة». وعليه فإن مجرد تناول عينة واحدة لما نشهده من تجارب متماثلة حد التماهي للعديد من الفنانين السوريين، سنلاحظ بأنها لم تنجز مهمة التوصيف الصحيح، فكيف بها لو أرادت التغيير، آخذةً مهامها بعين الاعتبار، باعتبارها الموجه والبوصلة لجمهور ربما هو بأمس الحاجة لمن يرشده إلى دالته الصحيحة...؟؟ لا أن يقف الفنان عند حد تسمية الأشياء فقط «هذا إن أفلح حتى في تسميتها». وهذا ما عبر عنه اليونانيون في حديثهم عن الجمال بلفظ «بويطيقا» والذي يعني «الإنشاء». والإنشاء بلا شك يتضمن عنصر الانتاج أو الصناعة، ولكن الانفعال والعاطفة ليسا إلا مظهرين من مظاهر التجربة الفنية، يؤكد ذلك عالم الجمال الفرنسي رودان بقوله « إن الفن هو التأمل، هو متعة العقل الذي ينفذ إلى صميم الطبيعة، ويستكشف ما فيها من عقل يبعث فيها الحياة، هو فرحة الذكاء البشري حين ينفذ بأبصاره إلى أعماق الكون لكي يعيد خلقه مرسلاً عليه أضواء من الشعور، الفن مظهر لنشاط الفكر الذي يحاول أن يتفهم العالم وأن يعيننا نحن بدورنا على أن نفهمه».

 من يريد أن يمس أوجاع السوريين لا يمكنه أن يقف عند حد ملامسة أوجاع السوريين، كبعض الاغاني، التي لامست بلا شك، انفعال العديد من السوريين بمختلف شرائحهم وحتى اصطفافاتهم، لكن أليس من واجبات الفن اليوم رسم الحدود الواضحة لهذا الانفعال أو ذاك، لا تركه صريع الأعباء والهموم التي تثقل كاهل السوريين وتلهيهم ربما عن الرؤيا السليمة....؟؟

«الفن هو متعة العقل في تأمله» لا متعة «الغرائز ولحظيتها» كما يسهل للبعض الاعتماد، وليس الانفعال اللحظي مع هذا الحدث أو ذاك .

الحراك السوري فرض وبشدة واقعاً جديداً على كل مجالات الحياة والفن إذا كان -كغيره- تابعاً لمثل هذا التغير الطارئ فمنذ الآن عليه أن يصحو ليكون متغيراً يفرض أسه وأساسه، ومن استجاب أو استفاق على أدق التفاصيل في بدايات الحراك السوري عليه أن يبقى لصيقاً به وبتفاصيله، لا أن يغترب عنه تحت عناوين مجردة ومفاهيم عائمة حد الميوعة،  ومن اختار شعاراً عليه أن يعبد له طريقاً جليا ،ً ومن يريد الحديث عن عطاءات الحراك السوري، عليه أن يشتم كل من آلمه ليس فقط بقمع بل بتسليح وتطييف وإلا فسوف يبقى الشارع يردد تراثه الغني ويعيد إحياءه بلهجته البسيطة المحكية لأنه لا يقبل الفراغ كما لا يقبل الانتظار ........