الفيلم الجزائري الفائز بجائزة مهرجان دمشق السينمائي «خارج القانون» الاستعماري وحسب قانون تحرر الشعوب

الفيلم الجزائري الفائز بجائزة مهرجان دمشق السينمائي «خارج القانون» الاستعماري وحسب قانون تحرر الشعوب

بإجماع من لجنة التحكيم فاز الفيلم الجزائري «خارج القانون» للمخرج رشيد بوشارب بالجائزة الذهبية في مسابقة الأفلام الطويلة وجائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان دمشق السينمائي الثامن عشر الذي انتهى مؤخراً، وشكل العرض الدمشقي للفيلم أول مشاركة له في مهرجان عربي وثاني عرض له عربياً بعد افتتاحه مهرجان الدوحة- ترابيكا.

 

يفرد «خارج القانون» معظم أجزائه لتجربة تاريخية تكاد تكون مجهولة هي النضال الوطني الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي من داخل الأراضي الفرنسية في خمسينيات القرن الماضي حتى نيل الجزائر لاستقلالها عام 1962، ولأن الفيلم ليس درساً في التاريخ فهو يتتبع هذه التجربة من خلال سيرة ثلاثة إخوة لعبوا أدواراً متفاوتة في هذا النضال هم عبد القادر (سامي بوعجيلة) ومسعود (رشدي زيم) وسعيد (جمال دبوز)، يقضي الأول عقوبة السجن في باريس ويرسل الثاني للقتال في صفوف الجيش الفرنسي في الهند الصينية (فيتنام) فيما ينتقل الأخ الأصغر للعيش في حي نانتير الفقير في باريس مع والدته بعد مقتل الأب في مجزرة سطيف الشهيرة وفقدان العائلة لأرضها بعد استيلاء المستوطنين الفرنسيين عليها.

عودة الإخوة الثلاثة للقاء بعد خروج الأخ الأكبر من السجن وعودة الأخ الأوسط من فيتنام ستشكل بداية لنشاط سياسي يقوده عبد القادر ويتعاون معه مسعود فيما يبقى سعيد الذي كان يعمل في القوادة منشغلاً بناديه الليلي ونادي الملاكمة الذي يديره لكنه يؤمن تمويلاً للحركة الناشئة، ولأن الفيلم غير معني بتقديم صورة مثالية عن ثورة، فإنه لا يتورع عن تصوير القسوة بأشد صورها، هكذا يصبح الإخوة نوعاً من خارجين عن القانون بنظر السلطات، فهم أشقياء وقتلة وفق منظور قانوني غير سياسي يسهر عليه رجال شرطة متوحشون، وكأن العنف الضروري الذي يرتكبه ناشطون في حركة تحرر وطني ليس نتاجاً لعنف أصلي أكبر هو عنف الاستعمار، فالشرعية القانونية هنا نسبية، والأقوى هو من يحدد ما هو قانوني وما هو ليس كذلك، ويصل الأمر بأجهزة الشرطة إلى تشكيل تنظيم إجرامي سري بعلم السلطات السياسية العليا، لتوفير قدر أكبر من حرية الحركة وتصفية المناضلين الجزائريين دون إعاقات قانونية.

تمثل شخصية عبد القادر التي لعبها باقتدار الممثل سامي بوعجيلة نموذجاً للمناضل المتجرد عن أي اهتمامات حياتية ومكاسب دنيوية والمكرس نفسه بالمطلق لقضية كبرى، وهي شخصية تجمع بين الشجاعة والتوازن العقلي والصلابة النفسية، فهو لا يرحم أحداً حين يتعلق الأمر بالفساد وسرقة الموارد المالية للثورة أو بالخيانة ويقتل بسهولة تقترب من انعدام الحس الإنساني، كما أنه لا يستجيب لعواطف المناضلة الشيوعية الفرنسية التي تساعد الثورة الجزائرية، ويلوم أخاه مسعود لزواجه لأن ذلك قد يعيقه عن تأدية واجباته الكفاحية، بالمقابل لا يمكن التشكيك بنزاهة عبد القادر وإخلاصه، وهذه الشخصية العلامة في السينما تؤكد ودون مواربة من مبدعها رشيد بوشارب أحد كاتبي السيناريو، أن هذا الحزم والانضباط لازم بل وضروري في منعطفات تاريخية وشخصيات كهذه وحدها من يمكن أن تدفع بالتاريخ إلى الأمام وتقونن الجهد الجمعي وتحوله إلى واقع التحرر الوطني. 

يلفت الفيلم إلى أن القمع الاستعماري لم يتراجع حتى قبل أشهر من تحقيق الاستقلال، ويقول أحد قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لعبد القادر حين يلتقيه في جنيف إنه يجب دفع الفرنسيين إلى المزيد من القمع، وتاريخياً تمارس القوى الاستعمارية أشد أشكال القمع في الفصول الأخيرة قبل إعلان هزيمتها، فالعنف العاري يحتاج إلى مبررات سياسية، ولا يمكن المحافظة على صورة مقبولة بالترافق مع قمع أعمى، كل ذلك يقود إلى تخبط ثم انتحار، خاصة مع عدم وجود توازن في القوى، وفي ذلك درس لكل نضال تحرري، لذلك فهذا الفيلم يخاطبنا بقوة وضحايا آخر التجارب الاستعمارية لا يكفون عن التجدد.

الفيلم وإن انتمى إلى السينما الملحمية الكلاسيكية، بإنتاجه الضخم وسرده التقليدي، إلا أنه ثورة على صعيد الدراما والطروحات والأفكار، وهو جاء متماسكاً سريع الإيقاع لا يعاني من عيوب فنية، و«خارج القانون» يمثل اختراقاً مهماً مع اتساع عرضه عالمياً، لوجهة نظر غير مهادنة، لذلك لم يكن مفاجئاً أن يشكل صدمة لليمين الفرنسي، وهو بالتأكيد لن يبعث على الارتياح لدى المهزومين والحالمين بالتخفف من عبء التاريخ، الذين يعتقدون أن خطاب التحرر الوطني صار من الماضي.