بسيم الريّس على كلّ جدار
رائد وحش رائد وحش

بسيم الريّس على كلّ جدار

ما الذي يعنيه إعلان فنان على الملأ: هذا إيميلي وهذا تلفوني.. راسلوني وسأرسل لكم لوحاتي؟ ما الذي يعنيه تفرّغ هذه الفنان للرسم من أجل الآخرين؟ أتراه بحثاً ومشروعاً على غرار البحث البصري، شأن الفنانين في محترفاتهم، رسماً للوجوه أو الطبيعة أو الأجساد أو البيوت.. إلخ؟

أظن أن الجواب على هذه الأسئلة ليس سوى المحبة، تلك القيمة الإنسانية التي تحمل الفنّ ويحملها، تلك التي تستحق انشغالاً لا يقل شأناً ومكانةً وأهمية عن القيم الفنية والجمالية.. وأظن أنها لفتة غير مسبوقة يمكن أن يقتدي بها الفنانون الآخرون، وإذا ما حدث سيكون لبسيم الريس صاحب هذه المبادرة قصب السبق في إيصال الفن التشكيلي لمحبيه، دون أن تخذلهم مضاربات الصالات والمزادات الفنية، ودون أن تقف دونهم واللوحات قوائم الأسعار التي عادة ما تدمغ بالدولار.. نعم فعلها الفنان السوري المقيم في الإمارات كما وعد، ووفى وبر بذلك ليكون «الحب لغة فعل وليس لغة قول» كما قال في إعلانه.

يكتب بسيم تحت عنوان «السيرة غير التقليدية»: «بسيم الريس: فنان سوري من مواليد 1970.. ولد ونشأ في أحد أزقة باب توما، في دمشق القديمة.. صمد كما صمدت تلك الجدران العتيقة، أمام ظروف الحياة القاسية واليتم المبكر.. إثر فقدانه لوالده.. تحمل مسؤوليات أكبر من غصنه الغض لسنوات طويلة.. أحب الفن فكان عشقه السري الكبير، الذي يمارسه بعيداً عن العيون وأوقات الدراسة والعمل.. كرس الكثير من جهده لعيش الحياة، وكرس الأكثر لعشقه (الرسم). تخرج من كلية الهندسة الزراعية، ورفض وظيفة الدولة ليكرس وقته للرسم... ومازال.. يعيش في الإمارات العربية المتحدة منذ أكثر من تسع سنوات، ومازال في إمكانياته غير المحدودة الكثير ليعطيه»..

يكتب بسيم هذه اللمحة بالحرارة التي يكتب بها نصوصه، فهو كاتب أيضاً، ولعل لاشتغالاته في حقل الكتابة، ولاسيما كتابة القصة القصيرة، الأثر الأكبر في منح لوحاته بعداً سردياً، فاللوحة عنده حكاية تروى حقاً...

حين وصلتني اللوحة التي تحمل اسمي (وقد أرسل العديد من اللوحات دونما طلب لأصدقاء القلم).. حين وصلت، وهي تمثيل لرأس وحشيّ حزين شديد الانكسار، تذكرتُ شخصية الشيطان في فيلم «أحلام» لكيروساوا، الفيلم الذي يبكي الشيطان، في أحد مشاهده، على ما فعله البشر بأنفسهم... فالشيطان نفسه ما كان ليتخيل ذلك الدمار كلّه.. حين وصلتُ لوحتي واستدعت الذاكرة أعمالاً أخرى له عرفت أن هذا الرجل الذي يرسم خراب عالمنا، إنما يرسم، في الآن ذاته، بأسلوب الإنسان، في الحياة والعيش، ما يجب أن يكونه الإنسان.