شخصان وآلة كاتبة!

شخصان وآلة كاتبة!

 

وصف أحد الكتاب فوضى المشهد السياسي اللبناني إبان الحرب الأهلية قائلاً: شخصين وآلة كاتبة يساوي حزب، معبراً بذلك عما فرخته الأزمة من أحزاب وهمية واسمية في ظل وضع اختلطت فيه الأوراق وضاعت المقاييس، حيث أصبح لبنان حينها مسرحاً لمختلف أشكال الاختراقات..

الخريطة الحزبية السورية في هذا الجانب باتت شبيهة إلى حد كبير بالمشهد ذاك، وإن تم استبدال الآلة الكاتبة بجهاز كومبيوتر، حيث باتت الأزمة تفرخ يومياً أسماء أحزاب وتيارات وفصائل وكتائب وإطارات سياسية جديدة، لتضيف بذلك تشويشاً جديداً، وجرعة أخرى من الفوضى في المسرح الميداني، خصوصاً إذا تبنت فضائية ما واحدة من هذه الولادات القيصرية وسعت إلى التطبيل لها في البازار السياسي..

هذه الولادة اللاشرعية، تستوجب حكماً السؤال عن «أب وأم» الظاهرة التي يعبر عنها بشكل ملموس هنا، مسألة التمويل، وهذا الأخير يعني العمل لصالح الجهة أو الدولة الممولة، بمعنى آخر نحن أمام ظاهرة شرعنة النشاط السياسي بـ«الوكالة»، بأطر سياسية داخلية، وترسيخها وجعلها أمراً عادياً ومقبولاً، لتكون بذلك ذراعاً للممول يتم استخدامه عند الضرورة..

ما يعزز هذه القناعة عن أغلب هذه البنى الجديدة، أنها لاتقدم شيئاً جديداً، لا سياسات جديدة، ولا برامج جديدة، ولا مواقف جديدة، بل إنها تجتر تلك الخطابات الإنشائية السائدة التي تعتمد التوصيف، دون التحليل، تتحدث في النتائج دون ذكر المقدمات، أو تعكس نظرة أحادية الجانب، وتقتصر في خطابها على تراشق الاتهامات، وتحميل المسؤوليات، أي الدوران ضمن الدائرة المغلقة إياها، التي أنتجت الأزمة، وساهمت في إطالة أمدها وتعقيدها أكثر فأكثر.  

من الطبيعي في المراحل الانعطافية حيث النشاط السياسي العالي للجماهير أن تظهر قوى سياسية جديدة، ولكن بشرط أن تتجاوز ما هو سائد وتقليدي، تطرح رؤى جديدة، وأدوات حقيقية في العمل، ودون ذلك، تعتبر في أحسن الأحوال جزءاً من الفضاء القديم الذي أصبح في خبر كان، مهما حظيت بالرعاية، ومهما كانت الأرصدة المخصصة لها من بترودولار وغيره، ومهما امتلكت من الفصاحة وقوة البيان، وبأي غلاف تم تغليفها، تبقى مجرد بضاعة كاسدة في السوق.