الارتهان لصندوق النقد والبنك الدوليين سيعيد إنتاج المأساة السورية

الارتهان لصندوق النقد والبنك الدوليين سيعيد إنتاج المأساة السورية

شهد شهر تموز الجاري تكثيفاً كبيراً في التنسيق الفني والمالي بين الحكومة السورية والمؤسسات المالية الدولية، بوتيرة تفوق كل ما شهدته العلاقة بين الطرفين منذ سقوط النظام السابق. حيث عقد وزير المالية سلسلة اجتماعات موسعة مع بعثة مشاورات صندوق النقد الدولي التي زارت دمشق بين 20 و22 تموز، تناولت موضوع الدين العام، و«إصلاح» القطاع المالي، و«تطوير» الإدارة الضريبية والجمركية، إضافة إلى التجهيز لإصدار أدوات تمويل كالصكوك السيادية وسندات الخزينة. وترافق ذلك مع إعلان رسمي عن إحداث «وحدة السياسات المالية الكلية» داخل وزارة المالية، بـ«تعاون» مباشر ومعلن مع فريق الصندوق، لتتولى رسم الإطار المالي متوسط المدى الذي ستبنى عليه موازنات الدولة ابتداءً من عام 2027. وفي موازاة هذا المسار المالي، أنهى وفد وزارة الزراعة السورية في العاصمة الأردنية عمان التحضيرات الفنية لإطلاق برنامج «STAR» الممتد ست سنوات، بمنحة من البنك الدولي قيمتها 175 مليون دولار تستهدف «تحديث» الإنتاج النباتي والحيواني ورقمنة الوزارة. كما أعلنت الحكومة توسيع محفظة الدعم الدولي بالتزامن مع مبادرتها لإنهاء النزوح المخيمي، حيث وافق البنك الدولي على مشاريع إضافية ضمن محفظة الدعم الشاملة، والتي تشمل منحاً سابقة ومستمرة لإعادة تأهيل قطاع المياه والصرف الصحي بقيمة 150 مليون دولار، وإنعاش النظام الصحي بقيمة 75 مليون دولار.

يقدم الخطاب الرسمي هذا التسارع بوصفه «انفتاحاً» ينهي عزلة سورية المالية الطويلة ويمهد الطريق نحو «التعافي» و«الازدهار الاقتصادي»، على حد تعبير وزير المالية نفسه. لكن قراءة هذه الخطوات بتمعن تكشف نمطاً مختلفاً تماماً عن الصورة الرسمية المتفائلة، حيث إن هذه المؤسسات لم تصمم تاريخياً لخدمة العدالة الاجتماعية أو إعادة توزيع الثروة، بل لضمان الإبقاء على دول الجنوب العالمي وما يسمى بدول «الأطراف» عند عتبة محددة من التطور لا تستطيع تخطيها. وتعود هذه المؤسسات اليوم لتتولى صياغة السياسة المالية والزراعية لبلد خارج للتو من أربعة عشر عاماً من الحرب والدمار والنزوح القسري.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار ليس سابقة أولى في تاريخ سورية، بل هو تكرار - معلن هذه المرة - لتجربة سبق أن خيضت في سورية نفسها «بصمت» خلال العقد الذي سبق انفجار 2011، حين جرى تطبيق وصفات التقشف وخفض الدعم و«ضبط عجز» الموازنة دون أن تحمل اسم «صندوق النقد الدولي» على الملأ، فانتهت باتساع فجوة اجتماعية غذت شرارة الحراك الشعبي.


سجل عالمي من تفكيك وتدمير الاقتصادات المنكوبة


ليست سورية أول دولة خارجة من حرب وأزمة كبرى تجد نفسها في حجر صندوق النقد والبنك الدوليين. فسجل تدخل هاتين المؤسستين في مسارات إعادة الإعمار وإدارة الأزمات، من أمريكا اللاتينية وأفريقيا في الثمانينيات إلى العراق بعد 2003 مروراً باليونان بعد 2010 والبوسنة واليمن، يقدم نمطاً متكرراً بوضوح يستحق أن يقرأ بعناية شديدة قبل أن يعاد إنتاجه في دمشق بالمنطق ذاته.
في العراق، حيث أشرفت المؤسستين مباشرة على برامج «إعادة البناء» بعد الغزو الأمريكي عام 2003، جرى فرض برنامج تحرير اقتصادي شامل، شمل رفع الدعم عن الوقود تدريجياً، وتحرير سعر الصرف، وخصخصة أو تصفية قطاعات كانت تشغل مئات الآلاف من العراقيين ضمن القطاع العام. ولم تكن النتيجة نمواً منصفاً كما وعد الاحتلال، بل تضخماً أثقل كاهل الأسر الفقيرة بشكل خاص لأنها تنفق النسبة الأكبر من دخلها على الغذاء والوقود، وبطالة مزمنة تجاوزت الأربعين بالمئة بين الشباب في بعض المحافظات الجنوبية والوسطى، بينما استفادت شركات المقاولات والطاقة الأجنبية الكبرى من عقود إعادة الإعمار الضخمة التي منحت بعيداً عن أي منافسة حقيقية.
وتقدم الحالة اليونانية بعد 2010 درساً أكثر وضوحاً لأن اليونان دولة أوروبية موثقة إحصائياً بدرجة جيدة، حيث لا مجال هنا للتشكيك في الأرقام أو اتهامها بالمبالغة. آنذاك، فرضت «الترويكا» المكونة من المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي برامج تقشف صارمة مقابل حزم الإنقاذ المتتالية، وقد شملت البرامج خفضاً متكرراً للأجور والمعاشات التقاعدية، وتسريح عشرات آلاف الموظفين من القطاع العام، ورفع الضرائب غير المباشرة التي تصيب الفقراء أكثر بكثير من الأغنياء لأنها تفرض على الاستهلاك اليومي لا على الدخل أو الثروة المتراكمة.

نتيجة ذلك، تقلص الناتج المحلي الإجمالي اليوناني بأكثر من الربع خلال سنوات قليلة، وهو انكماش يفوق ما شهدته الولايات المتحدة في الكساد الكبير، وارتفعت البطالة إلى أكثر من 27%، وتجاوزت بين الشباب نسبة 50%، بينما بقيت نسبة الدين إلى الناتج المحلي أعلى مما كانت عليه قبل بدء برامج «الإنقاذ» بسنوات، لأن الهدف الفعلي لتلك البرامج لم يكن تخفيف عبء الدين عن كاهل اليونانيين، بل ضمان استمرار تدفق أقساط سداده إلى الدائنين الأوروبيين، وفي مقدمتهم مصارف فرنسية وألمانية كبرى.
أما في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، فقد أنتجت «برامج التكيف البنيوي» التي فرضها الصندوق والبنك على عشرات الدول طوال الثمانينيات والتسعينيات ما وصفته دراسات دولية لاحقة صراحة بـ«العقد الضائع»، حيث شهدت هذه الدول تراجعاً حاداً في الإنفاق العام على الصحة والتعليم بموجب شروط خفض عجز الموازنة، وانهيار صناعات محلية ناشئة أمام موجة انفتاح مفاجئ وغير متدرج على الاستيراد، وتحويل اقتصادات كاملة قسرياً نحو تصدير مواد أولية رخيصة لتأمين النقد الأجنبي اللازم لسداد الديون، بدلاً من الاستثمار في بناء قدرة إنتاجية محلية متنوعة. وفي هذا الصدد، تمثل زامبيا ونيجيريا وبوليفيا (وكذلك الأرجنتين في أزمة 2001) نماذج موثقة جيداً لهذا المسار الذي كرس التبعية الاقتصادية.
القاسم المشترك في هذه التجارب المتباعدة جغرافياً وزمنياً ثلاثة عناصر متكررة على نحو ثابت. أولاً: الأولوية المطلقة لما يسمى «الاستقرار المالي الكلي» بمعناه الضيق جداً، أي كبح التضخم، وضبط عجز الموازنة عند سقوف محددة سلفاً، وضمان انتظام خدمة الدين، بوصفه شرطاً مسبقاً لا يقبل التفاوض، حتى لو تطلب ذلك خفض الإنفاق الاجتماعي. ثانياً: فرض ما يسمى «الإصلاحات البنيوية» التي تعني عملياً، وبعيداً عن مفرداتها التقنية المحايدة ظاهرياً، تقليص دور الدولة في الاقتصاد لمصلحة حيتان السوق والقطاع الخاص، حتى في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والطاقة والمياه التي لا يمكن لآليات السوق أن تضمن فيها عدالة الوصول لجميع الفئات الاجتماعية. ثالثاً: وربما الأخطر، غياب أي مساءلة ديمقراطية حقيقية، فالقرارات التي تعيد تشكيل حياة ملايين البشر المعيشية اليومية كانت تتخذ في اجتماعات مغلقة بين مسؤولين حكوميين وخبراء دوليين، دون أن يكون للنقابات العمالية أو اتحادات الفلاحين أو صغار المنتجين أو حتى البرلمانات المحلية دور حقيقي وملزم في صياغتها أو حتى الاطلاع على تفاصيلها الكاملة قبل توقيعها.

ما يجعل هذا السجل التاريخي وثيق الصلة بالمشهد السوري اليوم هو أن الخطاب المستخدم في الإعلانات الرسمية السورية الأخيرة - مثل عبارات من قبيل «بناء القدرات»، و«تعزيز الاستقرار الاقتصادي»، و«تهيئة بيئة أكثر دعماً للاستثمار والنمو» - هو الخطاب التقني نفسه بالحرف الذي سبق كل تجربة من التجارب المذكورة أعلاه، قبل أن تتكشف كلفتها الاجتماعية الحقيقية على مدى سنوات لاحقة. والفارق الوحيد، وهو فارق يزيد من خطورة الموقف السوري، أن سورية تدخل هذا المسار اليوم وهي أضعف تفاوضياً من أي من هذه الدول عند بدء تجربتها: فهي لا تملك احتياطياً نقدياً يذكر، ولا قاعدة صناعية سليمة نجت من الحرب، ولا مؤسسات رقابية أو نقابية مستقلة قادرة فعلياً على مساءلة السلطة أو ما يسمى بالجهات المانحة.

 

dsc03006-1763630040_result


التجربة السورية «الصامتة» وانفجار 2011


المفارقة المؤلمة أن سورية ليست بحاجة أصلاً لاستعارة دروس من العراق أو اليونان أو زامبيا لتعرف إلى أين تقود هذه الوصفات على أرض الواقع، فتجربتها الخاصة قبل عام 2011 كافية وحدها لتقديم الدليل الأوضح. فمنذ أواخر التسعينيات، وبشكلٍ خاص بعد عام 2005 مع تبني السلطة السابقة رسمياً خطاب «اقتصاد السوق الاجتماعي»، بدأت سلطة الأسد تطبيق حزمة متكاملة من السياسات التي تحمل بصمة وصفات «التكيف البنيوي» ذاتها التي فرضت في دول أخرى، وإن لم تعلن رسمياً كبرنامج موقع علناً مع صندوق النقد الدولي، بل قدمت للرأي العام المحلي تحت غطاء «إصلاح اقتصادي» و«تحرير تدريجي».
في عام 2008، وفي واحدة من أكثر القرارات كلفة اجتماعية في تاريخ سورية الاقتصادي الحديث، رفعت الحكومة سعر مازوت بأكثر من ثلاثة أضعاف دفعة واحدة تقريباً، بذريعة معلنة هي ضبط عجز الموازنة و«ترشيد» الدعم. نتج عن ذلك مباشرة أن مئات آلاف المزارعين، الذين يعتمدون بشكل شبه كلي على المازوت المدعوم لتشغيل مضخات الري في مناطق زراعية واسعة، وجدوا أنفسهم عاجزين عن تحمل كلفة الزراعة المرتفعة، في توقيت تزامن بشكل كارثي مع موجة جفاف قاسية غير مسبوقة ضربت منطقة الجزيرة السورية بأكملها بين عامي 2006 و2010.

كانت النتيجة المركبة لهاتين الصدمتين معاً واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في تاريخ سورية الحديث قبل اندلاع الحرب أصلاً، حيث اضطرت مئات آلاف الأسر الريفية، وبحسب بعض التقديرات أكثر من مليون ونصف المليون شخص، لهجر أراضيها الزراعية والتوجه قسراً نحو أحزمة الفقر المتنامية في ضواحي المدن الكبرى، ولا سيما دمشق وحلب ودرعا، حيث لا بنية تحتية كافية تستقبلهم ولا فرص عمل حقيقية تستوعب هذا التدفق المفاجئ من الأيدي العاملة الريفية المهمشة أصلاً.
بالتوازي مع تقليص الدعم بشكل تدريجي ومتسارع، انخرطت الحكومة آنذاك في مسار خصخصة زاحفة دون أن تعلن عنها رسمياً، حيث جرى البدء بتحويل قطاعات النقل والتعليم والمصارف والتأمين تدريجياً نحو القطاع الخاص، عبر مراسيم وقوانين منحت حوافز ضريبية سخية لكبار المستثمرين المقربين من دوائر السلطة، بينما ظل القطاع العام الذي كان يوفر رغم كل عيوبه وظائف مستقرة نسبياً لملايين السوريين عرضة للتآكل التدريجي دون استثمار حقيقي في تحديثه أو إصلاحه.
الأهم من التفاصيل هو المنطق العام الذي حكم مجمل هذه السياسات آنذاك، وهو المنطق نفسه بالضبط الذي تعيد المؤسسات المانحة الدولية اليوم تقديمه بثوب جديد: هوس بضبط عجز الموازنة كغاية بحد ذاتها مستقلة عن سياقها الاجتماعي، لا كأداة واحدة ضمن استراتيجية تنموية أوسع تضع رفاه المواطن في المقدمة، وتصنيف الدعم الاجتماعي المباشر بشكل تلقائي كـ«عبء مالي» يجب تقليصه، بدلاً من النظر إليه كاستثمار ضروري في الاستقرار الاجتماعي.
هذا التاريخ القريب هو جوهر المسألة برمتها: فالبلد الذي تسببت فيه وصفات خفض الدعم وضبط عجز الموازنة، حتى حين طبقت بصورة جزئية وغير معلنة رسمياً، في تفجير أزمة اجتماعية عميقة غذت لاحقاً الحرب الأطول والأكثر دماراً في تاريخه الحديث، تجري اليوم إعادة إدخاله بخطوات متسارعة إلى المسار الاقتصادي ذاته تقريباً، لكن هذه المرة بإشراف مباشر ومعلن صراحة من المؤسستين اللتين صاغتا أصلاً تلك السياسات في تجارب دولية أخرى سابقة.


من المستفيد فعلياً من التوجه «الجديد» نحو المؤسستين؟


بالانتقال من التجربة التاريخية إلى تفاصيل ما أعلن رسمياً هذا الشهر، يتضح أن المنطق المشروح أعلاه لا يتكرر بالتلميح أو بالمصادفة فحسب، بل يتكرر بالحرف تقريباً في بعض بنوده. فإحداث «وحدة السياسات المالية الكلية» بـ«تعاون مباشر» مع صندوق النقد الدولي يمثل عملياً نقلاً فعلياً لصلاحية صياغة الإطار العام الذي ستبنى عليه موازنات الدولة السورية القادمة، ابتداءً من موازنة 2027، إلى جهة خارجية لا تخضع أصلاً لمساءلة المواطن السوري ولا لرقابة شعبية حقيقية وفاعلة. وحين يشارك خبراء الصندوق مباشرة في بناء «التوقعات المالية الكلية» التي ستعد الموازنة العامة على أساسها لاحقاً، فإن الأولويات الضمنية غير المعلنة صراحة لهذه التوقعات ستتحكم عملياً وبشكل حاسم في مقدار ما يمكن فعلياً للدولة السورية إنفاقه على الصحة والتعليم ودعم الخبز والكهرباء والمحروقات، بصرف النظر تماماً عما يحتاجه المواطن السوري.

والحديث المتكرر في البيانات الرسمية عن «أدوات تمويل حديثة» كالصكوك السيادية وسندات الخزينة يعني عملياً بدء إدخال الدولة السورية في علاقة ديون جديدة مع الأسواق المحلية والخارجية، في بلد لم ينجز فيه بعد أي عملية تدقيق مستقل حقيقي لديونه السابقة المتراكمة، ولا لحجم الأضرار والخسائر الاقتصادية التي لحقت باقتصاده جراء الحرب الطويلة، ولم تحاسب فيه بعد بشكل جدي الشبكات الواسعة التي استفادت مادياً من اقتصاد الحرب والفساد الكبير. فإصدار سندات سيادية جديدة قبل إجراء تدقيق شامل ومستقل للدين القائم، وقبل استرداد فعلي وجدي للأصول المنهوبة من الشبكات المتنفذة سابقاً، يعني عملياً أن فاتورة إعادة الإعمار سيدفعها بشكل أساسي دافعو الضرائب السوريون العاديون، وغالبيتهم الساحقة من الفقراء، عبر آليات ضرائب الاستهلاك غير المباشرة المرشحة للتوسع مستقبلاً، بينما تعفى فعلياً الشبكات ذاتها التي راكمت ثروات ضخمة على حساب الدولة والمجتمع من أي مساءلة مالية حقيقية وجدية، وهو بالضبط النمط ذاته الذي تحدثنا عنه سابقاً حول برنامج «الإفصاح الطوعي» الذي منحت بموجبه مهل زمنية إضافية سخية لمستفيدي اقتصاد الحرب بدل ملاحقتهم القضائية الجادة واسترداد أموالهم المنهوبة لمصلحة الخزينة العامة.

أما مشروع «STAR» الزراعي المموَّل بمنحة من البنك الدولي، فالشيطان كما جرت العادة يكمن في تفاصيل «التحديث» الذي يعد به هذا النوع من البرامج. فتجارب مشابهة جرى تنفيذها سابقاً في مصر والأردن ولبنان أظهرت بوضوح أن برامج «تحديث الزراعة» الممولة من البنك الدولي تميل دائماً إلى التركيز على ربط صغار الفلاحين بسلاسل قيمة تصديرية موجهة أساساً نحو السوق الخارجية أكثر بكثير من تركيزها الفعلي على تعزيز الأمن الغذائي المحلي المباشر، وعلى إدخال تقنيات ومدخلات زراعية كالبذور وأنظمة الري الحديثة ومنصات الرقمنة الزراعية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الضرر التراكمي الذي لحق بالقطاع الزراعي السوري خلال سنوات الحرب تم تقديره سابقاً بمليارات الدولارات، فإن هذا الحجم الهائل من الضرر يستحق استثماراً موجهاً بالأساس نحو استعادة قدرة صغار المنتجين تحديداً على الإنتاج المعيشي والمحلي المباشر، لا نحو دمجهم القسري التدريجي في سلاسل تصدير عالمية تحدد أسعارها النهائية أسواق دولية بعيدة.

أما منح إعادة تأهيل المياه (150 مليون دولار) والصحة (75 مليون دولار)، فهي من أقل بنود المحفظة إثارة للجدل من حيث المبدأ العام. لكن حتى هذه المنح لا يجب أن تعفى من السؤال النقدي: هل تصمم آليات صرفها وتنفيذها الفعلي بمشاركة حقيقية وملزمة من المجتمعات المحلية المتضررة والنقابات المهنية المعنية مباشرة كنقابات الأطباء والمهندسين والعاملين في قطاع المياه والصرف الصحي، أم تدار حصراً وبشكل مركزي عبر دوائر حكومية مركزية بحتة وشركات تنفيذ دولية تستقطع نسبة معتبرة من قيمة المنحة الإجمالية كأتعاب استشارية وإدارية وتشغيلية قبل أن تصل الخدمة الفعلية الملموسة أصلاً إلى المواطن السوري المستهدف؟ هنا لا بد من ذكر أن تجارب المنظمات الدولية العاملة في مناطق سورية عديدة خلال سنوات الحرب الطويلة أظهرت مراراً أن نسبة معتبرة وموثقة من التمويل الإنساني والتنموي الدولي تستهلك فعلياً في بند «الكلفة التشغيلية» و«بناء القدرات المؤسسية» قبل أن تترجم فعلياً إلى بنية تحتية ملموسة ومحسوسة يومياً على الأرض لصالح المستفيد النهائي المفترض.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288