الخصخصة أفقدت بريطانياالأساس المادي للقدرة على النجاة

الخصخصة أفقدت بريطانياالأساس المادي للقدرة على النجاة

في اليوم التالي لتوليه منصب رئيس الوزراء البريطاني، بادر أندي برنهام- على طريقة المسؤول الجديد الذي يسارع إلى إطلاق قراراته الأولى- إلى إشعال «ناره الأولى»: اعتباراً من الأول من تشرين الأول من العام الجاري، ستُخفض ضريبة القيمة المضافة المفروضة على فواتير الكهرباء المنزلية في بريطانيا من 5 ٪ إلى الصفر، لمدة ستة أشهر.

هاي شياو


أجرى برنهام حساباً بسيطاً، قال فيه: إن هذا الإجراء سيوفر للأسرة العادية نحو 45 جنيهاً إسترلينياً سنوياً. وستُغطى تكلفته من الأموال التي ستُحرر بعد إلغاء مشروع الهوية الرقمية الوطنية، البالغة تكلفته 1.8 مليار جنيه إسترليني، من دون الحاجة إلى اقتراض حكومي إضافي.
وبوصفه من المؤمنين بما يمكن تسميته «نهج مانشستر»، لا يمثل خفض ضريبة القيمة المضافة سوى الخطوة الأولى في سياسة برنهام الهادفة إلى «التأميم». ومن المقرر أن تشمل الخطوات التالية إعادة هيكلة قطاعات حيوية رئيسية، من بينها السكك الحديدية، ومترو الأنفاق، والمياه، والطاقة، والبنية التحتية، وإعادتها إلى الملكية العامة.
بالنسبة إلى المواطنين الذين يعانون ضغوط التضخم المرتفع وأسعار الطاقة الباهظة، توفر التخفيضات الضريبية على الكهرباء منفعة مباشرة تساعدهم في مواجهة أزماتهم الآنية. كما تستجيب دعوات برنهام إلى التأميم لاستياء شريحة واسعة من البريطانيين من المشكلات المتراكمة التي خلفتها عقود من السياسات النيوليبرالية.
فقد نجحت موجة الخصخصة، التي بدأت في عهد مارغريت تاتشر، في تنشيط السوق لفترة، لكنها حولت الخدمات العامة في قطاعات المعيشة الأساسية تدريجياً إلى أدوات تستخدمها رؤوس الأموال لتحقيق الأرباح. وارتفعت أسعار المياه والكهرباء والغاز عاماً بعد عام، فيما تكررت الأعطال والحوادث في خدمات السكك الحديدية، ما أثار استياءً واسعاً لدى البريطانيين.
فهل تُمثل الحركة التي أطلقها برنهام لمراجعة «إرث تاتشر» وتعديله محاولة أخيرة للنجاة، أم أنها مجرد تصحيح مفرط في الاتجاه المعاكس؟ وهل تستطيع، بعد كل هذه التقلبات، إنقاذ الاقتصاد البريطاني، الذي غرق منذ زمن في مستنقع الركود، ومعالجة المشكلات المعيشية المتراكمة منذ عقود؟


«إرث» مارغريت تاتشر


لفهم القصة الكامنة وراء مبلغ الـ 45 جنيهاً إسترلينياً، لا بد من العودة إلى ربيع عام 1990. في ذلك الوقت، كانت حكومة تاتشر قد أقرت «قانون الكهرباء لعام 1989»، الذي أدى إلى تفكيك الهيئة المركزية لتوليد الكهرباء في بريطانيا، التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية. وأُعيد تقسيم هذه المؤسسة الحكومية العملاقة على أساس الفصل بين الأنشطة التنافسية والاحتكارات الطبيعية.
فقُسم قطاع توليد الكهرباء إلى ثلاث شركات، هي: «ناشونال باور»، و«باور غين»، و«نيوكلير إلكتريك». أما شبكة نقل الكهرباء، فتحولت إلى شركة مستقلة حملت اسم «الشبكة الوطنية»، في حين تولت 12 شركة توزيع إقليمية عمليات توزيع الكهرباء وبيعها للمستهلكين.
وبذلك، فُصلت المراحل الأربع التي كانت تعمل سابقاً ضمن منظومة متكاملة، وهي التوليد والنقل والتوزيع والبيع، وبدأت أسهم هذه الشركات تُباع تدريجياً إلى رؤوس الأموال الخاصة.
كان مصممو الإصلاح يأملون في أن يؤدي فصل محطات التوليد عن الشبكات، وفصل النقل عن التوزيع، وإتاحة حرية اختيار مزود الكهرباء أمام المستهلكين، إلى إدخال قطاع الكهرباء في سوق رأس المال. وكان الهدف استبدال الإدارة الحكومية بقيود السوق، واستخدام إشارات الأسعار لتحسين توزيع الموارد، بما يؤدي في النهاية إلى خفض أسعار الكهرباء وتخفيف العبء المالي عن الحكومة.
حققت الخصخصة في مراحلها الأولى بعض المكاسب المتعلقة بالكفاءة. فقد تضاعفت إنتاجية العمال، وانخفضت تكلفة الوقود لكل وحدة، وحلت محطات الدورة المركبة التي تعمل بالغاز محل محطات الفحم مرتفعة التكلفة، كما تراجعت أسعار الكهرباء لفترة قصيرة.
لكن تصميم هذا الإصلاح حمل منذ البداية مخاطر كامنة. فقد أُنشئت آنذاك آلية تداول أُطلق عليها اسم «مجمّع الكهرباء»، وكان الهدف منها إلزام جميع شركات التوليد بتقديم عروضها من خلال نظام مركزي للمزايدة، بما يزيد شفافية السوق ويساعد على تشكيل أسعار معقولة.
لكن شركتين كبيرتين لتوليد الكهرباء، هما: «ناشونال باور» و«باور غين»، سرعان ما سيطرتا على السوق. واستغلتا قوتهما السوقية للتعاون على رفع الأسعار، بينما لم تكن الجهة المنظمة لقطاع الكهرباء تتمتع بالصلاحيات الكافية لمنعهما.
ولم يبدأ الوضع بالتحسن جزئياً إلا في عام 2001، حين أنفقت بريطانيا قدراً كبيراً من الوقت والمال لإطلاق نظام جديد لتداول الكهرباء، عُرف باسم «ترتيبات تجارة الكهرباء الجديدة». وألغى النظام الجديد آلية «مجمّع الكهرباء»، واستبدلها بعقود ثنائية وسوق فورية لتحقيق التوازن، كما منح الجهة التنظيمية سلطات أوسع للتدخل في الأسعار وفرض العقوبات. وعندها فقط بدأ التراجع، بصورة محدودة، في الظاهرة الغريبة المتمثلة في انفصال أسعار الجملة عن أسعار التجزئة.
ومع انتهاء المكاسب التي وفرتها حقول نفط بحر الشمال، ونفاد الإيرادات الاستثنائية الناتجة عن بيع الأصول العامة، إلى جانب تقلبات أسعار الطاقة الدولية وعوامل أخرى، ارتفعت أسعار الكهرباء في بريطانيا بنسبة 60 ٪ بين عامي 2005 و2011.
وفي الوقت نفسه، تحولت منظومة الكهرباء بأكملها إلى أداة لاستخراج الثروة. فبين عامي 2010 و2025، حولت شركات الكهرباء الكبرى ما لا يقل عن 70.7 مليار جنيه إسترليني على هيئة أرباح موزعة إلى مساهمين من القطاع الخاص ومستثمرين دوليين. وفي المقابل، انخفض الإنفاق على البحث والتطوير التقني في شبكة الكهرباء البريطانية من 2 ٪ قبل الإصلاح إلى 0.1 ٪ فقط. وبذلك، أصبح المواطنون البريطانيون يدفعون ثمناً باهظاً لما يمكن تسميته «علاوة الخصخصة».
أما ضريبة القيمة المضافة المفروضة على كهرباء المنازل، فتعود قصتها إلى عام 1993، عندما فرضت حكومة المحافظين الضريبة على الطاقة المنزلية، التي كانت تتمتع سابقاً بمعدل ضريبي صفري، بهدف سد العجز المالي.
واقترحت الحكومة إلغاء الإعفاء على مرحلتين: رفع الضريبة أولاً إلى 8 ٪ في نيسان 1994، ثم زيادتها اعتباراً من الأول من نيسان 1995 إلى المعدل القياسي لضريبة القيمة المضافة، الذي كان يبلغ آنذاك 17.5 ٪. لكن بسبب معارضة أحزاب متعددة، لم تُنفذ المرحلة الثانية، وثُبتت الضريبة عند 8 ٪.
في عام 1997، خفضت حكومة حزب العمال الجديدة المعدل إلى 5 ٪. وظل معدل الـ 5 ٪ مقيداً بقواعد الاتحاد الأوروبي طوال ما يقرب من ثلاثين عاماً، ولم تستعد بريطانيا حق تخفيضه بصورة مستقلة إلا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
بعبارة أخرى، لم يقتصر الأمر على دفع البريطانيين ثمناً مرتفعاً لخصخصة قطاع الكهرباء، بل فُرضت عليهم أيضاً ضريبة لم تكن موجودة من قبل. ولهذا، يبدو قرار برنهام بإعادة الضريبة إلى الصفر أقرب إلى محاولة لتخفيف بعض الآثار الجانبية التي خلفها عهد تاتشر على المواطنين، لكنها محاولة محدودة جداً.

 

------3_result


مكاسب ضريبية هشة


لا تقتصر آثار خصخصة نظام الكهرباء البريطاني على الأرقام الظاهرة في الفواتير. فعندما انتقلت شبكة الكهرباء إلى أيدي رأس المال الخاص، نشأ تناقض يصعب التوفيق بين طرفيه: رغبة الشركات في تحقيق الأرباح من جهة، وحاجة البنية التحتية إلى استثمارات طويلة الأجل من جهة أخرى.
تحتاج شبكات الكهرباء بطبيعتها إلى رؤوس أموال ضخمة للبناء والصيانة والتحديث. وقد صُمم معظم النظام الكهربائي البريطاني الحالي في عصر الفحم، عندما كان التيار ينتقل في اتجاه واحد من عدد محدود من محطات التوليد الكبيرة إلى ملايين المنازل.
لكن العصر الجديد جاء بطاقة الرياح الموزعة، والألواح الشمسية، ومحطات شحن السيارات الكهربائية، والمضخات الحرارية، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وتولد هذه التقنيات أحمالاً كهربائية تتحرك في اتجاهين، وتتدفق إلى الشبكة كما تتدفق الأمواج، في وقت لم تعد فيه المنظومة القديمة قادرة على تحملها.
وبحسب وكالة رويترز، اعترف مشغلو شبكات الكهرباء البريطانية عام 2026 بأن بريطانيا تحتاج إلى استثمار نحو 89 مليار جنيه إسترليني خلال ثلاثينيات هذا القرن لتحديث شبكاتها. وإذا لم يحدث ذلك، فقد تستمر كفاءة الشبكة في الانخفاض، بينما ترتفع التكاليف التي يتحملها المستهلكون.

لكن الشركات العاملة في ظل نظام الخصخصة تفضل توزيع الأرباح على المساهمين بدلاً من تنفيذ أعمال صيانة استباقية. ونتيجة لذلك، تنتقل التكاليف الضخمة لتحديث الشبكة في النهاية إلى المستهلكين العاديين.
فبالنسبة إلى أسرة نموذجية تستهلك 3100 كيلوواط ساعي من الكهرباء سنوياً، ارتفعت مساهمتها في تكاليف تحديث الشبكة، التي تظهر في الفاتورة تحت بند «الشبكة»، من 136 جنيهاً إسترلينياً عام 2019 إلى 250 جنيهاً عام 2026.
في الوقت نفسه، شهد إنتاج النفط والغاز البريطاني تراجعاً ملحوظاً. فقد انخفض إنتاج النفط الخام من 1.1 مليون برميل يومياً في بداية عام 2020 إلى 570 ألف برميل يومياً عام 2025، أي إنه تراجع إلى النصف تقريباً. ومن المتوقع أن تصل حصة الغاز المستورد من إجمالي الاستهلاك البريطاني إلى 94 ٪ بحلول عام 2050.
انهارت ركائز الطاقة المحلية، بينما رفضت الشبكة توسيع قدرتها بالسرعة اللازمة لربط مشروعات الطاقة النظيفة. وينتظر أكثر من مئتي مشروع للطاقة المتجددة دوره للاتصال بالشبكة، وقد تضطر بعض المشروعات إلى الانتظار أكثر من عشرة أعوام. وتأتي نسبة مرتفعة من كهرباء بريطانيا حالياً من محطات تعمل بالغاز الطبيعي، ولذلك لا يملك المواطنون سوى مشاهدة فواتيرهم وهي ترتفع مع ارتفاع أسعار الغاز العالمية.
وبطبيعة الحال، لا تقتصر التحديات التي يواجهها برنهام على ازدواجية تقادم البنية التحتية واتساع فجوة الطاقة. فهو يواجه أولاً شكوك خصومه السياسيين. إذ سارع نواب محسوبون على معسكر رئيس الوزراء السابق كير ستارمر إلى القول: إن مشروع الهوية الرقمية «لم يكن ممولاً بالكامل أصلاً»، وإن خفض الضرائب يفتقر بالتالي إلى تمويل حقيقي. وطالبوا بأن تتضمن موازنة الخريف شرحاً كاملاً لمصادر التمويل.
أما وزير الخزانة في حكومة الظل التابعة للمحافظين، ميل سترايد، فقال صراحة: «لم يمر سوى يوم واحد، لكن المالية العامة دخلت بالفعل في حالة من الفوضى».
كذلك تعرض الطابع الشامل للسياسة للانتقاد. فضريبة القيمة المضافة تُفرض بحسب حجم الاستهلاك، ما يعني أن الأسر ذات الدخل المرتفع، التي تستهلك كهرباء أكثر، ستحصل على منفعة أكبر. وقال آدم سكولر، الرئيس التنفيذي للمؤسسة الخيرية البريطانية «العمل الوطني للطاقة»، إن هذا الإجراء لن يقدم الكثير لمعظم الأسر منخفضة الدخل التي تعتمد على الغاز في التدفئة. فهذه الأسر لا تستطيع أساساً تحمل التكاليف الأولية اللازمة للتحول إلى الألواح الشمسية والبطاريات والمضخات الحرارية.
وأشار معهد الدراسات المالية البريطاني إلى أن معظم التكلفة النقدية لخفض الضرائب ستذهب إلى الأسر ذات الدخل المرتفع. فعلى الرغم من أن الإنفاق على الكهرباء يمثل نسبة صغيرة من إجمالي إنفاق هذه الأسر، فإن استهلاكها الكلي للكهرباء أعلى.
وأخيراً، ما تزال سحب الجغرافيا السياسية قائمة. فالحرب الروسية الأوكرانية والوضع في الشرق الأوسط لا يزالان يكتنفهما الغموض، ويشكلان سيفاً مسلطاً فوق سوق الطاقة العالمية. كما لا ترتبط منازل ريفية كثيرة في بريطانيا بشبكة الغاز، ويعتمد عدد كبير من سكانها على زيت التدفئة لمواجهة الطقس البارد والرطب. ولهذا، يتأثرون بسهولة بالتقلبات في أسعار الطاقة العالمية. وينبغي الانتباه إلى أن الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على الطاقة المنزلية يشمل الكهرباء وحدها، ولا يشمل تكاليف الغاز.
وبذلك، تترك السياسة خارج نطاق الحماية فئات ضعيفة لا تستطيع الاستفادة منها.


من يدفع الثمن بصمت؟


لا يكفي إرجاع «النار الأولى» التي أشعلها برنهام بعد تسلمه المنصب إلى الآثار السلبية للخصخصة وحدها لفهم المأزق البريطاني.
فالسؤال الأعمق يتمثل في أن الخصخصة، بعدما دفعت بريطانيا إلى المستنقع، لا يبدو أن التأميم قادر بدوره على إنقاذ الإمبراطورية القديمة. في عام 2020، استحوذت مجموعة «جينغيه» الصينية على شركة الصلب البريطانية التي كانت على وشك الإفلاس، وضخت أموالاً ضخمة للحفاظ على عملياتها والإبقاء على الوظائف. لكن حكومة حزب العمال تدخلت في نيسان 2025، وفرضت سيطرتها على الشركة بذريعة «الأمن الصناعي». ثم نفذت في تموز من العام الجاري «تغييراً غير مشروط للملكية»، استناداً إلى «قانون تأميم صناعة الصلب».
في الوقت نفسه، ماطلت الحكومة في قضية التعويض العادل، محاولة الاستحواذ على أكثر من 1.2 مليار جنيه إسترليني دفعتها مجموعة «جينغيه» في عمليات الشراء والاستثمار. ولا تمثل هذه الخطوة سوى الحلقة الأحدث في تاريخ صناعة الصلب البريطانية، التي ظلت منذ الحرب العالمية الثانية تتأرجح بين التأميم والخصخصة. ففي عام 1945، نفذت حكومة حزب العمال حملة تأميم واسعة وأنشأت منظومة صناعية موحدة. ثم جاءت حكومة المحافظين في عهد مارغريت تاتشر، وفككت تلك المنظومة وباعتها باسم «الكفاءة». واليوم، تعود بريطانيا إلى التأميم باسم «الأمن».
لكن بندول الأيديولوجيا لم يخدم القدرة التنافسية للصناعة بفاعلية. بدلاً من ذلك، أسهمت التقلبات المتواصلة في تحويل صناعة الصلب البريطانية، التي كانت من رواد الثورة الصناعية، إلى طرف خاسر في المنافسة العالمية.
فقدت بريطانيا اليوم الأساس المادي الذي يسمح بنجاح التأميم أو الخصخصة. وتراجع نمو إنتاجية العمل فيها إلى 0.6 ٪ سنوياً، بينما ذبل القطاع الصناعي في موجة «إزالة التصنيع». وأدت زيادة تكاليف التجارة، وتقلص الأسواق بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية.

في ظل هذه الظروف، يدفع برنهام، الملقب بـ«ملك الشمال»، باتجاه تطبيق نهج مانشستر على المستوى الوطني، ويدعو إلى إعادة قطاعات المياه والطاقة والنقل وغيرها من المرافق العامة إلى الملكية الحكومية.
لكن الواقع المالي بالغ القسوة. فقد بلغ صافي ديون القطاع العام البريطاني 99.5 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي. كما ترك المحافظون وراءهم فجوة مالية تتجاوز 22 مليار جنيه إسترليني. وتعد عوائد السندات الحكومية البريطانية الأعلى بين دول مجموعة السبع، ما يجعل تكلفة اقتراض الحكومة مرتفعة إلى مستوى خانق.
يحاول برنهام نقل خبرته في إدارة الحكم المحلي إلى المستوى الوطني. لكن عندما تفقد الدولة قطاعاتها الصناعية الحقيقية التي تعمل بوصفها حاجزاً واقياً، وتخسر قدرتها على ضبط رأس المال، وتغرق في ديون فلكية، فلن يمثل الاستيلاء على شركة الصلب البريطانية باسم «السيادة» و«الأمن»، أو خفض ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء مؤقتاً لمنح المواطنين «مساحة لالتقاط الأنفاس»، ضربة عبقرية قادرة على إنقاذ الوضع.
ومن المثير للأسى، أنه منذ خصخصة الكهرباء في ظل التاتشرية، مروراً بالتعديلات الضريبية المحدودة التي يجريها برنهام اليوم، وصولاً إلى انتقال شركة الصلب البريطانية المتكرر بين التأميم والخصخصة، ظل المواطن البريطاني هو الطرف الذي يدفع الثمن بصمت.
تحمل البريطانيون تضخم الفواتير وتقادم المرافق الناتجين عن الخصخصة، ثم شاهدوا وهم «التأميم» يعود في ظل خزينة فارغة وسياسات عاجزة. لكنهم سيواصلون دفع تكاليف تحديث الشبكة، والرسوم الإضافية للطاقة المتجددة، وتكاليف انبعاثات الكربون، والعلاوات الناتجة عن المخاطر الجيوسياسية، وغيرها من البنود التي لا تتوقف عن التراكم في الفواتير.
قال برنهام في داونينغ ستريت: إن «وستمنستر لم تعمل منذ وقت طويل من أجل الشعب». وتلخص هذه العبارة مأزق بريطانيا خلال نصف القرن الأخير، ولا سيما خلال الأعوام العشرة الماضية. لكن هل تستطيع الجنيهات الـ 45 التي وفرها برنهام بشق الأنفس للمواطنين البريطانيين أن تضيء الغسق الطويل للإمبراطورية التي كانت الشمس لا تغيب عنها؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289