سورية بعد الحرب: اقتصاد السوق نقيض التنمية الشاملة
لا تزال تقف سورية اليوم أمام مفترق طرق تاريخي حاسم بعد أكثر من عقد ونصف من الحرب المدمرة التي سببت أضراراً هائلة على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي. وللإنصاف، لا بد من القول إن هذه الأضرار لم تكن وليدة الحرب فقط، بل كانت نتاجاً منطقياً لعقود من سياسات اقتصادية جائرة وغير عادلة اجتماعياً، حولت ثروات البلاد لمصلحة نخبة فاسدة ضيقة، فيما كان ملايين السوريين يرزحون تحت وطأة الفقر والتهميش. لهذا، فإن السؤال المطروح اليوم يتجاوز حدود كيفية إعادة بناء البلاد، بل كيف نعيد البناء ولمصلحة من؟ حيث يرسم مشهد الاقتصاد السوري بعد الحرب صورة قاتمة على جميع الصعد: تراجع في قوة الليرة السورية، وارتفاع فعلي في معدلات التضخم (بعيداً عن التقديرات الرسمية التي تحاول الترويج للعكس)، وتآكل متسارع للقدرة الشرائية لملايين الأسر السورية التي لا تقوى على تأمين احتياجاتها الأساسية من غذاء ودواء ومسكن. ولعل الأمر الأشد إيلاماً هو أن هذا التراجع الاقتصادي لم يمنع فئة محدودة من تحقيق ثروات كبرى من عذابات السوريين، مستثمرة الفوضى والفساد وغياب الرقابة.
أثبتت التجربة السورية الطويلة، والتجارب الإنسانية المتراكمة حول العالم، أن ثمة وهمين كبيرين يتربصان بكل محاولة جادة للتنمية الاقتصادية في الدول الخارجة من الحروب، الوهم الأول هو الإيمان المطلق بأن «قوى السوق الحرة» كفيلة بحل جميع المشكلات وتحقيق الرخاء لعموم المواطنين، والوهم الثاني هو الركون إلى دولة متضخمة ومترهلة تحتكر كل شيء لكنها لا تؤدي أياً من وظائفها الجوهرية. وفي كلا الحاليتين، يدفع الثمن الأغلى دائماً الفئات الأكثر فقراً في المجتمع، تلك الفئات التي لا تملك ما يكفيها لسد الحد الأدنى من تكلفة البقاء على قيد الحياة في ظل غياب دولة راعية للسوريين وعادلة اجتماعياً.
المقاربة العملية للقضاء على الفقر في سورية تستدعي التجاوز الواعي لهذين الوهمين معاً، والاتجاه نحو نموذج سوري خاص يضمن دوراً تنظيمياً وتخطيطياً قوياً للدولة بشرط أساسي وحاسم: أن تكون البوصلة الدائمة لهذا النموذج هو مصلحة السوريين، وتحديداً الفقراء، لا مصلحة أصحاب رأس المال والنخب الاقتصادية.
الدولة كمهندس للتنمية الاجتماعية لا كعائق أمامها
يخطئ كثيراً من يعتبر أن الدعوة إلى دور قوي للدولة في العملية الاقتصادية مقتصرة على أصحاب الفكر الاشتراكي، وأن كل دولة لديها قطاع عام واسع وتقدم دعماً اجتماعياً هي دولة اشتراكية بالضرورة.
إذا نظرنا إلى البيانات الحكومية الرسمية لعام 2025 حول حصة القطاع العام من الناتج المحلي الإجمالي نجد أن هذه الحصة تبلغ: 36% في الولايات المتحدة، و49% في الاتحاد الأوروبي، و57% في فرنسا، و49% في ألمانيا، و45% في المملكة المتحدة.
وعلى صعيد الحصة التقديرية للإنفاق على الدعم الاجتماعي من إجمالي النفقات في موازنات هذه الدول للعام ذاته، نجد أن هذه الحصة تبلغ: 34% في الولايات المتحدة، و39% في الاتحاد الأوروبي، و42% في فرنسا، و46% في ألمانيا، و32% في المملكة المتحدة.
هذه هي الحصص في دول لا يمكن لعاقل أن يصفها بأنها اشتراكية. أما سورية، التي يدعي البعض كاذباً أن فيها إرثاً اشتراكياً، فإن حصة القطاع العام من الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 18 % (وفق تقديرات عام 2022)، أما الحصة التقديرية للدعم الاجتماعي من الموازنة في عام 2026 التي أعلن عن بعض ملامحها مؤخراً فلا تتجاوز 13%.
في السياق السوري تحديداً، فإن الدولة العادلة اجتماعياً هي الضرورة الأولى والأساسية في المرحلة المقبلة. ولا يعني ذلك بأي حال الاستمرار بنموذج الدولة البوليسية التي اختزلت السياسة الاقتصادية في خدمة بقاء النظام وتغذية مراكز القوى وخدمة الفساد. المقصود هو دولة تستعيد دورها الجوهري كمخطط استراتيجي يحدد القطاعات التي يجب رفع مستوى الاستثمار فيها وفق أولويات وطنية واضحة، وكضابط للسوق يمنع تشكل الاحتكارات ويكافح الممارسات الاستغلالية، وكصمام أمان اجتماعي يحمي الفقراء من تقلبات السوق وتجاوزاته.
إعادة بناء البنية التحتية المدمرة من طرق وجسور ومصافٍ ومنشآت كهرباء ومياه ومستشفيات ومدارس من أولى مهام الدولة التي لا يمكن لأي جهة خاصة أن تضطلع بها لوحدها، لا لانعدام القدرة فحسب، بل لغياب الحافز الاقتصادي في مناطق الفقر المهمشة التي تحتاج لإعادة الإعمار أكثر من سواها. والدولة التي تتخلى عن هذا الدور بحجة الانسحاب لصالح القطاع الخاص إنما تتخلى في الحقيقة عن مواطنيها الأشد حاجة والأكثر فقراً.
ومن أبرز ما يجب على الدولة السورية فعله على صعيد التخطيط الاقتصادي، هو كسر الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد والأنشطة الريعية التي أصبحت العمود الفقري للنشاط الاقتصادي خلال سنوات الحرب. فقد تركزت الثروات التي تشكلت في هذه المرحلة في أيدي الوسطاء والمحتكرين وتجار الأزمات، لا في أيدي المنتجين السوريين الذين يشكلون الغالبية الساحقة من الشعب. وبالتالي، فإن استراتيجية التنمية الوطنية يجب أن تعيد تأهيل القطاعات المنتجة كالصناعة والزراعة بوصفهما ركيزتي الاقتصاد الحقيقي، وتخلق فرص عمل مستدامة ومنتجة بدلاً من الاتكاء على النشاطات الهشة والمؤقتة.
ولا يتحقق ذلك دون استعادة الدولة لقدرتها على التخطيط الاقتصادي طويل المدى، وهو ما يستلزم بدوره إعادة بناء المؤسسات الحكومية بعد اجتثاث الفساد القديم والجديد منها، وتوفير كوادر بشرية مؤهلة ونزيهة. فقد جرفت هذه الكوادر طوال عقود بفعل الفساد والمحسوبية وهجرة الكفاءات إلى الخارج. ولذا فإن الاستثمار الفوري في تدريب الكفاءات السورية وإعادة تأهيل المؤسسات الحكومية هو شرط أساسي لنجاح أي مشروع تنموي وطني جاد.
إعادة توزيع الثروة وعدالة الضريبة
من الأوهام الكبرى التي تروج لها الليبرالية الاقتصادية أن النمو الاقتصادي المجرد كفيل وحده بتحقيق رفاه عام، وأن ثماره ستتسرب تدريجياً من الأثرياء إلى الفقراء دون حاجة إلى تدخل الدولة أو سياسات توزيعية. غير أن الواقع في سورية وفي كثير من اقتصادات العالم يكذب هذا الوهم تكذيباً صارخاً، إذ شهدت سورية مراحل من النمو الاقتصادي الرسمي قبيل الانفجار الاجتماعي عام 2011، غير أن هذا النمو لم يترجم قط إلى تحسن في أوضاع السوريين الفقراء، لأنه نمو ولد داخل شبكات الفساد وخدمها وظل محبوساً في دائرتها.
على هذا النحو، سرعت سنوات الحرب والسياسات الفاسدة إعادة توزيع الثروة في سورية لمصلحة الأثرياء، فالأقلية الثرية ازدادت ثراءً واتسعت قاعدة ممتلكاتها، فيما انزلقت الغالبية العظمى من السوريين إلى ما دون خط الفقر، وفقدوا مدخراتهم ومساكنهم وأعمالهم وأملاكهم. وتشير تقديرات الأمم المتحدة اليوم إلى أن نحو 90% من السوريين فقراء، وهو رقم يعكس فشلاً اقتصادياً وكارثة إنسانية حقيقية تتطلب استجابة سياسية غير عادية.
يتصدر أدوات إعادة التوزيع العادل للثروة إصلاح المنظومة الضريبية السورية من جذورها، إذ تميزت هذه المنظومة تاريخياً بافتقارها للتصاعدية الحقيقية وانتشار التهرب الضريبي على نطاق واسع وضعف الإنفاذ وغياب الشفافية. المطلوب اليوم بناء نظام ضريبي حديث يفرض على الشركات الكبرى وأصحاب الدخول المرتفعة نسباً ضريبية أعلى بكثير مما تدفعه في الوقت الحالي، ويُخفف في الوقت ذاته العبء عن الأسر الفقيرة ومتوسطي الدخل الذين يدفعون المزيد والمزيد من الضرائب غير المباشرة.
مسألة التهرب الضريبي تعني في جوهرها مصادرة الحق الاجتماعي للفقراء في التعليم والصحة والسكن والبنية التحتية التي كان يمكن للدولة تمويلها لو أن هذه الأموال وصلت إلى الخزينة العامة. وقد أتاح ضعف الدولة وانتشار الفساد خلال سنوات الحرب لفئات واسعة من رجال الأعمال المحسوبين على النظام السابق العمل في ظل إفلات تام من الالتزامات الضريبية، مما عمق الهوة الاجتماعية وكرس الظلم الاقتصادي. ومكافحة هذه الآفة تستلزم أجهزة ضريبية كفوءة ونزيهة، ومنظومة رقابة ومساءلة حقيقية، ووقف تام لعمليات تبديد الموارد العامة التي شهدت تصاعداً كارثياً بعد سقوط السلطة السابقة.

وإلى جانب الإصلاح الضريبي، ثمة أدوات توزيعية أخرى لا غنى عنها. في مقدمتها إصلاح منظومة الدعم الحكومي لتكون أكثر عدالة بحيث تشمل كل من لا يغطي دخله تكاليف معيشته. كذلك تتضمن هذه الأدوات توسيع شبكات الحماية الاجتماعية وتعزيزها لتشمل نظام ضمان اجتماعي شامل، فضلاً عن برامج صريحة لدعم الإسكان الميسور وإتاحة الخدمات الصحية والتعليمية المجانية للجميع.
ولا يغيب عن الأذهان أن سياسات إعادة التوزيع لن تكون ممكنة التطبيق دون بناء دولة تحظى بثقة المواطنين، دولة يؤمنون أن ما يدفعونه من ضرائب يعود إليهم في شكل خدمات حقيقية، لا أن يتبخر في جيوب الفاسدين والمحسوبيات الدائرة في فلك السلطة. ولهذا، فإن اجتثاث الفساد شرط لازم لفاعلية أي سياسة توزيعية ناجحة.
الأجور والإنتاج المحلي والمشاركة الشعبية
لا يمكن الحديث عن القضاء الفعلي على الفقر في سورية دون معالجة صريحة ومباشرة لمسألة الأجور وقدرتها الشرائية الحقيقية. فمنذ سنوات طويلة والأجر الفعلي للعامل السوري ينهار أمام موجات التضخم المتلاحقة، حتى باتت الزيادات الاسمية المتكررة التي تعلنها السلطات مجرد أرقام لا تعني شيئاً في مواجهة ارتفاعات الأسعار اليومية التي تلتهم ما تبقى من قدرة شرائية. وقد وصل الوضع إلى أن الحد الأدنى لراتب الموظف الحكومي لا يكفي لتغطية ثمن ربع سلة الغذاء الضرورية للأسرة شهرياً.
إن مسألة الحد الأدنى للأجور ينبغي أن تصبح قضية وطنية تناقش بصراحة وبمشاركة جميع السوريين، حيث يجب ربط الحد الأدنى للأجر بمعادلة موضوعية ومحكمة تأخذ بالحسبان تكلفة المعيشة الفعلية لا الأرقام الرسمية الزائفة غالباً، وتضمن للعامل وأسرته حداً كريماً من العيش. كما يجب أن تراجع هذه المعادلة بشكلٍ دوري مع مؤشرات التضخم الحقيقية، وليس بقرارات استنسابية متفرقة تصدر تحت ضغوط اجتماعية دون خطة واضحة. ووحده الأجر العادل المربوط بتكلفة المعيشة الحقيقية هو الكفيل بكسر الحلقة المفرغة من الفقر التي يدور فيها ملايين السوريين.
أما الإنتاج المحلي فهو ركيزة لا غنى عنها في مشروع التحرر من الفقر ومن التبعية الخارجية معاً. لقد دمرت سنوات الحرب الجزء الأكبر من القاعدة الصناعية السورية التي كانت رغم محدوديتها توفر مئات آلاف فرص العمل المنتجة. وإعادة بناء هذه القاعدة الصناعية هي مشروع وطني يعيد للسوريين كرامتهم وثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على الإنتاج. ويتطلب ذلك سياسات حماية صناعية واضحة تحول دون إغراق السوق السورية بالمنتجات الأجنبية الرخيصة التي تفقد المنتج المحلي قدرته التنافسية وتهجر العمال السوريين من مصانعهم.
وكذلك يجب وضع الزراعة في صدارة البرنامج الوطني باعتبارها مصدراً للغذاء والأمن والعمل لشريحة واسعة من السوريين. لقد تضافرت موجات الجفاف وعوامل الحرب والسياسات الاقتصادية القديمة والجديدة على تهجير الريف السوري وتهميش الفلاح الذي كان يشكل عماد الاكتفاء الذاتي الغذائي. وإعادة الاعتبار للقطاع الزراعي يعني تقديم دعم حكومي فعلي يمكن الفلاح السوري من استعادة إنتاجيته وعيشه الكريم.
ولا يمكن لأي من هذه السياسات أن تنجح دون ركيزة أساسية كثيراً ما يتم إهمالها في نقاشات التنمية الاقتصادية، وهي المشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار الاقتصادي. حيث أن التجارب الدولية تثبت أن السياسات الاقتصادية مهما كانت رشيدة من الناحية التقنية، تفشل حين تفرض من فوق دون إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين في تصميمها.
خلاصة القول، إن سورية ورغم كل ما تعيشه اليوم، لا تزال أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء نفسها على أسس مختلفة جذرياً عن السياسات الاقتصادية السابقة والحالية، أسس تضع كرامة المواطن ومستوى معيشته في قلب المشروع الوطني. وهذا التحول من اقتصاد يخدم النخب إلى اقتصاد يعزز التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية لن يتحقق من تلقاء نفسه، ولن تصنعه قوى السوق ولا الوعود الإصلاحية المعلنة في مناسبات شتى، إنما هو رهن بإرادة سياسية واضحة وبرؤية وطنية حقيقية تقيس نجاحها بمدى ما تحسن في حياة الفقراء والمهمشين. والفشل في امتلاك هذه الإرادة وهذه الرؤية سيؤدي للاستمرار في دوامة الفقر وغياب العدالة الاجتماعية، ونراه اليوم كيف يتسبب بموجة جديدة من الغضب الاجتماعي المتصاعد.

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280