مشاريع الأبهة السورية... و«الرجال ذوو النعال الذهبية»
في الفيلم الوثائقي «الرجل ذو النعل الذهبي» الصادر عام 2000، والذي انتقد نموذج إعادة الإعمار اللبناني الذي قاده رئيس الوزراء آنذاك، الملياردير رفيق الحريري، قدّم المخرج السوري، عمر أميرالاي، واحداً من أكثر الحوارات تكثيفاً بالمعنى السياسي والاقتصادي. كان الحريري يقف على شرفة مكتبه المطلة - من فوق - على مدينة بيروت التي تمت «إعادة إعمارها» بعد الحرب الأهلية اللبنانية، يسأله أميرالاي: «كيف شايف بيروت من هون دولة الرئيس؟»، يردّ الحريري: «يعني هوي الجمال يلي فيها إنك بتقدر تشوف البحر والجبل والبيوت بنفس الوقت»، ليبادره أميرالاي: «والناس؟».
كانت تلك إضاءة ذكية على أن المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب السلطة لم يعيروا أي وزن للناس، وأنهم غير قادرين على رؤية المكان - أي مكان - إلا بوصفه مساحة استثمارية يمكن التربح منها. الأكيد أننا في سورية اليوم نواجه نموذجاً شبيهاً، ورجالاً جدد ذوي نعال ذهبية، يطلون على الخراب السوري من شرفاتهم العاجية، لا ليروا ملايين الجياع أو القابعين تحت خط الفقر، بل ليروا في الركام «فرصاً» للخرسانة المسلحة والزجاج العاكس، محولين المأساة الوطنية وعذابات الحرب إلى «كاتالوغ» عقاري هدفه الوحيد إسالة لعاب رأس المال العابر للحدود.
حتى الآن، لا يبدو أن أصحاب القرار الاقتصادي في سورية ما بعد الأسد قد تعلموا شيئاً من دروس التاريخ القريب، بل يمعنون في استنساخ أسوأ نماذج النيوليبرالية المتوحشة في بيئة منهكة. فمنذ الشهور الأولى ما بعد سقوط سلطة الأسد، تصدرت مشاريع الأبهة والتطوير العقاري الفاخر واجهة الخطاب الاقتصادي الرسمي. وبدلاً من الحديث عن تأمين لقمة الخبز لشعب يعد أكثر من 90% من أبنائه فقراء، وبدلاً من الحديث عن جبر الضرر للسوريين، وضرورة إعادة إعمار المصانع والمؤسسات المدمرة وإعادة إحياء الزراعة التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب، نجد أنفسنا أمام كرنفال من المشاريع المصممة لبلد يعيش تخمة الرفاهية، لا لبلد يصارع مواطنوه لتأمين الحد الأدنى من السعرات الحرارية.
يمثل هذا التوجه انفصالاً شديداً عن الواقع المعاش للناس، فبينما يغرق السوريون في مستنقع التضخم وانهيار القوة الشرائية، تنشغل المنتديات الاستثمارية بعرض مجسمات لمدن ذكية ومنتجعات لليخوت. ويبدو جلياً أننا أمام محاولة لفرض جمالية قسرية فوق جراح الناس، حيث يختزل الاقتصاد الوطني في بوليفارات تجارية تخدم طبقة طفيلية ولدت من رحم الحرب، وتستعد لالتهام ما تبقى من موارد الآن، وأننا أمام فلسفة اقتصادية ترى في الإنسان مجرد مستهلك محتمل أو عائق ديموغرافي يجب إزاحته لصالح المساحات الاستثمارية الفخمة.
جغرافيا الترف وسط ركام الاحتياجات
لنا الحق في سورية اليوم، ونحن نراقب حركة المنتديات والوفود الاستثمارية، أن نسأل سؤال العارف: ما الذي يطرحه مسؤولو السلطة فعلياً - بما في ذلك مسؤولو الصندوق السيادي - في تلك المنتديات؟ إن مراجعة دقيقة لقائمة المشاريع المعروضة تكشف عن فجوة أخلاقية واقتصادية هائلة، حيث نجد أن التركيز ينصب على مشاريع فندقية فاخرة، ومدن مخصصة لتكون مراكز مالية، ومناطق حرة لرجال الأعمال، واستوديوهات، ومدن دبلوماسية، وحتى أندية للغولف وممارسة رياضة البولو (هذا على اعتبار أن الغولف والبولو من الرياضات الشعبية السورية العريقة!).
هل ينتظر المواطن السوري في الأرياف المنسية أو في ضواحي المدن المدمرة افتتاح نادٍ لليخوت كي يحل أزمة معيشته؟ يمثل هذا التوجه قمة الاستعلاء الطبقي وقمة الإهمال لآلام الناس. ولا يحتاج الأمر لكثير من التحليل ليدرك المرء أن المشاريع من هذا النمط تهدف إلى خلق جيوب من المشاريع الفخمة معزولة تماماً عن المحيط السوري البائس، وأن هذه المدن والمنتجعات مصممة لتكون محميات للأثرياء القدماء - الجدد وللمستثمرين الأجانب، حيث تتوفر الكهرباء على مدار الساعة والإنترنت الفائق السرعة والخدمات اللوجستية، بينما يغرق باقي الشعب في الظلام. في المستقبل القريب، وفي حال سارت هذه المشاريع كما يريد لها من خططها، سيغرق الآلاف من المواطنين في العتم لأنهم لا يملكون ثمن إعادة تعبئة رصيد عدادات الكهرباء مسبقة الدفع (التي اتضح أن السلطة تعمل على استيرادها فعلاً)، بينما ينظرون بحسرة إلى المدن الجديدة المخصصة للأثرياء داخل وخارج البلاد.
يعلن أصحاب هذا النموذج صراحة أن المواطن المنتج ليس هو المستهدف، بل السائح الثري والمستثمر المضارب. والإصرار على هذا النمط من المشاريع يعكس رغبة في إعطاء انطباع زائف بالاستقرار والرخاء، لكن هذا الرخاء المزعوم لا يتعدى أسوار تلك المشاريع. فعندما تطرح أندية الغولف كأولوية في بلد يعاني غالبية سكانه من انعدام الأمن الغذائي، فنحن لا نتحدث هنا عن سوء تخطيط فقط، بل جريمة اقتصادية مكتملة الأركان بحق السوريين، حيث تبدو المشاريع المعروضة وكأنها تستدعي النموذج اللبناني بعد الحرب الأهلية: نموذج سوليدير الذي أعاد بناء وسط بيروت بوصفه مشروعاً عقارياً ريعياً بامتياز، يرفع أسعار الأراضي، ويطرد السكان الأصليين، وينتج مركزاً تجارياً يفتقر إلى أي صلة عضوية بحياة المدينة الحقيقية ونبضها. وقد كان ثمن ذلك النموذج باهظاً: دين عام متضخم، وسكان مسحوقين، واقتصاد ريعي معدوم الإنتاجية لا يوفر فرص عمل حقيقية، وانهيار مالي كارثي.
الهروب من الإنتاج الحقيقي...وجشع الربح السريع
لماذا يتحاشى المستثمرون الاستثمار في الصناعة والزراعة؟ تكمن الإجابة في طبيعة رأس المال ذاته الباحث عن الربح الأقصى والسريع دائماً. حيث أن الاستثمار في الإنتاج الحقيقي كالصناعة والزراعة يتطلب نفساً طويلاً، واستثمارات في البنى تحتية، واستقراراً في سلاسل التوريد، وهو يحقق هوامش ربح منطقية لكنها تتراكم ببطء. أما التطوير العقاري الفاخر، فهو وسيلة مثالية لمضاعفة الأموال في فترات قياسية، وغالباً ما يكون غطاءً لعمليات تدوير الأموال وتراكم الثروات غير المشروعة.
في سورية، الأرض التي كانت تُعرف تاريخياً بسلتها الغذائية وصناعاتها العريقة، نقف اليوم أمام نموذج شديد الخطورة يتم فيه تهميش الزراعة والصناعة لمصلحة المطورين العقاريين والسماسرة.
تتطلب الصناعة كهرباء ومحروقات وتكنولوجيا، وهي قطاعات ترفض السلطة الحالية كما رفضت السلطة السابقة دعمها بشكل حقيقي، مما يجعل تكلفة الإنتاج أمام منافسة الاستيراد المنفلت من أي قيد. وتتطلب الزراعة دعماً للأسمدة والبذور والري، وهو ما يتم تجاهله حتى اليوم. في المقابل، نرى أمام أعيننا كيف يتم منح التسهيلات والتشريعات والإعفاءات الضريبية السخية لمشاريع الأبهة العقارية.
لا يريد المستثمر الأجنبي ولا المحلي وجع الرأس المرتبط بالإنتاج. هو ببساطة يريد شراء أرض بأسعار بخسة (غالباً ما تكون من أملاك الدولة أو عبر استملاكات جائرة وعمليات تهجير للسكان)، وبناء كتل إسمنتية فارهة، وبيعها بالعملة الصعبة لطبقة الأثرياء العابرة للحدود، والتي بدورها ستستخدمها كنوع من المضاربة العقارية، لنجد أنفسنا أمام مدن فخمة لكنها فارغة من السكان، تماماً كما هو الحال في مشروع سوليدير وسط بيروت.
هذا الركض خلف الريع العقاري بدلاً من الإنتاج هو مقتل أي محاولة حقيقية للنهوض بالاقتصاد الوطني. الاستثمار في الإنتاج الحقيقي هو الذي يخلق قيمة مضافة، وهو الذي يحمي السيادة الوطنية عبر السعي نحو تحقيق الاكتفاء، وهو الذي يشغل الأيدي العاملة ويطور المهارات.

غياب الاستثمار في القطاعين الزراعي والصناعي مقابل الانكباب على ترويج الاستثمارات العقارية يعني استمرار التبعية للاستيراد، واستمرار استنزاف القطع الأجنبي، وبالتالي استمرار انهيار الليرة وتدني مستويات المعيشة. وعليه، فإن أصحاب القرار الاقتصادي والمستثمرين في تحالفهم الحالي يمارسون عملية تجريف للاقتصاد الوطني، حيث يأخذون ما تبقى من ثروات سورية هي حق للسوريين ويحبسونها في جدران صماء مخصصة للاستثمار فقط. وهذا التوجه يطرد الناس من الدورة الاقتصادية، محولاً إياهم إلى مجرد مراقبين بائسين لمظاهر ثراء فاحش تبنى فوق أنقاض حياتهم السابقة.
نحو إعادة إعمار منحازة للإنسان
أي عملية إعادة إعمار لا تضع الفقير السوري في مركز اهتمامها هي عملية إبادة اقتصادية مستمرة. حيث أن الأولوية في دولة خارجة من حرب مدمرة يجب أن تكون للناس أولاً، وللناس أخيراً. وهذا لا يتم عبر بناء الفنادق والملاعب، بل عبر استثمار كثيف في رأس المال البشري وفي القطاعات التي تؤمن الحياة الكريمة للسوريين.
يجب أن تتحول البوصلة نحو دعم الصناعات الوطنية، ونحو إعادة إحياء الريف السوري وتأمين متطلبات الإنتاج الزراعي بأسعار مدعومة. فكرامة السوري لا تكمن في رؤية يخت يرسو على شواطئه، بل في قدرته على شراء الحليب لأطفاله، وفي وجود مدرسة حكومية محترمة، ومشفى يقدم العلاج مجاناً. والحكومة التي تروج لـ«البولو» بينما الناس يبحثون عن تأمين ربطة خبز هي حكومة تعيش حالة إنكار سياسي وأخلاقي، وتؤسس لانفجار اجتماعي قادم لا محالة.
إننا بحاجة إلى اقتصاد يؤمن معيشة الناس، حيث توجه كل ليرة استثمارية نحو قطاع ينتج سلعة أو يؤمن خدمة أساسية، اقتصاد يفرض ضرائب تصاعدية وثقيلة على مشاريع الأبهة لتوريد عائداتها مباشرة إلى صناديق دعم الإنتاج والشرائح الفقيرة. كما يجب كف يد «الرجال ذوي النعال الذهبية» عن الأراضي العامة والمساحات الحيوية للمدن، ومنع تحويلها إلى محميات خاصة.
الدرس الذي تركه لنا حوار الحريري وما يشبهه ما زال حياً: عندما تطل السلطة من فوق لن ترى الناس، بل سترى «المنظر العام». غير أن التاريخ يخبرنا أن هؤلاء الناس «غير المرئيين» هم من يدفعون الثمن دائماً، وهم أيضاً من يملكون القدرة على تغيير المعادلة عندما يدركون أن الذهب الذي يغطي نعال النخبة مستخرج من عرقهم وجوعهم.
سورية التي نريدها هي سورية التي تبدأ من حق الناس في العيش اللائق والكريم، لا سورية التي تنتهي حدودها عند عتبات الفنادق الفاخرة والمساحات الاستثمارية الباردة.

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278