الهند ستدفع فاتورة مرتفعة جداً للحرب على إيران
ليست الهند طرفاً محارباً في النزاع المتوسع بين إيران وأمريكا و«إسرائيل». طائراتها المقاتلة لا تضرب طهران، وسفنها الحربية ليست في مرمى النيران. ومع ذلك، من بين جميع الاقتصادات الكبرى، لا يوجد بلد لديه ما يخسره من إغلاق مطوّل لمضيق هرمز أكثر من الدولة الأكثر سكاناً في العالم.
هيم هورتيل
تشير التغطيات التقليدية إلى أن أمريكا، أو الصين، أو دول مجلس التعاون الخليجي، هم الضحايا الاقتصاديون الرئيسيون. لكن هذا تقدير خاطئ وخطير. فالضرر الأكثر خطورة والأكثر منهجية سيقع على الهند، وليس فقط على وارداتها من النفط، بل على الصفقة الأساسية بين الدولة الهندية ومواطنيها: الغذاء بأسعار معقولة.
يُعدّ مضيق هرمز أهم نقطة عبور نفطية في العالم، إذ يحمل نحو ثلث الشحنات البحرية العالمية. بالنسبة للهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن الحسابات واضحة وقاسية.
نحو 90% من احتياجاتها من النفط الخام مستوردة، وعلى الرغم من سنوات من تنويع المصادر، فإن ما يقارب نصف هذه الكمية- أي نحو 2.5 مليون برميل يومياً- لا يزال يمر عبر هذا الممر البحري الضيق. وقد أكدت الحكومة الهندية للبرلمان: أن الاعتماد على مصادر خارج هرمز قد ازداد، وأن الاحتياطات الاستراتيجية توفر مخزوناً يكفي لنحو ثمانية أسابيع.
لكن هذه مجرد حلول مؤقتة لانقطاع قصير، وليست حلولاً لإغلاق طويل الأمد. فإذا بقي المضيق مغلقاً لأشهر، فإن الإمدادات الفعلية من النفط تصبح مسألة ثانوية. الصدمة الرئيسية ستنتقل إلى قطاعات متنوعة: الأسعار وتوفر الأسمدة الكيماوية التي تغذي الحقول الزراعية في الهند.
هشاشة واضحة
يكمن التهديد الحقيقي الوجودي للهند في سلسلة إمداد الأسمدة. هنا تتحول حرب غرب آسيا، عبر إغلاق المضيق، إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي في البلاد. تستورد الهند أكثر من 9 ملايين طن من اليوريا سنوياً، وتوفر منطقة الشرق الأوسط- وخاصة عُمان والسعودية- نحو نصف هذه الكمية.
أما بالنسبة لفوسفات ثنائي الأمونيوم DAP، فإن السعودية وحدها توفر أكثر من 40% من الواردات. وبالنسبة للبوتاس، تعتمد الهند بشكل شبه كامل على الخارج، إذ لا تمتلك احتياطيات تجارية ذات جودة مناسبة. هذه ليست مجرد أرقام تجارية، بل هي مدخلات كيميائية أساسية لإنتاج الحبوب في البلاد.
حتى لو تمكنت الهند من إيجاد مصادر بديلة للأسمدة الجاهزة، فإن المشكلة تتفاقم بسبب الطاقة اللازمة لإنتاجها محلياً. تعمل معظم مصانع اليوريا في الهند على الغاز الطبيعي، وتعد قطر أكبر مورّد للغاز الطبيعي المسال المستورد.
وعندما تتعطل الشحنات القادمة من قطر نتيجة التهديدات الإيرانية لحركة الملاحة في هرمز، يتعثر الإنتاج المحلي. وقد أقر مصدر حكومي بأنه إذا طال أمد الحرب، «فقد تصبح الأمور ضيقة» وهو تعبير دبلوماسي عن احتمال وقوع أزمة زراعية.
تشير الأسواق بالفعل إلى هذا الخطر. قبل تصاعد النزاع، كان سعر اليوريا في الأسواق العالمية أقل من 425 دولاراً للطن. أما الآن فقد تجاوز 600 دولار. ومع تقلص العرض وبقاء الطلب غير مرن، فإن قانون العرض والطلب يدفع الأسعار إلى الارتفاع.
الدول الغنية والشركات الكبرى ستقوم بتخزين الكميات، وستدفع السعر المرتفع. أما الدول النامية، مثل: الهند، فستُجبر على المنافسة في سوق يهيمن عليه البائعون، ما يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع. وقد أغلقت الصين- التي كانت مصدراً بديلاً موثوقاً- هذا المسار عبر حظر صادرات الأسمدة.
حساب البؤس
لماذا يهم هذا الأمر خارج نطاق الزراعة؟ لأن العلاقة في الهند بين أسعار الأسمدة والفقر البشري علاقة مباشرة وآلية. عندما تصبح الأسمدة المستوردة مكلفة، تواجه الحكومة خياراً مستحيلاً: إما أن تتحمل التكلفة عبر الدعم، أو تنقلها إلى المزارعين.
فاتورة الدعم ضخمة بالفعل. فقد تم تخصيص نحو 18.6 مليار روبية لدعم الأسمدة في ميزانية 2025–2026. وفي حالة أزمة ممتدة، ومع تضخم تكاليف الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي، سيصبح هذا العبء المالي غير قابل للاستدامة.
إذا تم تقليص الدعم أو تحديد سقف له، سيستخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، ما يعني انخفاض الإنتاج الزراعي وتراجع إنتاج الغذاء. ومع بقاء الطلب ثابتاً- إذ يجب على الهند إطعام 1.4 مليار نسمة—سترتفع الأسعار. هنا تتحول الصدمة الاقتصادية الكلية إلى كارثة إنسانية محتملة.
ينفق الفقراء في الهند ما بين 50 إلى 60% من دخلهم على الغذاء. وتشير دراسة لبنك التنمية الآسيوي إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 10% يمكن أن يدفع 30 مليون هندي إضافي إلى الفقر المدقع.
كما حذرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ، من أن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 10 % قد يدفع أكثر من 64 مليون شخص إلى الفقر في آسيا النامية، مع تحمّل الهند العبء الأكبر.
تضم الهند بالفعل أكثر من 230 مليون شخص يعانون من سوء التغذية. وأي ارتفاع مستمر في أسعار الغذاء لن يزيد هذا العدد فقط، بل سيُرسّخ سوء التغذية، ويؤثر على نمو الأطفال، ويزعزع العقد الاجتماعي في القرى والمدن على حد سواء.
هكذا يتحول اضطراب في سلسلة الإمداد في ممر مائي بعيد إلى حالة طوارئ أمن قومي في أكبر ديمقراطية في العالم.
ولا يقتصر الضرر على الفقراء أو القطاع الزراعي. فارتفاع أسعار الغذاء يتسرب إلى التضخم العام، ما سيدفع البنك الاحتياطي الهندي إلى رفع أسعار الفائدة، الأمر الذي يخنق الاستثمار.
كما أن ارتفاع أسعار النفط- النتيجة المباشرة لإغلاق المضيق- يرفع تكاليف النقل في جميع أنحاء الاقتصاد. هذا بدوره سيؤدي إلى اتساع عجز الحساب الجاري وتباطؤ النمو الاقتصادي. وقد قدرت لجنة ESCAP أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة قد يخفض النمو في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بمقدار 1.5 نقطة مئوية.
لا تشكل استراتيجية التنويع التي تتبعها الهند، رغم أهميتها، حماية حقيقية. فقد وسعت الهند مصادر النفط إلى أكثر من 40 دولة وزادت مشترياتها من روسيا، لكن استبدال نفط الخليج يتطلب وقتاً وتكاليف كبيرة.
الطرق البديلة، مثل: الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ستضيف أسابيع إلى زمن النقل ومليارات إلى فاتورة الاستيراد. وكل زيادة بمقدار دولار واحد في سعر النفط تضيف نحو 2 مليار دولار إلى تكاليف الاستيراد السنوية للهند. وعند سعر 130 دولاراً للبرميل- وهو سيناريو محتمل في حرب طويلة مع إيران- قد ينخفض النمو إلى نحو 6 % بدلاً من 7 % المتوقعة سابقاً.
إنذار لم يُجب عليه بعد
تدرك نيودلهي حجم الخطر. وتجري الحكومة محادثات مع روسيا وبيلاروسيا والمغرب لتأمين مصادر بديلة للأسمدة.
كما أعطت أولوية لتخصيص الغاز لمصانع الأسمدة، وتحاول التفاوض مع طهران لضمان مرور آمن للسفن. وقد تمكنت ناقلتان هنديتان للغاز الطبيعي المسال من عبور المضيق، تحت مراقبة بحرية على ما يبدو. هذه إجراءات تكتيكية لمعالجة أزمة فورية، لكنها ليست استراتيجية لمعالجة الخلل البنيوي الذي كشفته الحرب.
المشكلة الأعمق، هي أن الأمن الغذائي للهند يعتمد على مدخلات مستوردة: النفط للنقل، الغاز لإنتاج الأسمدة، والأسمدة نفسها. وهذا الاعتماد هو نتيجة خيارات سياسية على مدى عقود، ركزت على دعم المستهلكين في المدن عبر الغذاء والوقود المدعومين، دون تأمين سلاسل الإمداد التي تقوم عليها هذه السياسة. والنتيجة اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات قصيرة الأمد- بفضل الاحتياطيات والتنويع والدبلوماسية- لكنه مكشوف بشكل خطير أمام اضطرابات طويلة.
قد تنتهي الحرب مع إيران غداً، ويُعاد فتح المضيق وتُستأنف إمدادات النفط. لكن الخطر لم يُخلق بهذه الحرب، بل كُشف بها. والأزمة القادمة- سواء كانت عسكرية، أو مناخية، أو جيوسياسية- ستستغل الثغرة نفسها. أصبح الأمن الغذائي للهند رهناً بالاستقرار في منطقة لا تملك فيها نفوذاً كبيراً، وربما لا تمتلك فيها حلفاء.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271