الاستيراد المنفلت: ذبح الإنتاج السوري بسكين «السوق الحرة»

الاستيراد المنفلت: ذبح الإنتاج السوري بسكين «السوق الحرة»

يستفيق السوريون اليوم على مشهد اقتصادي لا يقل قسوة عن سنوات الحرب العسكرية، مشهدٌ تُرفع فيه شعارات «السوق التنافسية» فوق ركام المصانع المدمرة والورش المعطلة. وفي لحظة التحول هذه، وبينما ينتظر المواطن الذي عانى الأمرين بصيص أمل في إعادة بناء دورة إنتاج وطنية تؤمن له كرامة العيش وفرص العمل، تطل علينا «نخبة» اقتصادية جديدة، نمت في ظلال الفوضى، لتروج لنموذج الاستيراد المنفلت بوصفه حلاً سحرياً. تحاول هذه النخب، التي تخلت عن دورها المفترض في حماية الاقتصاد الوطني، اليوم شرعنة الجشع تحت مسميات الانفتاح والعصرنة، متناسية أن أي اقتصاد في العالم لا يملك قاعدة إنتاجية صلبة هو اقتصاد محكوم عليه بالتبعية والانهيار الدائم. ومصلحة الشعب السوري تقتضي اليوم وقفة حازمة أمام هذا التغول، وكشف الأقنعة عن «وعاظ السوق» الذين يبررون قتل الصناعة الوطنية بدم بارد، مدعين أن في موتها حياة للمستهلك، وهي أكذوبة يفضحها الواقع الاقتصادي الحالي بعد عام كامل من تبني ما يسمى بـ«اقتصاد السوق الحر التنافسي» رسمياً.

تنشط في الآونة الأخيرة ماكينة إعلامية وبحثية لبث أفكار مسمومة تغلف السم بالعسل. وتدعي هذه الرواية أن فتح الباب على مصراعيه للاستيراد هو «الدواء المر» الذي يجب على الصناعي السوري تجرعه ليتحسن أداؤه، وأن المنافسة مع السلع الأجنبية ستؤدي بالضرورة إلى تطوير الإنتاج وتخفيض الأسعار. ويروج هؤلاء لفكرة غريبة مفادها أن الصناعة السورية «مدللة» واعتادت على «الدعم الحكومي»، وأن الوقت قد حان لرميها في بحر المنافسة العالمية دون طوق نجاة. ولا يكتفي هذا الخطاب بتجاهل الواقع المأساوي للبنية التحتية في سورية، بل يذهب بعيداً في لوم الضحية، محملاً المنتج السوري مسؤولية الفشل في خلق «بيئة مناسبة» لصناعته، وكأن الصناعي هو المسؤول عن تأمين هذه البيئة بمفرده.
الهدف من هذا التزييف يبدو واضحاً وهو إقناع الرأي العام بأن إغلاق المصانع والورش السورية هو نتيجة «طبيعية» لعدم الكفاءة، وليس نتيجة لسياسات متعمدة تخدم التجار الجدد الذين يفضلون الربح السريع من الاستيراد على عناء الاستثمار في التصنيع والزراعة.


«المنافسة»: شيفرة لضرب ما تبقى من صناعة وطنية


يردد منظرو النخب الفاسدة معزوفة مملة مفادها أن الاستيراد يحفز المنافسة، وأن هذه المنافسة ستجبر المنتج المحلي على تطوير أدواته. ويتجاهلون أنه في علم الاقتصاد تشترط المنافسة تساوي الظروف. ولكن، هل يتساوى الصناعي السوري مع نظيره في تركيا أو الصين أو دول الجوار؟
يشتري الصناعي السوري اليوم المازوت والكهرباء بأسعار تطابق أو تفوق الأسعار العالمية، وفي كثير من الحالات يؤمن المياه وصرفها الصحي بجهود ذاتية، ويواجه تكاليف شحن ومخاطر أمنية ورشاوي ترفع التكلفة بنسب عالية قبل أن تبدأ الآلة بالدوران. في المقابل، تُغرق الأسواق بسلع مستوردة مدعومة في بلدان المنشأ. هنا، لا يصبح الاستيراد محفزاً للمنافسة، بل يصبح أداة إعدام. حيث أن إجبار مصنع نسيج في حلب على منافسة منتجات مدعومة في دولها هو جريمة اقتصادية، لأن النتيجة المحتومة ليست تطور المصنع، بل إغلاقه وتسريح عماله.
أكذوبة تخفيض الأسعار عبر الاستيراد هي الطعم الذي يرمى للمستهلك المنهك. في المدى القصير، قد تنخفض أسعار بعض السلع المستوردة لإخراج المنتج المحلي من السوق، وهو ما يعرف بالإغراق. ولكن بمجرد أن تخلو الساحة من المنافس الوطني، تتحول هذه النخب المستوردة إلى كارتيلات احتكارية ترفع الأسعار كما تشاء، لأنها تدرك أن الدولة فقدت قدرتها على الإنتاج البديل. وسيدفع المواطن السوري الذي يشتري اليوم قميصاً مستورداً رخيصاً ثمنه غداً أضعافاً بالإضافة بطالة ابنه، وانهياراً لقوة ليرته الشرائية لأن العملة الصعبة تستنزف لتمويل أرباح التجار بدلاً من بناء المصانع.
فوق ذلك، فإن الادعاء بأن «لا تهديد حقيقي من المستوردات» هو إنكار للواقع الذي يراه الجميع في الأسواق السورية. حيث المحلات تفيض ببضائع أجنبية (قانونية ومهربة) بينما الورش السورية تحولت إلى ركام أو مخازن لتلك البضائع.
إن النخب التي تروج لهذه الفكرة لا تدافع عملياً عن «اقتصاد السوق»، بل تدافع عن الريع التجاري، أي تفضيل الربح السريع الذي يحققه الاستيراد (شراء وبيع في أيام) على الربح الصعب والمستدام الذي يحققه التصنيع (استثمار طويل الأمد، وتدريب، وصيانة، ومخاطرة).


أكذوبة «إدمان الدعم»تفندها التجارب الدولية


تصل الوقاحة الفكرية في خطاب النخب المبررة للاستيراد إلى ذروتها عند اتهام الصناعي والمنتج السوري بأنه «معتاد على الدعم الحكومي» و«اتكالي». ويهدف هذا الافتراء إلى تبرير تراجع الدولة عن لعب دورها المطلوب في حماية الاقتصاد الوطني عبر تصوير الدعم كأنه خطيئة اقتصادية أو تخلف عن ركب الحداثة. لكن ما يتجاهله هذا الافتراء هو أن دعم الإنتاج الوطني «فريضة» تؤديها حتى أكثر الدول ليبرالية ورأسمالية في العالم، بينما يراد لسورية أن تكون المختبر الفريد عالمياً لسياسة التخلي الكامل عن المنتج.
لننظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، معقل الرأسمالية العالمية. هل تترك واشنطن صناعاتها لـ«يد السوق الخفية»؟ الإجابة القاطعة هي لا. في عام 2022 على سبيل المثال، أقر الكونجرس الأمريكي قانون CHIPS and Science Act، والذي يقدم أكثر من 52 مليار دولار كدعم مباشر وصريح لصناعة أشباه الموصلات الأمريكية. لماذا؟ لأن الولايات المتحدة تعتبر هذه الصناعة أمناً قومياً. فلماذا عندما يطالب السوريون بدعم صناعات النسيج أو الغذاء (وهي مجالات أمن قومي بالنسبة لنا) تتهم مطالبهم بالاتكالية؟
وكذلك الاتحاد الأوروبي، الذي يخصص سنوياً نحو 40% من ميزانيته الإجمالية لدعم القطاع الزراعي عبر «السياسة الزراعية المشتركة CAP». يهدف هذا الدعم الهائل لضمان بقاء الفلاح الأوروبي في أرضه وضمان منافسة السلع الأوروبية عالمياً. هل الفلاح الفرنسي «مدمن دعم»؟ في سورية، يراد إقناعنا بأن توفير المازوت والسماد للفلاح والكهرباء للصناعي هو هدر للمال العام، بينما الحقيقة هي أن الهدر الحقيقي هو في استنزاف المليارات لاستيراد سلع يمكننا إنتاجها لو توفر الحد الأدنى من الدعم.
أما المقولة الأخرى التي تتردد في أروقة النخب الفاسدة بأن «الصناعي الذي لا يستطيع خلق بيئة مناسبة لصناعته لا يستطيع صناعة سلعة تنافسية»، فهي وصفة للفوضى. فالبيئة الاستثمارية هي مسؤولية الدولة وليست مسؤولية الصناعي ذاته. فهل من المنطقي أن يطلب من خباز أن يبني مطحنة ويزرع القمح ويشق الطريق للمستهلك لكي يقال إنه ناجح؟ تهدف هذه الحجج الواهية إلى إعفاء السلطة من مسؤولياتها، وتبرير الفشل في تأمين الخدمات الأساسية، عبر رمي الكرة في ملعب المنتج.
ودعم الإنتاج ليس منة من الحكومات، فكل دولار يدفع كدعم لخفض تكلفة الطاقة في المعامل، تعود للخزينة أضعافاً مضاعفة عبر تشغيل العمال (وتقليل عبء الإعانات الاجتماعية)، وتحريك عجلة الاستهلاك المحلي، وتوفير القطع الأجنبي. والنخب المستفيدة من الاستيراد تدرك ذلك جيداً، لكنها تحاربه لأن الدعم لو وجه للإنتاج، فإنه سيقلص حصتها في السوق وينهي الحاجة الكثيفة للاستيراد.
«تغيير العقلية» المطلوب ليس عقلية المنتج الذي يقاتل في معمله، بل عقلية صناع القرار الذين يشيحون بوجوههم عن كل النداءات والتحذيرات التي خرجت حتى الآن حول الاستيراد المنفلت. والأسوأ من ذلك أن هذه النخب تريد حرية السوق عندما يتعلق الأمر بالاستيراد وسياسات التسعير، ولكنها تريد تدخل الدولة عندما يتعلق الأمر بالحصول على امتيازات احتكارية أو إعفاءات جمركية واسعة.

01_08_2026-syria-launches-largest-raw-sugar-refinery-in-hassia-_p62960


السيادة الاقتصادية أو التبعية الأبدية


المعركة الاقتصادية التي تخوضها سورية اليوم هي في جوهرها معركة على السيادة الاقتصادية. هل سنكون دولة تنتج حاجاتها بيديها، أم سنكون مجتمعاً يعيش على فضلات الأسواق العالمية التي يمررها لنا سماسرة الداخل؟
في ظروف سورية الحالية، لا يعد خروج الصناعيين من السوق عملية طبيعية، بل هو تهجير اقتصادي: عندما يغلق مصنع نسيج في حلب، فإننا لا نفقد سلعة فحسب، بل نفقد تراكم خبرات عمرها مئات السنين، ونفقد واحداً من مصادر الإيراد الضريبي، ونحول عمالاً مهرة إلى باعة أو مهاجرين. ولهذا، فإن الحماية الجمركية ليست رجعية، بل هي أداة دفاعية مشروعة تستخدمها الدول جميعها لحماية صناعاتها الاستراتيجية.
وأكذوبة أن الاستيراد «يحسن الجودة» هي كلمة حق أريد بها باطل. فالجودة تتحسن بالبحث والتطوير وبوجود فائض مالي لدى الصناعي يسمح له بتحديث آلاته. لكن عندما يستنزف الاستيراد المنفلت كل السيولة من السوق، ويجعل الصناعي السوري يركض خلف تأمين لتر مازوت، فإنه لن يجد الوقت ولا المال للتفكير في الجودة. الطريق لتحسين الجودة هو دعم الصناعي ليقف على قدميه، وليس إغراقه بمنتجات أجنبية رديئة غالباً ما تكون من أسوأ الأنواع التي تُصنع خصيصاً للدول المنهكة، حيث تغيب الرقابة الصحية والجمركية الحقيقية بفعل الفساد.
أما الأهم من كل ما سبق، فهو أنه يجب فك الارتباط القائم بين نخب الاستيراد ومراكز صنع القرار. حيث لا يمكن لتاجر يملك وكالات لشركات أجنبية أن يكون هو نفسه من يضع السياسات الصناعية للبلاد. فهذا تضارب مصالح صارخ يدفع ثمنه المواطن السوري من رغيف خبزه.
التوجه نحو هذا النمط من «اقتصاد السوق الحر التنافسي» في بلد يعاني من هذا المستوى من الدمار هو انتحار اقتصادي. السوريون اليوم بحاجة إلى اقتصاد عادل، حيث تشجع الدولة المبادرة الخاصة ولكنها تتدخل بحزم لحماية الصناعات الوطنية ولضمان عدم تحول السوق إلى إقطاعيات للمستوردين، حيث أن كل ليرة تدفع لسلعة أجنبية ولها بديل محلي ممكن هي خسارة وطنية، وكل قرار يسهل الاستيراد على حساب التصنيع هو طعنة في ظهر السوريين. فالمستقبل يبنى بالإنتاج والسيادة تصان بالاعتماد على الذات، وأي كلام آخر هو عملية تلاعب يروج لها من يريدون المتاجرة بالوضع الحالي الهش في سورية.

maxresdefault_result

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261