لماذا فشل الاقتصاد الهندي باللحاق بجاره الصيني؟

لماذا فشل الاقتصاد الهندي باللحاق بجاره الصيني؟

نشر موقع «تريكونتنتال» مقالاً بحثياً مطولاً بعنوان: «الإشكالية في الاقتصاد الهندي». يتحدث النص عن لحظة انتقال مضطربة في النظام الاقتصادي العالمي، لكنه يصرّ على أن الهند تدخل هذه اللحظة، وهي مُثقلة بإرث طويل من «التحرير الاقتصادي» بدأ عام 1991 ولم ينجح في بناء قاعدة صناعية وطنية متقدمة، بل قاد– وفق منطق الكاتب– إلى مسار «نزع تصنيع» تدريجي، جعل الاقتصاد أكثر اعتماداً على الخدمات والائتمان وتدفقات رأس المال الخارجي، وأقل قدرة على توليد وظائف مستقرة أو تطوير قدرات تكنولوجية محلية. وفي الخلفية الأوسع، يضع النص تحوّل أمريكا نفسها– في عهد دونالد ترامب– من راعٍ لـ«العولمة الليبرالية» إلى قوة تعمل على تقويض بعض آلياتها، لا حباً بالحمائية لذاتها، بل سعياً إلى عكس نتيجة «غير مقصودة» للعولمة: تآكل الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية أمام صعود قوة من الجنوب العالمي. ضمن هذا الإطار، تصبح الهند ساحة اختبار: هل تستطيع الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بعيداً عن الصين، أم أن بنيتها الداخلية ستعيد إنتاج الأزمة؟

جيجي سكاريا

ينطلق الكاتب من فكرة أن مشاكل الاقتصاد الهندي ليست طارئة، ولا محض أخطاء إدارية، بل «مشكلات بنيوية» جذورها في اللامساواة العميقة التي رافقت مشروع التنمية منذ الاستقلال، وتفاقمت بفعل السياسات النيوليبرالية. فالهند– بحسب النص– لم تنجح في بناء قاعدة صناعية واسعة تشمل أغلبية قوة العمل. نتيجة ذلك أن معظم العمال بقوا خارج الصناعة الحديثة، محصورين في وظائف غير آمنة، منخفضة الأجور والإنتاجية، تُدار بمنطق «البقاء» أكثر مما تُدار بمنطق التطور. وإزاء استمرار الفقر بأشكال متعددة، ينتقد النص ما يسميه «حِيلاً منهجية» في القياس تُستخدم لإظهار تراجع حاد في الحرمان، في حين أن الواقع الاجتماعي لا يعكس هذا الانتصار الإحصائي المعلن.
في قلب التشخيص، يقف مفهوم «نزع التصنيع» بوصفه الميل المركزي الذي أنتجته وعود التحرير الاقتصادي. بدل أن تفتح الليبرالية أبواب التصنيع وتخلق وظائف رسمية، أدت إلى «تفريغ» سوق العمل الرسمي، وإضعاف القدرة الإنتاجية وتعميق اللامساواة. ويضيف النص بعداً سياسياً: الخطاب الرسمي في عهد ناريندرا مودي يرفع الهند إلى مقام «فيشفاغورو» أي «معلم العالم»، ويعلن معدلات نمو مرتفعة ترافقها جدالات إحصائية، لكنه– في نظر الكاتب– يتهرب من جوهر الفشل، عبر تحميل المسؤولية للمعارضة ولحكومات سابقة، رغم مرور أكثر من عقد على توليه رئاسة الوزراء منذ 2014. صحيح أن جذور التحول النيوليبرالي جاءت مع حزب المؤتمر في التسعينيات، واستمرّت مع جميع الحكومات، لكن
النص يرى أن مودي ليس مجرد وارثٍ لهذا المسار، بل هو أكثر من «ضاعف» جرعته.
يعرض الكاتب سلسلة المبادرات التي رُوّج لها كحلول كبرى: «اصنع في الهند»، «ستارت أب الهند»، «مهارات الهند»، «صمّم في الهند» و «صمّم للعالم». الهدف المعلن كان جذب رأس المال الأجنبي للتصميم والتصنيع في الهند، ودفع الشركات الناشئة للتكنولوجيا، ورفع مهارات العمال إلى «معايير عالمية». لكن النتيجة– حسب النص– كانت فشلاً في تقوية التصنيع، أو عكس نزع التصنيع؛ إذ تحولت المبادرات غالباً إلى إعفاءات ضريبية ودعم للشركات على أمل أن يتحول الدعم تلقائياً إلى توسع صناعي، وهو ما لم يحدث إلا بقدر ضئيل.
يقدّم المقال مثالاً مركزياً: «برنامج الحوافز المرتبطة بالإنتاج» الذي شمل 14 صناعة، وعلى رأسها الإلكترونيات. من وجهة نظر الكاتب، انحصر أثر البرنامج في «دعم تجميع» مكونات مستوردة، من دون خفض فعلي لفاتورة الاستيراد، أو بناء قدرات تكنولوجية. القيمة المضافة الجوهرية– في منتجات مثل: الهواتف الذكية– بقيت تُصنع خارج الهند، بينما يتحمّل المجتمع كلفة الدعم عبر تقليص الاستثمار العام والإنفاق الاجتماعي. الخلاصة هنا، أن القيود البنيوية على التصنيع لا تُحلّ بالدعم للشركات، أو بتدفقات الاستثمار الأجنبي غير المشروط، بل ربما تُعمّق العطب القديم الذي ورثته الهند بعد الاستقلال وتفاقم بعد التحرير.
ثم يعود النص إلى مرحلة ما بعد الاستقلال لتفسير «القيد الداخلي» و«القيد الخارجي» على التصنيع. بعد 1947 رأت النخب السياسية، أن السيادة السياسية تحتاج إلى سيادة صناعية وتكنولوجية، وإلى امتصاص فائض العمالة الزراعية. اعتمدت الهند خططاً خمسية ونمط تصنيع تقوده الدولة، مع تركيز على الصناعات الثقيلة العامة، بينما ينتج القطاع الخاص السلع الاستهلاكية اعتماداً على القاعدة التي بنتها الدولة. ويشير النص إلى أن الفترة بين 1947 و1962 شهدت نمواً صناعياً عاماً غير مسبوق، مع ارتفاع حصة التصنيع في الناتج. لكن المشروع اصطدم سريعاً بواقع اللامساواة الزراعية والطبقية: ملكية الأرض تركزت بيد نخبة ريفية ضيقة، والإصلاح الزراعي المتكافئ لم يحدث بالقدر الكافي. أدى الفقر الواسع إلى ضعف الطلب المحلي، ما منع الصناعة من بلوغ «الحجم» اللازم للنمو المستدام. وفي الوقت نفسه، نمط استهلاك النخبة المستورد خلق أزمات متكررة في النقد الأجنبي، ففرض قيداً خارجياً إضافياً.
يرى النص، أن الدولة لعبت دور «وسيط» بين كتلة ملاّك الأراضي ورأس المال من جهة، وبين الفلاحين الفقراء والعمال من جهة أخرى، وتجنبت سياسات تمسّ مصالح النخب، مثل: إصلاح زراعي جذري، أو ضرائب تصاعدية واسعة. لذا اعتمد التصنيع على عجز مالي بدل إعادة توزيع حقيقية، ما نقل فوائض أكبر إلى البرجوازية الكبيرة وعمّق اللامساواة. ومع محدودية السوق المحلية، وجد قسم معتبر من الفائض القابل للاستثمار منافذ غير التوسع الصناعي. ومع تكرار هذه الحلقة، انتهت الأمور إلى أزمة ميزان مدفوعات حادة، وتزامن ذلك مع فقدان الاتحاد السوفييتي كشريك تجاري ومالي مهم كان يخفف الصدمات، فازدادت قابلية الهند للانفتاح النيوليبرالي في 1991 تحت ضغط مؤسسات بريتون وودز.
بعد التحرير، لم تُرفع القيود القديمة على التصنيع، بل رُفعت القيود عن استهلاك النخب وتراكم رأس المال. وبحسب النص، استطاعت النخب أن تعيش «مستوى عالمياً» داخل اقتصاد متخلف: تستورد سلعاً مصنّعة في الخارج، وتتوسع عبر الاستيلاء على أصول القطاع العام والموارد الطبيعية، وبناء إنتاج كثيف الاستيراد للسوق المحلية، وإزاحة المنتجين الصغار. هنا يقدّم النص «الأركان الأربعة» لنيوليبرالية الهند: تحرير التجارة، خصخصة وإضعاف القطاع العام، تقشف مالي يقلص الاستثمار العام، وفتح واسع للاستثمار الأجنبي المباشر والمالي. اجتماع هذه الأركان صنع نمط نمو يعتمد على الائتمان والتدفقات المالية، أكثر مما يعتمد على تصنيع متين وتطوير تكنولوجي مستقل.
في تحرير التجارة، يصف النص تخفيض الرسوم الجمركية والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية عام 1995، ثم إزالة قيود الاستيراد الكمية بفعل آليات فض النزاعات، ما أضر بالصناعة المحلية، خصوصاً في السلع الرأسمالية والوسيطة. تفضيل استيراد الآلات والمدخلات بدل تطوير سلاسل توريد داخلية رفع «كثافة الاستيراد» في التصنيع. ويقدم مثال الأدوية: الانتقال من شبه اكتفاء بمكوّنات دوائية فعالة إلى اعتماد واسع على الاستيراد من الصين. كذلك يبرز قطاع الإلكترونيات بوصفه قصة «فرصة مهدورة»: كانت الدولة قد أنشأت كيانات عامة لتطوير أشباه الموصلات والحواسيب منذ الثمانينيات، لكن التحرير أزال الحماية والدعم، وانضمام الهند لاتفاق تكنولوجيا المعلومات عام 1997 ألغى الرسوم على سلع إلكترونية عديدة، فاختنق هامش السياسة الصناعية. بالمقابل، تم الترويج لنموذج خدماتي تصديري قائم على تكنولوجيا المعلومات والخدمات الخلفية للشركات الغربية، ما أضعف بناء صناعة إلكترونيات محلية؛ والنتيجة الحالية، وفقاً للكاتب: اعتماد كبير على استيراد المعدات والمكوّنات.
يذهب النص إلى أن الصناعة في هذا النموذج أصبحت «عرضاً جانبياً» لا محوراً. محرك الطلب كان الائتمان الاستهلاكي (مساكن، سيارات، سلع معمرة) لا التوسع الصناعي المخطط. ارتفع وزن القروض الشخصية في الائتمان المصرفي بشكل كبير وصولاً إلى 2024، ما أدى إلى تضخم البناء، ودفع التصنيع باتجاه السيارات والبنية التحتية الطرقية. هذا المسار خلق تكاليف لوجستية مرتفعة ومشاكل استملاك أراضٍ، ورفع استهلاك الوقود والواردات النفطية، بينما جرى إهمال السكك الحديدية الأكثر كفاءة لبلد كثيف السكان. وعندما اتجه الائتمان أيضاً إلى استثمارات بنية تحتية خاصة خلال 2004–2010، نشأت أزمة ديون متعثرة. البنوك العامة موّلت مشاريع طويلة الأجل بأدوات قصيرة الأجل، ثم تحولت الأصول المُنشأة إلى رأسمال كبير بكلفة زهيدة عبر آليات حل أزمة التعثر، فيما يشبه نقل خسائر إلى المجتمع وأرباح إلى القلة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260