بنك التنمية الجديد وعقبات تجاوز المؤسسات الغربية
في 18 كانون الأول، عُقد في بروكسل آخر اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي هذا العام، حيث جرت مفاوضات حول ما إذا كان ينبغي استخدام الأصول الروسية المجمّدة لتوفير تمويل إضافي لأوكرانيا. ووفقاً للبيانات التي نشرها الاتحاد الأوروبي في تشرين الثاني، فقد تجاوز إجمالي المساعدات الأوروبية لأوكرانيا منذ اندلاع الصراع 1870 مليار يورو، ما وضع الدول الأوروبية في حالة إنهاك مالي واضح. في الوقت نفسه، تستغل الدول الأوروبية والأمريكية سيطرتها على النظام المالي الدولي لمواصلة تشديد العقوبات على روسيا، في محاولة لإضعاف قدرتها الاقتصادية عبر وسائل متعددة. غير أن هذه السياسات لا تزيد فقط من حدة التوتر الدولي، بل تدفع أيضاً عدداً متزايداً من الاقتصادات الصاعدة إلى إعادة تقييم موقعها داخل النظام المالي العالمي. في هذا السياق، استضاف موقع «غوانتشا» الصيني، النائب السابق لرئيس بنك التنمية لدول البريكس، والمدير التنفيذي السابق في صندوق النقد الدولي (IMF)، باولو باتيستا.
باولو باتيستا
سأبدأ بسؤال جاد حول الحرب التجارية. لقد جئتَ للتو من البرازيل، فهل يمكنك أن تشرح لقرّائنا مدى خطورة الإجراءات التجارية العقابية التي فرضتها الولايات المتحدة على البرازيل؟ وكيف يمكن أن تؤثر في فرص إعادة انتخاب الرئيس لولا؟
هذه القضايا مترابطة بشكل وثيق. وكما يمكنك أن تتخيل، فإن إدارة ترامب لم تخلق المشكلة من الصفر، بل قامت بتضخيم مشكلات كانت موجودة أصلاً. المكانة النسبية للولايات المتحدة آخذة في التراجع، وهذا يسبب لها قلقاً شديداً، وهي غير مستعدة لتقبّل هذا الواقع بهدوء. ومن أجل كبح تآكل قيادتها العالمية، تقوم الولايات المتحدة بخلق حالة واسعة من الفوضى.
فماذا يفعل ترامب؟ إنه يستخدم الرسوم الجمركية بطريقة غير مسبوقة، ليس فقط في تاريخ الولايات المتحدة، بل حتى على مستوى العالم. لقد حوّل الرسوم الجمركية إلى أداة للضغط السياسي. الصين، الهند، البرازيل، نيجيريا، جنوب أفريقيا… دولة تلو الأخرى تعرّضت للهجوم، وحتى كندا، التي تُعد «أقرب حليف»، لم تسلم من ذلك. بل إن كندا اليوم ربما تأتي في المرتبة الثانية بعد البرازيل كأكثر المتضررين من رسوم ترامب. الوضع خطير للغاية. وحتى وإن كان ترامب يتراجع أحياناً عن تهديداته وسياساته، فإن مجرد هذه التهديدات والإجراءات كافية لإحداث اضطراب عميق في التجارة الدولية.
دعنا ننتقل الآن إلى مجالك المهني، خاصة تجربتك في صندوق النقد الدولي بين عامي 2008 و2016، وهي فترة شهدت تحولات كبرى في النظام المالي العالمي. في الصين، يُنظر إلى IMF والبنك الدولي على أنهما أُنشئا للمساعدة، لكنهما في الواقع تسببا في أضرار كبيرة للدول النامية. كيف ترى ذلك؟
توصيفك دقيق. لقد أُنشئا للمساعدة، لكنهما تحوّلا إلى أدوات للإضرار. السبب الرئيسي هو أن هياكل الحوكمة فيهما متقادمة. فالولايات المتحدة وأوروبا، أي محور شمال الأطلسي، تهيمنان عليهما، ولا تريدان التخلي عن السيطرة. ولهذا السبب تحوّل البنك الدولي وصندوق
النقد إلى أدوات سياسية مُسلّحة.
هناك قوائم سوداء غير رسمية داخل هذه المؤسسات. أوكرانيا، مثلاً، موجودة على «القائمة البيضاء»، وتحصل على دعم غير محدود تقريباً، دون شروط صارمة، رغم أن تقارير داخلية في IMF، اطلعتُ عليها شخصياً عام 2014، أكدت أن اقتصادها كان في وضع كارثي حتى قبل الحرب.
في المقابل، هناك دول، مثل: إيران وكوريا الشمالية محرومة عملياً من أي تمويل. وهناك «قائمة رمادية» تشمل دولاً، مثل: صربيا بسبب علاقاتها مع روسيا. في هذه الحالات، تُجهض المقترحات في المستويات الإدارية الدنيا قبل أن تصل إلى مجلس الإدارة.
لهذا تسعى دول الجنوب إلى ابتكار آليات جديدة. في عام 2015، انتقلتَ من واشنطن إلى شنغهاي للمشاركة في تأسيس بنك التنمية الجديد. ما تقييمك لإنجازاته بعد عشر سنوات؟
تأسيس بنك التنمية الجديد وترتيب الاحتياطي الطارئ لدول البريكس جاء نتيجة إدراكنا أن إصلاح مؤسسات نظام واشنطن غير ممكن عملياً. كان هدفنا أن يكون البنك بديلاً للبنك الدولي، وأن يكون ترتيب الاحتياطي الطارئ خياراً بديلاً لصندوق النقد الدولي. وهذا كان مشروعاً واضحاً منذ البداية.
في عام 2015، دعتني الرئيسة البرازيلية آنذاك ديلما روسيف لتولي منصب نائب رئيس البنك. ومنذ ذلك الحين، ساهمت بخبرتي في IMF في بناء هذه المؤسسة، التي مرّ على تأسيسها الآن عشر سنوات كاملة.
ما الذي تحقق من تقدم؟ وهل حلّ ترتيب الاحتياطي الطارئ لدول البريكس «CRA» محل دور حقوق السحب الخاصة «SDR» لدى صندوق النقد الدولي؟
ترتيب الاحتياطي الطارئ «CRA» في الواقع في حالة جمود، لأن صلاحيات التعامل معه انتقلت إلى البنوك المركزية للدول الأعضاء في بنك التنمية الجديد. وهذه البنوك المركزية شديدة التحفظ، وتخشى ما قد يتحول إليه هذا الترتيب. لذلك تم تجميده عملياً. صحيح أن هناك خططاً تفصيلية جرى التفاوض عليها بين البنوك المركزية للدول الخمس المؤسسة، لكن بعد 10 سنوات لم يتم تفعيله مطلقاً.
هم يخشون أنه إذا تم تقديم دعم مبادلات عملات عابر ضمن نظام CRA للدول ذات ميزان المدفوعات الهش، فقد يؤدي ذلك إلى اهتزاز احتياطات النقد الأجنبي لبعض الدول. الصين، مثلاً، لديها احتياطات هائلة ولا تقلق من هذا النوع من المخاطر. لكن يمكنني أن أؤكد لك أن البنك المركزي البرازيلي يعاني من صداع حقيقي هنا، لأنه يخشى دائماً أن يُطلب منه أن يستخدم الدولارات لتوفير مبادلات عملات لصالح جنوب أفريقيا- وهي الدولة الوحيدة بين الأعضاء الخمسة المؤسسين التي قد تحتاج فعلياً إلى دعم في ميزان المدفوعات- ولهذا، وللأسف، كان تقدم CRA محدوداً جداً.
حسناً، لماذا لا يزال عدد الدول الأعضاء في بنك التنمية الجديد محدوداً عند 11 دولة؟ هل هذا قرار وضعه المؤسسون منذ البداية؟
لا، هذا موضوع آخر. هناك بعض التشابه، لكن القصة كالتالي: عندما أسسنا هذا البنك، أردناه بنكاً عالمياً. لكن بعد 10 سنوات، عندما ذهبت هذه المرة لزيارة البنك، وجدت خارج المبنى أعمدة عليها 10 أعلام فقط، أي «5+5». سرعة التوسّع بطيئة جداً. لكن الرئيسة روسيف ضمت مؤخراً كولومبيا- وقد استكملت كل إجراءات الانضمام. كما ضمت أوزبكستان، وهذا أيضاً جيد جداً. والبنك يناقش حالياً انضمام إندونيسيا.
في فترة عملي واجهنا صعوبة كبيرة- كانت روسيا آنذاك بحاجة شديدة إلى هذا البنك، ولذلك لم تكن ترغب في انضمام أعضاء جدد يزاحمونها على التمويل. هذا كان يسبب لنا صداعاً حقيقياً. لكنها لاحقاً غيّرت موقفها. ثم ظهرت مشكلة جديدة: الآن بنك التنمية الجديد لا يقرض روسيا لأنه يخشى التعرض لعقوبات غربية. اليوم وضع بنك التنمية الجديد هو أنه لا يستطيع حتى أن يمنح قروضاً لروسيا- وهي عضو مؤسس يقترب نصيبه من رأس المال من 20%. يمكنك أن تتصور مدى خطورة الأمر.
ولأوضح كيف تسبب الغرب في خسائر جسيمة، دعني أقدم مثالاً مالياً ملموساً: قبل اندلاع حرب روسيا وأوكرانيا في عام 2022، كان بنك التنمية الجديد قد وافق على عدد كبير من المشاريع في روسيا، وبموجب العقود كان ينبغي صرف الأموال. لكن الآن تم إيقاف الصرف. وهذا يعني إخلالاً بالعقد- أي انتهاكاً لعقود قانونية وسارية بالكامل بين البنك والدولة العضو.
لكن البنك يخشى أنه حتى لو التزم بصرف الأموال بموجب عقود سابقة للحرب، فإن ذلك قد يؤثر على تصنيفه الائتماني في الأسواق الدولية. آمل بالطبع أن يكونوا قد تجاوزوا هذه المعضلة الآن.
الواقع، أن الغرب يدمّر القانون الدولي والعقود الدولية. ومأزق بنك التنمية الجديد ليس سوى نموذج مصغر، وهذا النوع من الحالات صار يحدث على نطاق أوسع. قلتَ قبل قليل: إن بنك التنمية الجديد تعرض لـ«اختطاف» من النظام الغربي- وفي الحقيقة البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في وضع قريب أيضاً. لكن هل هذا وضع دائم؟ ليس بالضرورة. يمكننا، عبر استراتيجية طويلة النفس وصبورة، أن نساعد هذا البنك على التحرر تدريجياً من الاعتماد على النظام المالي الغربي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1257