الممر الدوائي بين الهند وروسيا 2025
تحافظ الهند على موقعها كثالث أكبر مُنتِج للأدوية عالمياً من حيث الحجم، إذ بلغت قيمة السوق المحلية والصادرات مجتمعة 50 مليار دولار في السنة المالية 2023–2024، منها: 23.5 مليار دولار للاستهلاك المحلي و26.5 مليار دولار للصادرات، وفقاً لبيان صحفي صادر عن وزارة الصناعات الكيماوية والأسمدة، دائرة الأدوية، في كانون الأول 2024. ويعكس هذا الحجم الدور المحوري للهند في تزويد نحو 20% من الأدوية «الجنيسة Generic»* في العالم، وهي قدرة بُنيت على قاعدة تصنيع واسعة تشمل أكثر من 752 موقعاً حاصلاً على موافقة إدارة الغذاء والدواء، وأكثر من 2050 مصنعاً معتمداً وفق ممارسات التصنيع الجيد لمنظمة الصحة العالمية، بحسب ما وثقته تحليلات (الاستثمار الهندي) «Invest India» وتقارير (إضاءات على القطاع الدوائي) «Pharmaceutical Sector Spotlight» ذات الصلة.
منصّة بريكس
وتظل آفاق النمو قوية، إذ تتقاطع عدة تقديرات رسمية وشبه رسمية عند توقع توسع السوق إلى ما بين 120 ملياراً و130 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعة بارتفاع الطلب المحلي، وفرص التصدير إلى الأسواق الناشئة، وحوافز السياسات الهادفة إلى تعزيز الإنتاج ذي القيمة المضافة، وفق إشارات المسح الاقتصادي عبر «Invest India».
تتمثل غاية هذا التحليل في فحص الإطار الثنائي الناشئ بين الهند وروسيا للتعاون الصيدلاني، وهو مجال يتجاوز صادرات الأدوية الجنيسة التقليدية، ليشمل الإنتاج المشترك للمواد الفعالة الصيدلانية (APIs)، ومواد البدء الأساسية (KSMs)، والمستحضرات النهائية. ويعالج هذا التعاون مواطن الضعف المشتركة في سلاسل الإمداد، ولا سيما الاعتماد التاريخي على الصين في الوسائط الجوهرية، حيث كانت الهند تستورد سابقاً ما يصل إلى 67% من بعض المواد الفعالة من مزود خارجي واحد، كما يستجيب لحاجة روسيا إلى تنويع مصادر الاستيراد في ظل القيود الدولية المفروضة منذ عام 2022.
تكمن الأهمية الاستراتيجية في تقليص المخاطر على الأمن الصحي، إذ كشفت الاضطرابات في تدفقات المواد الفعالة خلال جائحة «كوفيد-19» هشاشات أثرت في قدرة البلدين على الحفاظ على إنتاج الأدوية الأساسية. ومن خلال إنشاء آليات للتطوير المشترك والتصنيع المحلي، تسعى الهند وروسيا إلى بناء ممرات مرنة مقاومة للعقوبات، تتماشى مع أهداف أوسع تتعلق بالسيادة التكنولوجية والتموضع الاقتصادي المتعدد الأقطاب ضمن أطر مثل «بريكس».
منهجياً، يعتمد التحليل على تثليث البيانات الصادرة عن الإعلانات الحكومية الرسمية في الهند، عبر دائرة الأدوية ومكتب الإعلام الصحفي، مع مقاطعتها ببيانات دبلوماسية ثنائية من وزارة الشؤون الخارجية الهندية ونظيراتها الصادرة عن وزارة الخارجية الروسية، إلى جانب مؤشرات التقدم المرتبطة ببرامج الحوافز، مثل: برنامج «الحوافز المرتبطة بالإنتاج» (PLI) للأدوية والمواد الحرة. ويشمل ذلك مقارنة خطوط الأساس لما قبل 2024 فيما يتعلق بالاعتماد على الواردات، مع النتائج اللاحقة للتنفيذ ضمن برنامج «الحوافز المرتبطة بالإنتاج لتعزيز التصنيع المحلي للمواد الفعالة الحرجة، ومواد البدء الأساسية والوسائط الدوائية»، الذي أُقِرّ عام 2020 وتمتد مدفوعاته حتى 2028–2029، حيث بدأ التصنيع لـ 35 مادة فعالة جوهرية تغطي فئات ذات اعتماد مرتفع، وفق إرشادات البرنامج والقوائم المعتمدة.
وتُقيَّم الفوارق في تقديرات أحجام السوق، التي تتراوح بين 120 مليار دولار في التقديرات المتحفظة لـ «Invest India» و130 مليار دولار في التوقعات المتسقة مع المسح الاقتصادي، على ضوء افتراضات معدلات نمو سنوية مركبة بحدود 11–12%، مع احتساب مساهمات نمو الصادرات والدعم السياسي المحلي. كما تُحلَّل بيانات التجارة الثنائية، بما في ذلك التدفقات الدوائية، عبر الأهداف المعلنة لبلوغ حجم تجارة إجمالي قدره 100 مليار دولار بحلول 2030، كما أُعيد تأكيده في أعمال اللجنة الحكومية المشتركة الهندية–الروسية السادسة والعشرين، حيث جرى تحديد الأدوية كقطاع أولوية إلى جانب المنتجات البحرية.
تكشف النتائج الرئيسة أن التعاون الصيدلاني انتقل من إمدادات متقطعة من الأدوية الجنيسة إلى تعاون مؤسسي. فقد جرى إضفاء الطابع الرسمي على مذكرة تفاهم في مجالي الأدوية والرعاية الصحية خلال زيارة وزير الشؤون الخارجية الهندي إلى روسيا في كانون الأول 2023، ما أدرج الالتزامات ضمن بروتوكول أوسع للتشاور بين وزارتي الخارجية يمتد حتى 2028، وفق ملخص «Vision IAS Current Affairs» (الذي يقدم الأخبار الجارية الهندية). ويُبنى هذا الإطار على ترتيبات سابقة، مع إدراج بنود للتقارب التنظيمي والمشاريع المشتركة.
وبرزت الهند بوصفها المورّد الأكبر لروسيا من حيث الأدوية المعبأة، مع تسجيل زيادة طفيفة في الأحجام خلال 2023–2024 رغم القيود العالمية، مدعومة بتوسع الشركات الهندية عبر فروع أو شراكات محلية. وفي إطار مبادرات «PLI»، توسعت الطاقة الإنتاجية المحلية للمواد الفعالة القائمة على التخمر والتركيب الكيميائي، ما خفّض التعرض للصدمات
الخارجية، وخلق فائضاً محتملاً للتحويلات الثنائية. وتُكمِل روسيا، بما تمتلكه من نقاط قوة في التركيب الكيميائي وأبحاث اللقاحات، خبرة الهند في مجال التركيبات الدوائية، كما يتضح من النقاشات الجارية حول مرافق الإنتاج المشترك. وأسهمت التجارة بالعملات الوطنية، أي تسويات الروبية–الروبل، في تعزيز الاستقرار، إذ استفادت المعاملات الدوائية من الآليات التي أُنشئت بعد عام 2022 للالتفاف على تقلبات المدفوعات المقومة بالدولار.
وتشير النتائج أيضاً إلى تقدم ملموس في تقليص مخاطر سلاسل الإمداد. فقد انخفض اعتماد الهند على الواردات الخارجية لبعض المواد الفعالة بعد استثمارات «PLI» التي بلغت التزاماتها 53 مشروعاً في مجال الأدوية الحرة بحلول منتصف 2023، مع دخول هذه المشاريع حيز التشغيل وإنتاج مخرجات أولية خلال 2024–2025، وفق القائمة المنقحة للمتقدمين المعتمدين في آذار 2023. ويتماشى ذلك مع أولويات الإحلال محل الواردات في روسيا، حيث تشكل الأدوية الجنيسة الهندية حصة متنامية من السوق، يُتوقع أن تقترب من 2.5% من حيث القيمة بحلول 2025. وتوفر المبادرات المشتركة ضمن إطار «بريكس»، بما في ذلك مركز «بريكس» الافتراضي لأبحاث وتطوير اللقاحات العامل منذ 2022، غطاءً متعدد الأطراف، يُسهّل تبادل التكنولوجيا، دون الحاجة دائماً إلى استثمارات رأسمالية ثنائية مباشرة. وتبرز تباينات في التركيز القطاعي: إذ تشدد الهند على الحجم في الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية، بينما تعطي روسيا أولوية للجزيئات المبتكرة والبيولوجيات، ما يخلق ديناميات تكاملية أكثر منها تنافسية.
تؤكد الخلاصات، أن محور الهند/ روسيا الصيدلاني، يمثل إعادة تشكيل عملية لتصنيع الصحة العالمية، مولِّداً ممراً محصَّناً نسبياً من الاضطرابات الأحادية. وتمتد التداعيات إلى تعزيز القدرة على تحمل التكاليف في الأسواق النامية، إذ تُخفض القدرات المجمعة التكاليف عبر وفورات الحجم وتقليص الاعتماد على الوسطاء. وبالنسبة للهند، يُسرِّع هذا التعاون الانتقال صعوداً في سلسلة القيمة، من الأدوية الجنيسة إلى المواد الفعالة المعقدة والبيولوجيات، مدعوماً بإنفاق «PLI» الذي حفّز استثمارات خاصة تجاوزت الالتزامات الأولية.
أما روسيا، فتستفيد من تنويع مصادر التوريد، وهو أمر حاسم لاستدامة التوافر المحلي في ظل القيود، فيما يعزز الطرفان موقعهما ضمن هياكل الصحة في «بريكس». وتشمل المساهمات العملية نماذج محتملة للتقارب التنظيمي، عبر مواءمة معايير «المنظمة المركزية لمراقبة الأدوية» في الهند، مع إجراءات التسجيل الحكومية الروسية، إضافة إلى التجارة بالعملات المحلية التي تقلل التعرض لمخاطر سعر الصرف. وعلى المستوى النظري، يجسد هذا الممر اتجاهاً نحو فك الارتباط بالدولار في القطاعات الاستراتيجية، بما يعزز التعددية القطبية في حوكمة صناعة الأدوية. إجمالاً، لا يعزز هذا التعاون الأمن الصحي الوطني فحسب، بل يضع الهند وروسيا كمرتكزين لشبكات توريد بديلة قابلة للتوسع لتشمل أعضاء آخرين في «بريكس» واقتصادات متحالفة بحلول نهاية العقد.
*الأدوية الجنيسة: هي نسخة طبق الأصل من دواء كان محميًا ببراءة اختراع (دواء أصلي أو «علامة تجارية»)، ويتم تصنيعه وتسويقه بعد انتهاء مدة حماية براءة الاختراع (عادةً بعد 20 عامًا من الاكتشاف).
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1257