مصارف لخدمة الشعب؟ أمثلة تاريخية حول التعامل السياسي مع المؤسسات المصرفية
كلما زادت سيطرة دولة معينة على مصارفها، كلما ازداد تأثيرها العميق في تحديد وصياغة مستقبلها الاقتصادي والسياسي. في هذا السياق، تقدم «قاسيون» مجموعة من المقالات البحثية التي كتبها المؤرخ والبروفيسور في العلوم السياسية في جامعتي «باريس 8» و«لييج»، إريك توسان، الذي يعمل أيضاً كمتحدث رسمي باسم «الشبكة الدولية لإلغاء الديون غير الشرعية». في هذه المقالات، يتناول توسان الآليات السياسية التي تبنتها الدول في التعامل مع المصارف، ويستعرض بعض التجارب التاريخية الهامة في هذا المجال، مشيراً إلى كيفية استثمار هذه التجارب في بناء سياسات اقتصادية أكثر عدلاً واستدامة.
ارتكبت كومونة باريس خطأ كبيراً عندما تجنبت التعامل مع مصرف فرنسا. فالمصرف كان يحتفظ باحتياطاته الرئيسة، بالإضافة إلى أن هيئته الحاكمة كانت موجودة ضمن حدود كومونة باريس نفسها. وكان من الضروري للغاية أن تتخذ الكومونة قرار السيطرة على المصرف وإدارة شؤونه. لكن من خلال عدم اتخاذ هذه الخطوة الحاسمة، ارتكبت قيادة كومونة باريس خطأ فادحاً في تقدير أهمية السيطرة على هذا القطاع المالي الحيوي (تشير كومونة باريس إلى فترة من التمرد في تاريخ باريس، دامت لأكثر من شهرين، من 18 آذار 1871، حتى «الأسبوع الدامي» بين 21-28 أيار 1871. حين رفض الشعب في باريس استسلام البرجوازية الفرنسية للجيش الألماني الذي وصل إلى فرساي، وأعلن المواطنون عن قيام كومونة باريس بدعمٍ من الحرس الوطني. ونفذت سياسات جذرية بناءً على رغبة الجماهير بشكل خاص. وهي واحدة من أوائل الثورات البروليتارية في التاريخ).
وفي عام 1876، وفي كتابه «تاريخ كومونة باريس لعام 1871»، ندّد المفكر الذي اشترك في النضال أيام الكومونة، بروسبير أوليفيير ليزاغاراي، بموقف القيادة حين قال إن: «مجلس الكومونة ركع أمام التمويل البرجوازي، الذي كان تحت رحمته»، في إشارة منه إلى مصرف فرنسا، وتابع: «شرع المناضلون الجادون كلهم بضرب عصب الخصم– أي الاستيلاء على الخزينة- لكن مجلس الكومونة هو الحكومة الثورية الوحيدة التي رفضت القيام بذلك». (راجع كتاب «تاريخ كومونة باريس لعام 1871، بروسبير- أوليفيير ليزاغاراي، الصفحة 464، نسخة 2012، الطبعة الأولى 1896. الاقتباس يعود إلى الفصل الرابع عشر، ترجمة إليانور ماركس).
وكان كل ما طلبته الكومونة من مصرف فرنسا هو قروض للمحافظة على ميزانية متوازنة، وتسهيل دفع مرتبات الحرس الوطني (الحرس الوطني في باريس كان ميليشيا مدنية مسؤولة عن تنفيذ القانون والدفاع العسكري). «وعلى هذا النحو، تلقت الكومونة 16,7 مليون فرنك خلال أيامها الـ72، منها 9,4 مليون هي الأصول المحفوظة مسبقاً بحسابات المدينة، و7,3 مليون هي التي أقرضها المصرف فعلاً. بينما سحب مواطنو فرساي 315 مليون فرنك من شبكة فروع مصرف فرنسا البالغ عددها 74، أي أكثر من 20 ضعفاً» (راجع كتاب «الكومونة ومصرف فرنسا» (باللغة الفرنسية)، جورج بيسون، جمعية أصدقاء وصديقات كومونة باريس 1871).
في 1881، وبعد عشر سنوات من سحق كومونة باريس، كرر كارل ماركس آراء ليزاغاراي، وأعرب عن اعتقاده بأن الكومونة أخطأت بعدم استيلائها على مصرف فرنسا: «كان من شأن الاستيلاء على مصرف فرنسا وحده أن يكون كافياً لتذويب كل الذرائع حول شعب فرساي والإرهاب...»، وفيما يتعلق بالاستيلاء على المصرف، كتب: «بقدرٍ قليل من الحس السليم... كان بإمكانهم التوصل إلى حل وسط مع فرساي يكون مفيداً لشريحة كاملة من الناس، وهو الشيء الوحيد الذي كان من الممكن الوصول إليه في ذلك الوقت» (رسالة كارل ماركس إلى دوميلا نيوفنهويس، مؤرخة في 22/2/1881).
وفي عام 1891، أضاف فريدريك أنجلس: «أكثر ما يستعصي على الفهم هي الرهبة المقدسة التي وقفت بها الكومونة إجلالاً أمام أبواب مصرف فرنسا. لقد كانت هذه أيضاً غلطة سياسية كبرى. فلو وقع المصرف في أيدي الكومونة لفاق ذلك في أهميته عشرة آلاف من الرهائن، ولأرغم البرجوازية الفرنسية كلها على الضغط على حكومة فرساي لعقد صلح مع الكومونة».
وخلاصة القول، إنّ كومونة باريس 1871 سمحت للمصرف الفرنسي بتمويل أعدائها، أي حكومة ثيرس المحافظة في فرساي والجيش التابع لها.
الثورة البلشفية: تأميم المصارف وإلغاء ديون الفلاحين في 1917
كانت التأميمات المصرفية إحدى الخطوات الأولى التي اتخذتها الحكومة السوفييتية بعد ثورة أكتوبر 1917. وقد مهّد هذا الإجراء الطريق لإلغاء القروض المصرفية للمزارعين، فضلاً عن انعكاسات إيجابية أخرى. وكان الرأسماليون الأجانب– ومعظمهم من الفرنسيين والألمان- يحوزون على ثلث رأس مال المصارف. صودرت على الفور سبعة مصارف رئيسة. وألغيت جميع الأسهم المصرفية (راجع إدوارد كار، «الثورة البلشفية»، المجلد الثاني، فصل «النظام الاقتصادي»، الناشر «Editions de Minuit»، باريس، 1974، الفصل 16، الصفحة 146). وتم تأميم المصارف الخاصة، في حين أن الديون الأجنبية التي تم اعتبارها مؤذية وغير شرعية جرى التنصل منها.
وقد أدى نزع ملكية المصارف ونبذ الديون في آنٍ واحد، إلى تعزيز القوة الثورية الناشئة.
1933: روزفلت يكبح المصارف الأمريكية بحزم
في آذار العام 1933، اندلعت أزمة مصرفية كبرى في الولايات المتحدة في أعقاب حادث انهيار وول ستريت في تشرين الأول 1929. وقام الرئيس المنتخب حديثاً، فرانكلين روزفلت، بإغلاق المصارف لمدة أسبوع كامل (راجع كتاب «مسار رأس المال»، إسحاق جوشوا، باريس، 2006، ص19، باللغة الفرنسية). وفي العام نفسه، تجاوز روزفلت التشريع المصرفي المعروف باسم «قانون الزجاج» الذي فصل الحسابات المصرفية عن الأنشطة المصرفية الاستثمارية.
وهكذا، سحبت حكومة فرانكلين روزفلت من المجموعات المالية والمصرفية الحرية المطلقة التي كانت تتمتع بها. وعبر هذا القرار، وتحت ضغط التعبئة الشعبية في أوروبا خلال وبعد التحرير، وضعت حكومات القارة العجوز قيوداً صارمة على الأنشطة الرأسمالية. ونتيجة لذلك، كانت هنالك أزمات مصرفية قليلة جداً على مدار السنوات الثلاثين التي تلت الحرب العالمية الثانية. وقد أشار اثنان من الاقتصاديين الليبراليين في أمريكا الشمالية، كارمن م. راينهارت وكينث س. روجوف، إلى ذلك في كتابهم المعنون «هذه المرة الأمر مختلف»، حيث اعترفا بأن العدد المنخفض للأزمات المصرفية يمكن تفسيره أساساً: «بقمع الأسواق المالية المحلية بدرجات متفاوتة، والاستخدام الكثيف لضوابط رأس المال الذي استمر لسنواتٍ عدة بعد الحرب العالمية الثانية».
وفي الواقع، وخلال الفترة نفسها، نّفذت غالبية حكومات الدول الصناعية سياسات لتنظيم تدفقات رؤوس الأموال الواردة والصادرة على حد سواء، كما أجبرت المصارف على التصرف بحكمة، وأممت القطاع المالي جزئياً.
تأميم مصرف فرنسا ومصارف مهمة أخرى بعد التحرير
في فرنسا، يجب أن ينظر إلى التأميم المصرفي في أعقاب الحرب العالمية الثانية «على أنه حركة شعبية في سياق المقاومة، وأدى التحرير إلى إنشاء لجان عمالية في بعض الشركات». يذكرنا الباحث باتريك سورين بأنه في 2 كانون الأول 1945، تم تأميم مصرف فرنسا وأربعة مصارف تجارية. وفي العام التالي، جاء الدور على عددٍ من شركات التأمين التي تم تأميمها.
بفضل هذه السياسة، كانت فرنسا مكتفية ذاتياً من الناحية المالية لما يقرب من 40 سنة من عدم الاضطرار إلى الاعتماد على حسن نوايا الأسواق المالية التي تهيمن عليها المصارف الخاصة والمؤسسات المالية الأخرى. وكانت الصعوبات في المصارف نادرة.
كوبا 1959: في السنة الأولى للثورة غيفارا رئيساً للمصرف الوطني
أظهر تعيين أحد القادة الثوريين الرئيسين كرئيس للمصرف المركزي بوضوح مدى أهمية السيطرة على السياسة النقدية والمالية للبلاد حتى يتمكن الشعب الكوبي من الانتصار على نظام باتيستا الديكتاتوري.
لم يرغب الثوار الكوبيون في تكرار خطأ كومونة باريس. حيث ساعدت السيطرة على المصرف على إنجاز مجموعة من الإصلاحات الاشتراكية الجدية التي دعمتها التعبئة الشعبية القوية والتي شكلت بالتأكيد امتداداً للثورة الكوبية.
فرنسا 1982: تأميم المصارف
كانت خطة التأميم جزءاً من «البرنامج المشترك» الذي وقعه الحزب الاشتراكي (PS) والحزب الشيوعي وحركة اليسار الراديكالية في 27 حزيران 1972. وقد ظهرت في قائمة «المقترحات الـ110» للمرشح الرئاسي ميتران في 1980-1981.
في فترة ولايته الأولى التي بلغت مدتها سبع سنوات، أقر فرانسوا ميتران قانون التأميم (في 13 شباط/ 1982) بدعم من حكومة موروي. وقد تم تأميم 39 مصرفاً وعدداً من الشركات الصناعية والمالية. وسرعان ما اتخذ ميتران وحكومته منعطفاً بعد هذه الموجة من التأميمات، حيث أدخل القانون المصرفي المؤرَّخ في 24 كانون الثاني 1984 نظاماً مصرفياً جديداً مبنياً على نموذج «المصرف العالمي»، وأغلقت الحكومة الفجوة بين المصارف التجارية والاستثمارية وفتحت الباب أمام إزالة القيود، وألغت التأميم في عام 1986.
أزمة 2008: أوروبا والولايات المتحدة
عندما اندلعت أزمة القطاع المصرفي الخاص في 2007-2008، أممت العديد من الدول المصارف الخاصة الكبيرة بدءاً من 2008. وقد تم ذلك لتجنب الإخفاقات ومساعدة كبار المساهمين. وشملت القائمة المصارف الرئيسة التي تأميمها: Royal Bank of Scotland (GB)، Hypo Real Estate (ألمانيا)، ABN-Amro في هولندا، Fortis و Dexiaفي بلجيكا، Bankia في إسبانيا، Banco Espirito Santo في البرتغال... إلخ.
ولم توجه الحكومات بأي حال من الأحوال أنشطة الكيانات التي تم تأميمها نحو تلبية احتياجات السكان. وفي كثير من الأحيان، لم تشارك السلطات الحكومية حتى في توجيه هذه المؤسسات، تاركة الإدارة للممثلين الخاصين. ولم يتحول أي من هذه المصارف إلى أدوات لتمويل الاستثمارات الحكومية. ودفعت تكاليف التأميم من المالية العامة، مما زاد من الدَّين العام.
ثم أعادت الحكومات التي تخدم رأس المال بعد ذلك خصخصة هذه المصارف جاذبة القطاع الخاص مرة أخرى. وقد دأبت منظمات ثورية عديدة في الدعوة إلى نهج مختلف تماماً لمواجهة الأزمة المصرفية: رُفض إنقاذ المصرفيّين المسؤولين عن الأزمة، وتأميم المصارف ونقلها للقطاع العام تحت سلطة المواطنين، دون تعويض للمساهمين الرئيسين.
اليونان 2015
بمجرد وصول حكومة تسيبراس إلى السلطة (التي تبين لاحقاً أنها من عديد اليسار الزائف) كان ينبغي أن تسيطر الحكومة فورياً على القطاع المصرفي. لكن عمل الترويكا حظي بما حظي من انتقادات شديدة للإخفاقات المتراكمة منذ 2014، ودفع قرار المصرف المركزي في 4 شباط 2015 إلى تفاقم الأزمة المصرفية والمالية. وكان من الضروري معالجة الحالة من خلال تنفيذ برنامج ثيسالونيكي الذي انتخب حزب سيريزا في 25 كانون الثاني 2015 على أساسه، حيث كان البرنامج قد أعلن عما يلي: «بوجود سيريزا، سيستعيد القطاع العام سيطرته على صندوق الاستقرار المالي اليوناني (هو أداة يونانية خاصة الغرض تم إنشاؤها للمساعدة في استقرار القطاع المصرفي في خضمّ أزمة الديون الحكومية)، وستكون له حقوق على المصارف التي تعيد رسملة الأموال. وهذا يعني أن القطاع العام سيقرر كيفية إدارة المصارف».
وتجدر الإشارة إلى أن الدولة اليونانية في 2015، كانت بموجب صندوق الاستقرار المالي اليوناني، المساهم الرئيس في المصارف الأربعة الرئيسة في البلاد، والتي تشمل أكثر من 85% من إجمالي القطاع المصرفي اليوناني. والمشكلة هي أنه على الرغم من إعادة رسملة الدولة للعديد من المصارف، اليونانية منذ تشرين الأول 2008، فإن الدولة لم تستطع أن تجاري وزن قرارات المصارف لأن ما يسمى بأسهمها التفضيلية لم تكن لها حقوق التصويت. ولم تتخذ الحكومات السابقة أي قرار بهذا الشأن. ولذلك، ووفقاً لوعود سيريزا، كان ينبغي على البرلمان أن يحول الأسهم التفضيلية التي تحتفظ بها السلطات العامة إلى أسهم عادية مع حقوق التصويت. ثم كان بإمكان الدولة أن تضطلع بمسؤولياتها، وأن تحلَّ الأزمة المصرفية بطريقة عادية وقانونية تماماً.
وكان ينبغي أن تتخذ الحكومة ثلاث خطوات هامة. أولاً: إجراء ضوابط على تدفقات رأس المال، ومنع رؤوس الأموال من الفرار. ثانياً: كان من الضروري استبدال ستوناريراس كحاكم لمصرف اليونان. ثالثاً: إنجاز نظام دفع مواز. لكن تسيبراس وفاروفكليس لم يمسا المصارف ولم يوقفا دفع الديون. وقد أضر هذا القرار كثيراً بالشعب اليوناني، حيث ضاعت فرصة تاريخية بفعل سياسات اليسار الزائف.
تحرير الناس من قبضة الأسواق المالية
إنَّ دفع المصارف لتكون «مصارف من أجل الناس» يعني وفقاً لتوسان:
أولاً: المصادرة دون تعويض (أو التعويض بقطعة نقدية واحدة رمزياً في الحالات التي تقيدها مواد دستورية معينة) بالنسبة لكبار المساهمين، أما صغار المساهمين فسيتم تعويضهم كلياً.
ثانياً: منح احتكار الأنشطة المصرفية للقطاع العام حصراً، باستثناء وجود قطاع مصرفي تعاوني صغير (رهناً بالقواعد الأساسية ذاتها التي يخضع لها القطاع العام).
ثالثاً: القيام، بمشاركة كاملة من المواطنين، بتحديد ميثاق يشمل الأهداف التي يتعين تحقيقها والمهمات التي ستنفذ، والتي تضع المدَّخرات العامة والائتمانات وكيانات الاستثمار في خدمة الأولويات التي تحددها عملية التخطيط الديمقراطي.
رابعاً: الشفافية في البيانات المالية، والتي يجب أن تظهر للجمهور في شكلٍ مفهوم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1192