الثلاثاء الاقتصادي يكشف النوايا المبيتة الحكومة تتخلى فعلياً عن التنمية والقطاع العام

أثار مصطلح «اقتصاد السوق الاجتماعي» العديد من التساؤلات بين صفوف المواطنين في سورية، وخاصة بين الاقتصاديين ورجال الأعمال والمثقفين كافة، منذ أن أُعلن رسمياً عن تبنيه من القيادة السياسية وعندما نجد في أوساط الحكومة، من يفسر «اقتصاد السوق الاجتماعي» على أنه مرحلة انتقالية للوصول إلى اقتصاد السوق الحر، وعندما تصدر الحكومة العديد  من القرارات باتجاه المزيد من الانفتاح الاقتصادي، فإن الضرورة تبدو أكثر إلحاحاً لإجراء المزيد من الحوار حول هذا المصطلح.

لإزالة الالتباس والرد على الأسئلة التي يثيرها، وخاصة علاقة القطاع العام باقتصاد السوق الاجتماعي وطبيعة دوره في هذا الاقتصاد. بهذا المدخل أثار الباحث منير الحمش اللبس الذي يكتنف مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي منطلقاَ من تحليل مشاكل الاقتصاد السوري وواقع القطاعيين العام والخاص 

واقع الاقتصاد السوري

أدت السياسات الاقتصادية والمالية التي أتبعتها الحكومة إلى تراجع معدلات النمو الحقيقية، وبرز الاعتماد على النفط والزراعة بنسب متزايدة، مرافقاً بضعف الصناعة التحويلية، وتضخم  الخدمات. مع تنوع ضعيف للصادرات، وانخفاض واضح في القيم المضافة،حيث تشير إحصاءات هيئة تخطيط الدولة إلى تراجع معدل النمو الحقيقي السنوي للاقتصاد السوري من 8.45% وسطياً في الفترة مابين 1990ـ 1996 إلى 2.37% وسطياً في الفترة مابين 1997 ـ 2003ويعود السبب في انخفاض معدل النموللفترة الثانية إلى مجموعة من الأسباب، منها ما يعود إلى التبدل في المناخ العام المتفائل في المنطقة العربية عامة وفي سورية خاصة، الذي ساد في الفترة الأولى، ومنها مايعود إلى ضعف الإدارة الاقتصادية والسياسات المتبعة، والجدير ذكره أن معدل النمو الاقتصادي انخفض عام 2003 إلى (-0.2%).

كما يلاحظ تراجع نسبي في مجال الصناعة التحويلية، فقد بلغت نسبة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي خلال الفترة 2000 ـ 2003 (3.2% فقط) في حين أنها كانت تصل إلى 11% (1990 ـ 1995) و 18% (1996 ـ 1999) وسطياً سنوياً.

وثمة ملاحظة أخرى جديرة بالاهتمام، وهي أن هناك سوء توزيع للدخل الوطني يتجلى في انخفاض حصة الرواتب والأجور من الناتج المحلي الإجمالي من 46% عام 1994  إلى 38% عام 2003 في حين ترتفع حصة الريوع والأرباح من 54% إلى 62%  للفترة نفسها.

ومما يلفت النظر وكنتيجة من النتائج التي تشكل تحدياً للاقتصاد الوطني، تراجع معدل نمو المشتغلين من 5% في الفترة (1991 ـ 1996) إلى 1.1% في الفترة (1996 ـ 2003) مما يعني تفاقم مشكلة البطالة، التي تكاد تصل في بعض التقديرات إلى أكثر من 18%.وما يزيد تفاقم المشكلة الاقتصادية التراجع  الواضح في إنتاجية العمل، فقد وصل وسطي معدل نمو الإنتاجية إلى 1.6% في الفترة مابين (1996 ـ 2003) في حين أنه كان 3.5% في الفترة (1991 ـ 1996).

أما على الصعيد الاجتماعي، فقد برزت ظاهرة اتساع دائرة الفقر، فأظهرت الدراسات أن 33% من سكان سورية يعيشون تحت خط الفقر ورافق هذا أن مخصصات التعليم لم تتجاوز 2% من الناتج المحلي (حسب التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2003)، كما أن الإنفاق على الصحة لم يتجاوز 2% (حسب تقرير التنمية البشرية 2005).بينما لم نلمس أي تخفيض في مخصصات أخرى تتعلق بالمزايا الممنوحة لكبار الموظفين من سيارات ومهمات وخلاف ذلك. فلو أن الجهود اتجهت إلى مكافحة جدية للفساد، وإلى تخفيض الهدر والإسراف والتبذير والسرقات ونفقات بنزين السيارات الحكومية على اختلاف أنواعها، لأمكن سد العجز في الموازنة، وتحقيق فائض يمكن استخدامه في الإنفاق الاستثماري والمتوجه نحو الخدمات الاجتماعية معاً.

حكومة ضعيفة. . واقتصاد ملحق

لكن هذا لم يحدث، والذي حدث لا يمكن تفسيره إلا استجابة لمصالح شريحة معينة في الداخل فضلاً عن الدعوات والنصائح الآتية من الخارج بالتوجه نحو اقتصاد حرية السوق، الأمر الذي نلمسه في التخفيض الكبير في «حجم الحكومة» وهو أحد أهم ركائز (وفاق واشنطن) الذي يدعو إلى «حكومة الحد الأدنى» أي حكومة لا تمتلك السيطرة على اقتصاد بلدها، بل تتركه لقوى السوق تتلاعب به وفقاً لمصالحها، حكومة ضعيفة في بلد ضعيف مما يسهل خضوعها للمطالب الخارجية، كما يسهل اندماج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد الرأسمالي العالمي والتحاقه بما يدعى «قطار العولمة».

وللأسف فإن الشواهد العملية، تضع الاقتصاد السوري في هذا السياق. فقد تخلت الحكومة عن القيام بجهود أساسية في عملية التنمية وبدأت بالتخلي عن القطاع العام الصناعي بعد أن كادت تنهي تواجدها في السوق التجاري.

وطبقاً لبيانات البنك الدولي (مؤشرات التنمية الدولية لعام 2000)  انكمش حجم الحكومة في سورية من 48.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1980 إلى 24.6% في نهاية التسعينات، أي إلى النصف تقريباً، ويشير تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002، إلى أن الإنفاق الحكومي كان في الفترة مابين 1972 و 1984 يبلغ 41% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين انخفض في الفترة من 1985 ـ 1998 إلى 25%.

القطاع العام و اقتصاد السوق الاجتماعي

في معرض الهجمة على القطاع العام، بحجة الفساد أو الفشل، فإن المسألة لاتتعلق بهذه الشركة أو تلك من شركات القطاع العام، إن المسألة هي أكبر من ذلك، و تتعلق بإدارة الاقتصاد الوطني وآلياته، وبالحكومة وإجراءاتها، ولهذا فإن المنطق يدعونا إلى المطالبة بإصلاح الحكومة وآلياتها وإدارتها.

إن الحكومات على امتداد ربع قرن مضى  كانت تمتنع وتعيق عمليات إصلاح القطاع العام، فإذا استبعدنا سوء النية (وهو افتراض بعيد) فإن المسؤولية يمكن إلصاقها بسوء الإدارة، أو بضعف الأداء على مستوى المؤسسة وعلى مستوى إدارة الاقتصاد الوطني.

كما إن النظرة المنهجية للقطاع العام، تجعلنا نؤكد على عدم الخلط بين مفهوم القطاع العام و الاشتراكية، فالاشتراكية نظام سياسي ـ اجتماعي ـ اقتصادي متكامل. في حين أن القطاع العام (كظاهرة اجتماعية ـ اقتصادية) نشأ مع ظهور دور الدولة الاقتصادي ـ لهذا يجب أن ننظر إلى القطاع العام على أنه إحدى وظائف الدولة الاقتصادية، وأن شرعيته تأتي من هذه الوظيفة، مهما اختلف شكل نظام الحكم.

ومن أجل أن يكون تدخل الدولة فعالاً فإنه بحاجة إلى ممارسة هذا الدور بطريقة منهاجية منظمة وضمن أولويات محددة سلفاً، ومن خلال خيارات مدروسة، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه على النحو المطلوب، مالم يعاد الاعتبار إلى وظيفة التخطيط ً لتفادي الفوضى والاضطراب اللذين يترافقان عادة مع الانفتاح الاقتصادي، خاصة عندما تتخذ خطوات متسارعة باتجاه تحرير التجارة ورفع الحماية عن المنتجات الوطنية.

إن أي تحول بالاقتصاد غير مدورس على نحو كاف، نحو اقتصاد السوق سوف يؤدي على نحو أو آخر، إلى آثار اجتماعية باهظة، لهذا فإن انتهاج أساليب التخطيط العلمي، يوفر على الاقتصاد الوقوع في مثل هذا الإشكالات.

انفتاح.. خصخصة

بلغ المجموع التراكمي لرؤوس الأموال المستثمرة في القطاع الصناعي العام سنة 2004 (723.7 مليار ل.س)ويشمل هذا الرقم الصناعات التحويلية واستثمارات الكهرباء والنفط وبلغت قيمة الإنتاج في هذا القطاع في العام المذكور حوالي 214 مليار ل.س بينما بلغت قيمة إنتاج القطاع الخاص حوالي 195 مليار ل.س.ومن الواضح أن القسم الأهم في إنتاج القطاع العام الصناعي يأتي في النفط والكهرباء، فإذا ما قصرنا المقارنة في قطاعات الصناعات التحويلية، نجد أن قيمة الإنتاج بملايين الليرات السورية وبالأسعار الجارية في العام 2004 تبلغ في القطاع العام (213887) أي بنسبة 52.3%.أما في القطاع الخاص فكان المجموع في العام 2004 (194745) أي بنسبة 47.7%.

ويبلغ عدد العاملين في قطاع الصناعات التحويلية في القطاع العام عام 2004 (105826) عاملاً، ويعمل في الصناعات الاستخراجية 17867 عاملاً وفي قطاع صناعة الماء والكهرباء 59408 عاملاً. بمجموع إجمالي قدره 183102 عاملاً بلغت أجورهم للعام نفسه حوالي 30 مليار ليرة سورية.

وفي الميدان التجاري كان القطاع العام يقوم باستيراد 80% من مستوردات البلاد عام 1998، في حين كان يصدر 93% من صادراته، أما في عام 2004 فقد أصبح الاستيراد في القطاع العام 23.6% وصادراته 73.9%. أما في القطاع الخاص فقد كان الاستيراد 76.4% مقابل 26.1 للتصدير.

ويعود السبب في ذلك إلى تخلي القطاع العام عن استيراد العديد من المواد والسلع الاستهلاكية وعودة القطاع الخاص لتولي هذه المهمة، وفقاً لتوجهات السياسة الاقتصادية التي بدأت في منتصف الثمانينات.

بينما بقيت أرقام ونسب صادرات القطاع العام مرتفعة بسبب تصدير النفط ففي عام 2004 بلغت صادرات القطاع العام من الوقود والزيوت المعدنية ماقيمته حوالي 163.2 مليار ليرة سورية بنسبة 88.6% من صادرات القطاع العام ، و65.5% من إجمالي الصادرات.

خلاصة القول تراجع الاهتمام بالقطاع العام وبدأت مشكلاته بالتراكم، وأصبح ينظر إليه نظرة الشك في  إمكان تجاوزه لهذه المشكلات بسبب عدم اتخاذ خطوات جدية تجاه الاستفادة من إمكاناته، فانحسر دوره في القطاع التجاري وأصبح القطاع الخاص يشارك في النشاط المصرفي والتأمين، ولم يبق للقطاع العام وجود محسوس، سوى في إطار القطاع الصناعي. وعندما أهمل القيام بعمليات إصلاح جدية تجاه هذا القطاع تفاقمت مشكلاته وأصبحنا نسمع همسات بدأت تتعالى حول الخصخصة، للتخلص من أعبائه، وألصقت به تهم الفساد والهدر، وساعد في الترويج للأجواء المناهضة للقطاع العام، الخسائر التي كانت تتحملها بعض الشركات، وسوء الإدارة في بعضها الآخر، وانخفاض إنتاجية القطاع بوجه عام.

المهم اقتصاد وطني

وفي تعقيب للدكتور علي الخضر على كلام الحمش قال: بأن المشكلة في سورية لا تكمن في اختيار هذا الشكل أو ذاك، بل تكمن في أن يكون النظام الاقتصادي وطنياً أولاً وأخيراً على قاعدة الاستفادة من التجارب العربية والعالمية مع مراعاة الخصوصية السورية، وذلك من أجل الارتقاء بالبلاد إلى مزيد من التقدم والازدهار من خلال الاستخدام الرشيد لكافة المدخلات الوطنية في سبيل تعظيم المخرجات التي يجب أن تنعكس بشكل إيجابي وملحوظ على معدلات النمو والإنتاجية وعلى المستوى المعاشي لعموم البشر.

وأضاف د. الخضر «لكي تكون الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية لابد من توفير الموارد والاعتمادات المطلوبة، ففي حال تراجع دور الدولة الاقتصادي وتراجعت معها العوائد والإيرادات التي تحققها الشركات  العامة، وإذا لم تتمكن الدولة من تطبيق سياسات ضريبية عادلة تقود إلى زيادة حصيلة الموارد الضريبية على قاعدة تكليف جديدة من الشركات الخاصة وأرباب العمل وأصحاب المهن الحرة فمن أين للدولة أن توفر الاعتمادات لأغراض الضمان الاجتماعي وخدماته المختلفة التي يجب أن لا تقل عن 50% من  إجمالي الإنفاق العام في الوقت الذي هي الآن بحدود 20% فقط.حيث يشير واقع الحياة الاقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية إلى تراجع قيم الاستثمارات الحكومية وعدم تنفيذ خططها السنوية «45 مليار ليرة لم تنفذ في الخطة الاستثمارية لعام 2004» ويدل ذلك على تراجع الدولة في مجالات تحديث وتطوير شركات القطاع العام من جهة وعدم التفكير بضخ استثمارات لمشاريع جديدة من جهة ثانية و كل هذا يشير إلى وجود نوايا لدى الحكومة بعدم إجراء الإصلاحات المطلوبة على صعيد شركات القطاع العام تمهيداً لوضعه في الاستثمار غير الحكومي وربما تمهيداً للخصخصة. وهذا مالايتفق من وجهة نظرنا مع البعد الاجتماعي الذي يؤكد على عدم التفريط بالثروات الوطنية، سيما وأن إجمالي الاستثمارات الخاصة خلال الـ 15 سنة الماضية لم تصل لحدود المليار دولار والمطلوب من وجهة نظرنا في هذه المرحلة بالنسبة لمؤسسات وشركات القطاع العام الحكومي كافة اعتماد منهج العمل القائم على أساس الرشد الاقتصادي والاجتماعي، من خلال مجموعة من المؤشرات (العائد الاستثماري، صافي الربح، وصافي القيمة المضافة، فترة الاسترداد، معدلات تطور الإنتاج والإنتاجية وغيرها).

أما فيما يتصل بالرشد الاجتماعي فيتمثل في ضمان استمرارية العمال في أعمالهم الإنتاجية والخدمية وحصولهم على الأجور والرواتب والتعويضات المناسبة، والعمل على إعادة تأهيلهم وتدريبهم بما يتماشى والتطورات الحاصلة في تقانات العمل وأساليب الإدارة، وتحقيق العدالة والمساواة فيما بين هؤلاء العمال على قاعدة منظومة معايير ومقاييس الأداء المناسبة. هذا بالإضافة إلى برامج الحكومة للرعاية الاجتماعية في التعليم والصحة وإعداد الموارد البشرية.

التعددية ضمن إطار جديد

الدكتور عصام الزعيم وضح مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي على أنه نظام يجمع بين التوجه الاقتصادي لآلية السوق مع الاهتمام بالتنمية الاجتماعية والرفاه الاجتماعي، أنه ليس اقتصاداً يعمل من أجل الربح، كما أنه ليس اقتصاد ريع يوزع للناس، هو اقتصاد يجمع بين مهمة النشاط الاقتصادي وزيادة الفائض وزيادة الكعكة وبين السعي لتوزيع هذه الكعكة بعدالة.

ويميز «الزعيم» بين ثلاثة أنماط للتنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية، الأول هو نمط دول الرعاية الاجتماعية في الدول الاسكندنافية  والأوروبية، و الثاني هو النمط السوفييتي والدولة الشيوعية التي تقدم خدمات كبرى للمواطنين في بلدها ضمن درجة تطورها الاقتصادي أما النمط الثالث فهو الذي وجد في عدد من البلدان النامية منها مصر الناصرية وسورية البعثية وجزائر بومدين وهذه الأنماط اتصفت بالكثير من الرعاية من جانب الدولة ولكن هذه الرعاية الاجتماعية لم تكن متولدة من أداء اقتصادي نشط يعطي قيمة مضافة، ، ولكن الذي يحصل اليوم هو أننا نواجه العولمة ونحن جزء من النظام الاقتصادي العالمي، حيث لاتسمح الأوضاع العالمية في ظل نظام العولمة بعدم الاندماج كما في مرحلة الحرب الباردة وبالتالي فإن السؤال المطروح هو ماهية القوى التي تستطيع أن تسند مثل هذا النظام بمعنى آخر القوى التي تستطيع أن تستثمر وأن تساهم في الإنتاج حتى يكون هناك تنمية اجتماعية.

وحول ما إذا كان القطاع العام قادراً على بناء اقتصاد السوق الاجتماعي يقول الزعيم:نعم يمكن إذا عدنا به إلى نموذج الستينات كما لابد من إسهام القطاع الخاص من أجل تعظيم الفائض الاقتصادي وبالتالي هناك مهمة إنمائية على القطاعين العام والخاص التصدي لها، حيث لا يمتلك القطاع الخاص حالياً وفي الزمن المنظور القدرة على بناء تنمية اقتصادية اجتماعية كما أن القطاع العام بوضعه الحالي غير قادر على ذلك والمفروض أن يكون هناك قطاع عام آخر يخضع لمنطق الأداء الاقتصادي ولمبدأ المحاسبة الاقتصادي ولمنطق الشفافية وهذه مسائل سياسية. من جانب آخر فإن الدولة غير قادرة أن تقوم بالرعاية الاجتماعية في إطار القطاع الخاص لأنه لايساهم سوى إسهام ضئيل بالنظام الضريبي وفي النظام الاستثماري وبالتالي لابد من التعددية ضمن إطار جديد فعال لتحقيق هذا الهدف أما بالنسبة للقطاع العام فإنه لايحتاج إلى إصلاح إداري وقانوني فقط بل إلى إصلاح صناعي وتكنولوجي حتى يستطيع أن يؤدي هدفه.

للحقيقة وجهان... والعام خاص!

من جهته طرح الدكتور قدري جميل سؤالاً حول مدى حقيقة أن يكون القطاع العام «عاماً» وما هي المقاييس التي تحدد ذلك، وهل يكفي الشكل الحقوقي للملكية كي نقول بأن القطاع المسمى بالعام هو عام فعلاً، ويجيب الدكتور جميل عن ذالك بأن القطاع العام  قد جرى خصخصته منذ زمن طويل ويشكل النضال ضد الفساد الموجود في هذا القطاع أحد أشكال إعادة تأميم القطاع العام.

ويضيف الدكتور جميل بأن القطاع العام من حيث  التحليل هو شكل ومحتوى، وشكل القطاع العام هو ملكية الدولة أما المحتوى فكان النهب الذي مورس عليه حيث تكونت عبر قنوات النهب شرائح اجتماعية جديدة أصبحنا نراهاعلناً على شاشات التلفزيون والذين يطالبون بالخصخصة هم في الحقيقة يطالبون بمطابقة الشكل مع المحتوى بينما يوجد بالمقابل قوى أخرى تطالب بالحفاظ على الشكل الموجود مع إعادة المحتوى إلى وضعه السابق وحول هذا يجري الصراع على مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي.

ويرى الدكتور قدري جميل بأن اقتصاد السوق الاجتماعي هو عبارة عن وعاء فارغ  والقوى المختلفة تحاول إملاءه كل حسب اتجاهه ومصالحه مع الإشارة إلى أن الدستور الأوروبي الذي سقط في فرنسا إنما سقط بسبب المادة (2) منه والتي تنص على أن الاقتصاد الأوروبي هو اقتصاد سوق اجتماعي حيث صوت 53% من الشعب الفرنسي ضده، وهذا يعني بأنه ليس من الضروري أن يكون هذا النموذج هو الأفضل، لأن السياسة الاقتصادية هي في النهاية انعكاس للمصالح والغايات وهذا هو المهم في النهاية وليس الاسم.

 

■ متابعة ك . ن