في ندوة الثلاثاء الاقتصادي.. المؤسسات.. وإصلاح الاقتصاد الوطني

 

"الإصلاح هو عملية تفاعلية مستمرة وليس مجرد عملية آنية محدودة بفترة زمنية محددة تهدف إلى معالجة الاختناقات والحد من الاختلالات في الاقتصاد الوطني". هكذا عرف الدكتور رسلان خضور- عميد معهد التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في دمشق- الإصلاح الاقتصادي في معناه العام، وجاء ذلك في الندوة الأخيرة التي أعدتها جمعية العلوم الاقتصادية السورية الثلاثاء الماضي تحت عنوان "المؤسسات الرائدة ودورها في الإصلاح الاقتصادي"..

انطلق د. خضور في بحثه من فرضية مفادها: إن ضعف إنجازات الإصلاح في سورية والإخفاقات التي حصلت في بعض جوانب المسيرة التنموية وعملية الإصلاح، إن هذا الضعف إنما يعود إلى إخفاق المؤسسات، أي إن عدم سلامة المؤسسات القائمة وعدم وجود مؤسسات ديناميكية وفاعلة هو السبب الجوهري في المشاكل والإخفاقات التي يعاني منها الإصلاح الاقتصادي في سورية، وليس السبب في ذلك السياسات الاقتصادية رغم وجود نواقص وعيوب وثغرات فيها تعود بحسب فرضية الباحث إلى أسباب مؤسساتية بالأصل، لأن أفضل البرامج والسياسات لا يمكن لها أن تنجح في غياب المؤسسات المتطورة القادرة على تنفيذها.

وأعرب د. خضور عن اعتقاده بأن الإصلاح الاقتصادي في سورية يجب أن يكون متركزاً على إصلاح المؤسسات، يلي ذلك من حيث الأهمية إصلاح التشريعات والقوانين والسياسات، ولم يغفل الباحث أن عملية الإصلاح هي عملية تكاملية بين هذه المكونات وليست تسلسلية حيث أكد أن المؤسسات الاقتصادية والسياسية تشكل المحدد الضمني للأداء الاقتصادي، كونها الضامن لجعل القواعد والسياسات الاقتصادية واقعاً ملموساً.

ورأى الباحث أن الإصلاح الاقتصادي في سورية حقق بعض المكاسب ولكنها كانت محدودة بفئة ضيقة من المجتمع في حين دفعت الغالبية العظمى منه تكاليف هذا الإصلاح، وأرجع الباحث السبب في ذلك إلى عدم قدرة المؤسسات على جعل الغالبية العظمى من السكان تستفيد من المكاسب ومن النمو المتحقق في الناتج، وهو النمو الذي يوافق الباحث على صحة ما تعلنه الحكومة حول معدلاته في سورية مرجعاً تحقيق هذه المعدلات إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة نشاط قطاعات الإنتاج غير الحقيقية في البلد (المصارف والتأمين..) خلال السنوات السابقة، وأكد الباحث على أن قطاعات الإنتاج الحقيقي لم تحقق أي نمو يذكر مستنداً في أمثلته إلى الإحصاءات الرسمية.

وعن دور المؤسسات في التنمية والإصلاح قال د. خضور: لقد أكدت تقارير ودراسات عديدة أن إخفاقات التنمية جاءت نتيجةً للإخفاقات المؤسسية أكثر مما هي نتيجة لنقص الموارد أو لخلل في السياسات، واستند في استنتاجه إلى تقرير البنك الدولي المشير إلى أن المؤسسات العامة تمثل ركيزة رئيسية في استراتيجية التنمية وفي مواجهة التحديات الداخلية والخارجية وتحقيق التنمية. وتابع الباحث بعد عرضه لمجموعة من الدراسات مستنتجاً: إن المجتمعات التي تملك مؤسسات جيدة تكون أكثر قدرةً على تشغيل وتفعيل محركات النمو وتحفيز الاستثمار في رأس المال المادي والبشري وفي التكنولوجيا الأفضل وفي استغلال الجغرافيا والموارد الطبيعية بالشكل الأمثل وفي وضع سياسات تنموية وسياسات إصلاحية بشكل أفضل.

وأوضح د. خضور أن الحديث عن دور المؤسسات لا يقتصر على المؤسسات الاقتصادية بل يطال السياسية والإدارية والتعليمية والقضائية منها، مشيراً إلى أن ما يقصده بالمؤسسات قد يكون مؤسسات الإدارة العامة والخدمة المدنية ومؤسسات قطاع الأعمال العام والخاص على السواء، ورأى أن المؤسسات الأكثر أهمية في المسيرة التنموية وفي عملية الإصلاح هي المؤسسات القادرة على الوفاء بمتطلبات العمل المؤسساتي والقادرة على ضمان سيادة القانون بصورة غير انتقائية وعلى إنفاذ وضمان حقوق الملكية العامة والخاصة وتأمين المشاركة، إلى جانب المؤسسات القادرة على وضع قيود على أعمال السياسيين والجماعات القوية الأخرى بحيث تضمن عدم انتزاع الحقوق والدخول وتلك القادرة على تأمين فرص متساوية لمختلف شرائح المجتمع وتحقيق توزيع متكافئ للفرص والأعباء.

وبعد عرضه لتجارب بعض البلدان في الإصلاح الاقتصادي، تطرق الباحث إلى المعهد الوطني للإدارة العامة في سورية بوصفه مشروع مؤسسة رائدة- ربما وحيدة في البلد-، ثم أورد نماذج اقتراحات لمؤسسات رائدة يمكن العمل على إنشائها في سورية، منهياً بحثه بالتأكيد على أهمية الإصلاح المؤسساتي وأفضليته في عملية الإصلاح، ومشدداً على أن نجاح أية عملية إصلاح لا يتم دون بناء مؤسسات ديناميكية وفاعلة قادرة على إنجاز الإصلاح وضمان استدامته، ورأى الباحث أن مسؤولية بناء وتطوير المؤسسات الرائدة في سورية لا تقع فقط على الدولة وإنما تقع أيضاً على قطاع الأعمال الخاص أيضاً.

 

آخر تعديل على الثلاثاء, 30 آب/أغسطس 2016 22:04