نيجيريا بين واشنطن وبكين... التوجه شرقاً خيارٌ استراتيجي
في الوقت الذي تبدو الاصطفافات في إفريقيا واضحة، تظهر نيجيريا بشكلٍ مختلف، ففي الوقت الذي يزور وزير دفاعها بكين لبحث التعاون العسكري ومجالات تطوره بين البلدين، يثني ترامب على الرئيس وسياساته، ما يضعنا أمام حالة باتت متكررة داخل إفريقيا.
تمتلك نيجيريا كل المقومات التي تؤهلها لتكون إحدى القوى الكبرى في أفريقيا؛ فهي الدولة الأكثر سكاناً في القارة، وتملك أحد أكبر الاقتصادات الأفريقية، وتقع في موقع جغرافي يمنحها تأثيراً واسعاً في غربي أفريقيا ومنطقة خليج غينيا. ومع ذلك، لا تزال البلاد تواجه تحديات أمنية واقتصادية عميقة، أبرزها الإرهاب المسلح، والجريمة المنظمة، والاختطاف، والصراعات المحلية، وهي أزمات استنزفت قدراتها لعقود.
ورغم أن نيجيريا تُعد حليفاً تاريخياً للغرب، فإن هذه العلاقة لم تنجح في بناء بيئة مستقرة تسمح لأبوجا بالتحول إلى قوة إقليمية مكتملة الأركان. فالولايات المتحدة والدول الغربية قدمت دعماً سياسياً وعسكرياً في مكافحة الإرهاب، لكنها أبقت هذا التعاون خاضعاً لحسابات السياسة الخارجية والضغوط المرتبطة بتنفيذ مصالح واشنطن، الأمر الذي جعل الشراكة الغربية بالنسبة لنيجيريا تفتقر إلى الاستقرار.
معادلة نيجيريا
برز هذا التناقض من جديد في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أشاد مؤخراً بتعاون الرئيس النيجيري في مواجهة الجماعات الإرهابية التي تستهدف المسيحيين، بعد أن كانت إدارته لوحت في مراحل سابقة بإمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية ضد نيجيريا. ويعكس هذا التذبذب طبيعة العلاقة القائمة على مزيج من الترغيب والضغط، بحيث يبقى مستقبل التعاون الأمني مرهوناً بالاعتبارات السياسية في واشنطن أكثر من ارتباطه بحاجات نيجيريا الأمنية الطويلة الأمد، وبالنسبة لدولة تواجه تنظيمات مثل «بوكو حرام» و«داعش في غرب أفريقيا» وفصائل مسلحة أخرى، فإن بناء منظومة أمنية فعالة لا يمكن أن يعتمد على هذه الشراكة.
من هنا يمكن فهم التصاعد الملحوظ في العلاقات بين نيجيريا والصين، الذي تجاوز حدود التجارة والاستثمار إلى مجالات أكثر حساسية، مثل الأمن والصناعات الدفاعية. فقد شهد منتصف شهر تموز زيارة وزير الدفاع النيجيري إلى بكين لبحث إقامة شراكة استراتيجية في المجالين الأمني والعسكري، كما عزز الطرفان التعاون مع شركة الصناعات الدفاعية الصينية من خلال اتفاقات تتضمن إنشاء خطوط إنتاج محلية للذخائر، وصيانة وتطوير المعدات العسكرية، وتدريب الكوادر النيجيرية، ونقل التكنولوجيا، بالتعاون مع المؤسسة النيجيرية للصناعات الدفاعية.
وتكتسب هذه الاتفاقيات أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على بيع السلاح، بل تستهدف بناء قاعدة صناعية محلية تقلل من اعتماد نيجيريا على الموردين الخارجيين، وهو ما يتوافق مع توجه أبوجا نحو امتلاك قدر أكبر من الاستقلالية في إدارة أمنها الوطني.
وفي المقابل، حافظت نيجيريا على سياسة واضحة تقوم على عدم الانخراط الكامل في أي محور دولي. ويظهر ذلك في رفضها المتكرر استضافة قواعد عسكرية أجنبية، رغم الطروحات الأميركية المتكررة، وهو موقف يعكس إدراك صناع القرار النيجيري لمكانة بلادهم كقوة أفريقية صاعدة يجب أن تحافظ على استقلال قرارها الاستراتيجي.
واللافت أن هذا التوجه لا يرتبط بطبيعة الحكومة أو الحزب الحاكم بقدر ما يعكس تحولاً أوسع في البيئة الدولية. فمع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد استخدام العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية كأدوات في العلاقات الدولية، أصبحت الدول الساعية إلى الاستقرار مطالبة بتنويع شراكاتها، وتقليل اعتمادها على قوة واحدة مهما كانت مكانتها.
وفي هذا السياق، تبدو الصين بالنسبة لكثير من دول الجنوب العالمي شريكاً أكثر مرونة؛ فهي تقدم التمويل والاستثمار ونقل التكنولوجيا والتصنيع دون ربط ذلك بشروط سياسية مباشرة، وهو ما يمنح الحكومات مساحة أوسع لتنفيذ أولوياتها الوطنية. وقد يكون هذا أحد أهم أسباب اتساع النفوذ الصيني في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.
من هنا يمكن النظر إلى الحالة النيجيرية باعتبارها نموذجاً لتحول أوسع تشهده دول الجنوب العالمي. فالتوجه نحو الشرق لم يعد خياراً أيديولوجياً أو موقفاً سياسياً ضد الغرب، بل أصبح بالنسبة لكثير من الدول ممراً شبه إلزامي لامتلاك هامش أوسع من الاستقلال، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود، وقوة عسكرية أقل عرضة للتأثر بتقلبات السياسة الدولية. وفي عالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية، تبدو نيجيريا واحدة من الدول التي تحاول إعادة تموضعها بما يضمن أمنها واستقرارها ومكانتها الإقليمية خلال العقود المقبلة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1288
معتز منصور