انقسام جمهوري – جمهوري... مستمر في الولايات المتحدة
نور الدمشقي نور الدمشقي

انقسام جمهوري – جمهوري... مستمر في الولايات المتحدة

تتزايد في الأشهر الأخيرة المؤشرات على وجود تصدعات داخل الحزب الجمهوري نفسه، وتحديداً في العلاقة بين دونالد ترامب وجزء من القيادات والنواب الجمهوريين، ورغم أن ترامب ما يزال الشخصية الأكثر نفوذاً داخل الحزب، وأن تيار «ماغا» لا يزال القوة الأساسية خلفه، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن حالة الاتساق الحزبي التي ميزت الجمهوريين خلال السنوات الماضية لم تعد بالصلابة نفسها، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة عام 2026.

الخلافات الحالية لا تدور حول قضية واحدة بعينها، بل تمتد على مجموعة واسعة من الملفات. فمن جهة، برزت اعتراضات جمهورية على صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب الجارية مع إيران، حيث انضم عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين في محاولات لتقييد قدرة البيت الأبيض على توسيع العمليات العسكرية دون موافقة الكونغرس. ومن جهة أخرى، ظهرت خلافات حول مشاريع القوانين الضخمة التي يدفع بها ترامب، بما في ذلك خططه لرفع الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، ومشروعه الجديد البالغة قيمته 350 مليار دولار، والذي يتضمن تمويل برامج عسكرية وأمنية وتشديدات واسعة على قوانين الانتخابات.
كذلك برزت اعتراضات داخل الحزب على طريقة إدارة بعض الملفات الاقتصادية والمالية، وعلى استخدام آلية «المصالحة» البرلمانية لتمرير مشاريع القوانين الكبرى. فشخصيات جمهورية نافذة في مجلس الشيوخ أبدت تحفظات واضحة على بعض خطط ترامب المالية، معتبرة أنها تحمل مخاطر سياسية واقتصادية، وتفتح الباب أمام صراعات إضافية داخل الحزب نفسه.

بالتوازي مع ذلك، تتحول انتخابات التجديد النصفي المقبلة إلى عامل أساسي في تفجير هذه التناقضات. فالكثير من الجمهوريين الذين يمثلون دوائر متأرجحة، أو ولايات تشهد منافسة قوية مع الديمقراطيين، باتوا يشعرون بالحاجة إلى إظهار قدر من الاستقلالية عن ترامب، خشية أن يتحول الارتباط الكامل به إلى عبء انتخابي. كما أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تراجعاً في شعبية الإدارة الحالية، في وقت ما تزال فيه قضايا التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والحرب مع إيران تلقي بثقلها على المزاج الشعبي الأمريكي.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المشكلات داخل قاعدة «ماغا» التي توحدت سابقاً حول شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» حيث تواجه اليوم تناقضات متزايدة بين الوعود والواقع. فالحرب كان يفترض أن تنتهي بسرعة، والأوضاع الاقتصادية لم تتحسن بالشكل الموعود، والانقسامات داخل المؤسسة الجمهورية باتت أكثر وضوحاً، لذلك لم يعد من الممكن الحديث عن كتلة جمهورية متماسكة بالكامل خلف ترامب، كما كان الحال في السنوات الماضية.
ومع ذلك، فإن اختزال الأزمة الأمريكية الحالية بصراع بين ترامب وخصومه داخل الحزب الجمهوري، أو بين الجمهوريين والديمقراطيين، يبقى تبسيطاً للواقع. فالمشكلة الأعمق تتعلق بأزمة بنيوية تضرب النظام السياسي الأمريكي كله. والاستقطاب بين الحزبين لم يعد قادراً على إنتاج أيّ حلول للمشكلات المتراكمة، فيما تتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية التقليدية عاماً بعد عام.

ولهذا السبب، فإن ما نشهده اليوم يتجاوز مشاكل حزبية، نحو أزمة أوسع تطال مجمل النخبة السياسية الأمريكية، وبمرور الوقت، تبدو الولايات المتحدة أمام مرحلة تتزايد فيها مؤشرات السخط الشعبي تجاه الحزبين معاً، وتجاه النخب التي حكمت البلاد لعقود، ومن هنا يصبح السؤال ليس من سينتصر داخل الحزب الجمهوري، أو بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل ما إذا كانت السنوات المقبلة ستفتح المجال أمام قوى واتجاهات جديدة تحاول تقديم نفسها كبديل عن المنظومة السياسية الأمريكية التقليدية بأكملها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282