أعمالُ شغبٍ واسعة في إيرلندا الشمالية... ما القصة؟
شهدت عاصمة إيرلندا الشمالية، بلفاست، احتجاجات وأعمال شغب واسعة وعنيفة يوم الثلاثاء 9 حزيران، عقب حادثة طعن وقعت في اليوم السابق في منطقة كينارد شمال المدينة. استهدف المحتجون خلالها المهاجرين وممتلكاتهم في المنطقة.
في 8 حزيران، وقعت حادثة طعن في منطقة كينارد، أسفرت عن إصابة رجل في الأربعينيات من عمره بجروح بالغة، من قبل جاني في الثلاثينيات من عمره، ذو أصولٍ سودانية، ويقيم بصورة قانونية في المملكة المتحدة منذ 2023.
وسرعان ما تحوّلت الحادثة إلى شرارة أشعلت نيران احتجاجات وأعمال شغب في اليوم التالي، استهدفت المهاجرين وممتلكاتهم، حيث تم إحراق عدد من المنازل، والسيارات، وحاويات القمامة، وأضرمت النار بحافلة عامة، وتعرضت قوات الشرطة لإصابات. إثر ذلك، أصابت المهاجرون حالةً من الهلع، واضطرت فرق الطوارئ لإجلاء بعض العائلات من منازلها بعد تعرضها للحرق، أو التهديد.
كان السبب المباشر في تحوّل الحادثة إلى شرارة هو المقطع المصوّْر لحادثة الطعن، والذي جرى تداوله بشكل واسع النطاق على وسائل التواصل الاجتماعي، مصحوباً بعبارات تحريضية وتصعيدية ضد المهاجرين والأجانب. وشاركت في هذه الحملة بشكل رئيسي شخصيات محسوبة على اليمين المتطرف في المملكة المتحدة، لتصبح مادة للتحريض السياسي والإعلامي، مع دعوات للاحتجاج... ومن المهم ذكره، أن رجل الأعمال والملياردير الأمريكي إيلون ماسك، شارك قوائماً بمواقع لتجمّع الاحتجاجات، وأعاد نشر منشورات لشخصيات محسوبة على اليمين المتطرف.
الأسباب العميقة
الأسباب غير المباشرة للحادث تعود لعدة مستويات، منها: الاقتصادي-الاجتماعي، حيث يرى جزء واسع من المحتجين أن المهاجرين يتحملون مسؤولية الصعوبات التي يواجهونها في الحصول على السكن، أو الرعاية الصحية، أو في المنافسة على فرص العمل، ويتحملون بنظرهم مسؤولية تدهور الوضع المعيشي، وهي رواية تروجها القوى السياسية اليمينة المتطرفة، ولا تدحضها القوى الأخرى، حتى لا تعترف بوجود خلل ومشكلة في النظام الاقتصادي الاجتماعي القائم ككل.
وهناك أيضاً أسباب سياسية لما يجري، حيث يغذي اليمين المتطرف هذه الانقسامات ويحرّض عليها لكسب نتائج سياسية، ومن أبرز هذه القوى: حزب الإصلاح البريطاني اليميني المتشدد بقيادة نايجل فاراج. أما خارجياً، فتشهد العلاقات البريطانية – الأمريكية خلافات وتوترات متصاعدة منذ حين، ومن هنا يمكن فهم دور إيلون ماسك في هذه المسألة، كون الأخير يُعد من الداعمين للتيارات اليمينية في بريطانيا.
يضاف إلى ما سبق جملة من القضايا الأخرى منها: القومي/الوطني، فليست مصادفة أن تشهد إيرلندا الشمالية وبلفاست بالتحديد الحصة الأكبر من التعاطف مع التيار اليميني عموماً، وتشهد موجات عنف أكبر من غيرها، لما فيها من إرث مرتبط بفترة النزاع والصراع القومي والطائفي بين إيرلندا وانكلترا من جهة، والبروتستانت والكاثوليك من جهة أخرى لمدة ثلاثين عاماً عرفت باسم «الاضطرابات» وانتهت في عام 1998. ولا يغيب عن المشهد عموماً وجود تيار يدعو للاستقلال عن المملكة المتحدة، وآخر للوحدة مع جمهورية إيرلندا.
أخيراً، باتت تتكرر هذه الاضطرابات في المملكة المتحدة بشكل متواتر كل عام، ومن الملاحظ ارتفاع مستوى العنف فيها في كل مرة، وبشكل متعمد وتراكمي، يهدف بالدرجة الأولى عبر صنع الانقسامات وتعظيمها، إلى مواجهة وتأريض احتمالات نشوب موجة حراك شعبي وعمّالي واحد، يهدد النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي في البلاد.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282
ملاذ سعد