المراجعة الشاملة أو الهلاك: الخليج وتبعات التورط في حرب على إيران
معتز منصور معتز منصور

المراجعة الشاملة أو الهلاك: الخليج وتبعات التورط في حرب على إيران

تشهد المنطقة عموماً، والخليج العربي على وجه الخصوص، تحولات كبرى تسارعت مع اندلاع الحرب الأمريكية ـ «الإسرائيلية» على إيران، ومع انتهاء جولة القتال التي استمرت أربعين يوماً. خضعت كثير من المسلمات التي قامت عليها بنية الإقليم لاختبار حقيقي، الأمر الذي يسمح للمنطقة بإعادة تشكيل توازناتها وتحالفاتها بصورة جذرية خلال السنوات المقبلة.

ولعل إحدى أهم القواعد التي حكمت النظام الإقليمي الخليجي طوال العقود الماضية تمثلت في فكرة الحماية الأمريكية المباشرة، عبر القواعد العسكرية، وما رافقها من ترتيبات أمنية واقتصادية ضخمة تحملت دول الخليج كلفتها السياسية والمالية. وفي المقابل، ضمنت هذه المنظومة استقرار تدفق خامات الطاقة للأسواق العالمية، وربط الاقتصادات الخليجية بالنظام المالي الغربي، إلى جانب الحفاظ على تسعير النفط بالدولار، باعتبار ذلك جزءاً من البنية الاستراتيجية للنفوذ الأمريكي. مع استمرار حالة التوتر بين إيران ودول الخليج، وإبقاء طهران تحت ضغوط سياسية وعقوبات وعزلة دولية، مقابل دعم صعود مراكز اقتصادية ومالية خليجية، وفي مقدمتها الإمارات، لتتحول إلى عقدة مالية وتجارية عالمية.
غير أن الحرب الأخيرة هزّت هذه القواعد. فالهجمات الإيرانية التي طالت جميع الدول الخليجية، واستهدفت منشآت حيوية وموانئ وبنى تحتية ومجالات اقتصادية حساسة، أظهرت أن منظومة الردع التقليدية لم تعد قادرة على توفير الضمانات القديمة نفسها. كما أن القواعد الأمريكية، التي كان يُنظر إليها بوصفها عنصر حماية واستقرار، تحولت في لحظة الحرب إلى أهداف مباشرة، ولم تستطع حماية حتى نفسها، ما فتح باباً واسعاً للتساؤلات داخل الخليج حول جدوى الاعتماد على المظلة الأمريكية.


التورط الإماراتي


في هذا السياق، برزت تقارير في رويترز وصحيفة وول ستريت جورنال، تتحدث عن مشاركة إماراتية وسعودية مباشرة، وإن بصورة غير معلنة، في عمليات عسكرية ضد إيران. ورغم غياب التفاصيل الدقيقة حول صحة هذه المعلومات، أو حتى طبيعة هذه العمليات وحجمها. إلا أن الأهم من ذلك ليس حجم المشاركة بقدر ما يكشفه التباين في أهداف كل من الرياض وأبو ظبي من الحرب نفسها، ومن شكل المنطقة بعد انتهائها.
فالإمارات أكثر اندفاعاً نحو تبني الأهداف الأمريكية و«الإسرائيلية» للحرب. ويعود ذلك إلى الارتباط العضوي بالنظام المالي العالمي، ما يجعل أي اضطراب إقليمي واسع تهديداً مباشراً لبنيتها الاقتصادية. ولذلك رأت أبو ظبي أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تنتهي إلى تقليص النفوذ الإيراني إلى الحد الأقصى، وضمان عدم قدرة طهران على تهديد خطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية مستقبلاً. ومن هنا يمكن فهم اندفاعها نحو توثيق شراكتها الأمنية مع «إسرائيل»، وتعاملها مع الأخيرة بوصفها شريكاً ضرورياً في بناء منظومة دفاع إقليمية جديدة.
كما أن السلوك الإماراتي لا يمكن فصله عن نمط سياساتها خلال السنوات الأخيرة في عدد من ساحات الإقليم، من اليمن إلى ليبيا والسودان والصومال، حيث فضّلت العمل عبر الشبكات المحلية المسلحة والمليشيات والحروب غير المباشرة، باعتبارها أدوات فعالة لتوسيع النفوذ وتحقيق أهدافها.


السعودية في نهجٍ مختلف


في المقابل، بدت السعودية أكثر حذراً وأقل اندفاعاً نحو التصعيد المفتوح، رغم سماحها باستخدام قواعدها العسكرية، ومشاركتها وفق ما تتحدث عنه التقارير في عمليات محدودة ضد أهداف إيرانية. فالرياض، على خلاف أبو ظبي، لا تنظر إلى إيران فقط؛ خصماً اقليمياً، بل أيضاً كدولة كبرى في الإقليم لا يمكن تجاهل وجودها، أو التعامل مع مستقبل المنطقة على أساس انهيارها الكامل.
ومن هنا حافظت الرياض، حتى خلال ذروة التصعيد، على قنوات اتصال سياسية مع طهران، وأبقت الباب مفتوحاً أمام ترتيبات تهدئة، أو تفاهمات أمنية مستقبلية. كما أن الحرب الأخيرة دفعت السعودية إلى إعادة التفكير بصورة أعمق في مفهوم الحماية الأمريكية ذاته، خصوصاً بعد أن أظهرت المواجهة أن واشنطن قد تعجز عن حماية نفسها وقواعدها قبل حماية حلفائها. لذلك تبدو الرياض أكثر ميلاً اليوم إلى تنويع خياراتها الأمنية، سواء عبر تعميق التعاون الدفاعي مع باكستان النووية، وهو التحالف الذي يجري الحديث عن توسعه ليضم تركيا ومصر.
ورغم الحديث عن تعزيز أمني وعسكري مع واشنطن، إلا أن هذه التقارير تصطدم بواقع يتعلق بالقدرات العسكرية الأمريكية نفسها، التي لم تستطع تخديم متطلبات الحرب، وقامت بسحب بطاريات باتريوت وثاد من عدة مناطق، ودفعها لساحة القتال الواسعة في المنطقة. فدول الخليج باتت تدرك أن الارتباط بالولايات المتحدة لم يعد يضمن تلقائياً الأمن والاستقرار، كما كان في السابق، ولذلك يبدو أن المرحلة المقبلة ستتجه نحو محاولة بناء استقلالية أكبر وتنويع خياراتها العسكرية.

في المحصلة، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» من جهة وإيران من جهة أخرى، بل كشفت هشاشة النظام الإقليمي الخليجي، وعمق التحولات الجارية داخله. كما أنها أظهرت أن دول الخليج، رغم أن وجودها في مجلس التعاون الخليجي الذي كان الهدف الأساسي منه التصدي للخطر الإيراني، لم تعد تمتلك رؤية موحدة لمستقبل المنطقة، ولا تصوراً واحداً لطبيعة العلاقة مع واشنطن، أو مع القوى الإقليمية الأخرى. وبينما تميل الإمارات إلى مزيد من الاندماج في المشروع الأمني الأمريكي- «الإسرائيلي»، تبدو السعودية أكثر ميلاً إلى البحث عن توازنات جديدة، تقلل من احتمالات الانفجار الشامل، وتحافظ في الوقت نفسه على موقعها كقوة إقليمية مستقرة وقادرة على قيادة المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1278