«إسرائيل» والولايات المتحدة في سباقٍ حاسمٍ مع الوقت!

«إسرائيل» والولايات المتحدة في سباقٍ حاسمٍ مع الوقت!

تركّز الاهتمام خلال الأسبوع الماضي على إمكانية عقد جولة ثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وذلك بعد أن فشلت الجولة الأولى في العاصمة الباكستانية إسلام آباد في يوم السبت 11 نيسان، لكن المشهد العام لا يوحي بوجود أي تقدم فعلي في هذا الملف، ما يجعل الحرب معلّقة فعلياً، بينما تستمر تداعياتها بشكل متسارع على كافة الأصعدة.

إن ما تكشّف الآن حول الجولة الأولى من المفاوضات وضع الإدارة الأمريكية في موقعٍ صعب، فأمام وفد إيراني واسع يضم 70 شخصية من كافة الاختصاصات، يملكون الصلاحيات والمؤهلات الكافية للدخول في عملية تفاوض جدّية، كان يقف أمامهم وفد أمريكي يضم ثلاث شخصيات أساسية، هم: نائب الرئيس جي دي فانس، وصهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر، والمطور العقاري، ومبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي يعتبر إلى جانب كوشنر ممثلين شرسين للمصالح «الإسرائيلية». وبالرغم من أن الطرف الإيراني كان رافضاً لإجراء مفاوضات مع كوشنر وويتكوف، وطلبوا أن يكون فانس هو المفاوض، إلا أن سير الجولة الأخيرة أظهر أن المسألة أعقد من ذلك، فرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أكّد أن فانس كان يطلعه بشكل
متواصل على سير المفاوضات، وأضاف بشكلٍ مهين، أن سلوك فانس هو فعلياً سلوك كل المسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هذا الأساس، وبدلاً من التفاوض على شروط إيران العشرة بحسب إعلان الرئيس الأمريكي، تفاجئ الوفد الإيراني بطروحات بعيدة كل البعد عن منطق التفاوض المتفق عليه، وعلى هذا الأساس بدا واضحاً أن جولة تفاوض جديدة ضمن نفس المنطق لن تصل إلى أي نتيجة. وظهرت إيران بموقع أفضل بكثير، وأكثر جدية من الطرف المعتدي الأمريكي. وهذا فعلياً ما سمح لإيران من إعلان موقف واضح في رفض أي تفاوض تحت الضغط، ولم ترض حضور الجولة التالية، مما فرض على واشنطن تمديد الهدنة التي كانت مقرر أن تنتهي في 21 نيسان الجاري إلى موعد غير محدد.

إن من النتائج غير المعلنة لجولة المفاوضات، هي أنّها خفضت بشكلٍ كبير من حدة المواجهات، وساعدت واشنطن في التراجع عن تهديداتها «بإنهاء إيران ومحو حضارتها» لكن ذلك لم يخفف أبداً من تداعيات الحرب، فمضيق هرمز لا يزال مغلقاً، ورغم إعلان الجيش الأمريكي أنه سيطبق حصاراً على موانئ إيران، إلى أن الأخيرة نجحت في الحفاظ على النسبة الأكبر من شحناتها النفطية، بعد أن وصلت صادراتها إلى أعلى مستوى منذ تشديد العقوبات عليها، ونجح الجيش الإيراني وقوات الحرس الثوري، من تعطيل الملاحة بشكلٍ كلّي، ولا يمكن العبور إلا بعد التنسيق معها، ونقلت تقارير إلى أن حسابات البنك المركزي الإيراني بدأت بالفعل تستلم رسوم عبور السفن من المسارات الآمنة بالقرب من الشواطئ الإيرانية.
كل ذلك يضع ملامح واضحة لطبيعة المشهد العسكري، ويؤكد أن الولايات المتحدة دخلت في واحدة من أصعب وأخطر أزماتها في التاريخ، فإن الحرب ومجرياتها لم تشكل فقط هزيمة عسكرية للجيش الأمريكي، بل بات الحديث عن تغيير شامل في الاقتصاد العالمي، واقتراب انهيار منظومة البترودولار، وانتهاء عصر سيطرة الولايات المتحدة على الممرات المائية، وأصبحت مواضيع رائجة في الصحافة، بعد أن كانت مواضع «مقدّسة» لا تمس!


جانب من التداعيات داخل الولايات المتحدة


من جانب «إسرائيل‌» تزداد صعوبة المشهد بلا شك، لكن ذلك لا يعني أن مشروعها فشل حتى اللحظة، فهي تخوض حرباً وجودية، وتحاول تسخير كل الإمكانات الأمريكية الممكنة في المعركة لأطول مدة زمنية، لكن الضغط الشديد على الولايات المتحدة يحمل تداعيات كبيرة في الداخل ويسرّع من عملية التراجع، ويضع الكيان الصهيوني في حالة من السباق مع الزمن، فإن الولايات المتحدة ستصل إلى لحظة محددة، لن تكون قادرة على الفعل في هذا الملف، وإن لم يكن قد أُحرز تقدّمٌ حقيقي، سيكون من الصعب بالنسبة لـ «إسرائيل» تغيير المشهد بشكل استراتيجي.
ما يمكن الاستناد إليه بهذا الخصوص، ويعكس جزءاً من المشهد، هو تلك التغييرات الكبيرة التي تحدث داخل بنية الجيش الأمريكي، والتي بدأت منذ ولاية ترامب الأولى، عبر سلسلة من الإقالات والتعينات التي تبدو مسألة متوقعة مع وصول إدارة جديدة، إلا أن المسألة تتطور بسرعة كبيرة، ما أحدث خللاً في البنية بشكلٍ جديٍ، فإن بعض المواقع القيادية ظلّت شاغرة لستة أشهر قبل أن يجري تعيين جديد، ما زاد من مركزة القرار لدى مجموعة لا تتمتع بـ «الكفاءة» الحقيقية، وخَلق حالة من عدم التوازن في بنية المؤسسة العسكرية.

لكي تبدو الصورة أوضح، يمكننا ذكر بعض الأمثلة، ففي بداية ولاية ترامب، وقبل الحرب، شهدنا إقالات حساسة، مثل: إقالة قائد الأركان تشارلز براون، والأدميرال ليزا فرانشيتي رئيسة العمليات البحرية، وأقيل أيضاً مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA) جيفري كروز في شهر آب 2025 وذلك على إثر تقارير شككت في نجاح الضربات ضد المفاعلات الإيرانية. لكن وبعد بداية الحرب الأخيرة على إيران، يظهر بشكلٍ واضح أن هناك استقالات وإقالات تجري بوتيرة أسرع وأكبر، شملت العديد من الشخصيات، كان على رأسها، استقالة جو كينت مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وهو شخصية مهمة ومؤثرة، أولاً كونه من الشخصيات التي كانت تدعم ترامب، وهو مدير واحدة من أكثر المؤسسات حساسية، فهذا المركز هو المسؤول عن التنسيق والربط بين وكالة المخابرات المركزية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وزارة الدفاع الأمريكية، وكالة الأمن القومي، أي أن كينت كان على إطلاع كامل بخصوص الوقائع الحقيقية للحرب، وهناك أيضاً إجبار رئيس أركان الجيش الأمريكي راندي جورج على التقاعد وترك منصبه، وقالت تقارير إعلامية: إن السبب كان خلافات حول الحرب في إيران، وكانت المشكلة أن هذه الإقالة جاءت بشكلٍ فوري، وفي أثناء الحرب، لتترك هذا الموقع الحساس فارغاً في وقت القتال! وأقيل لاحقاً ومنذ أيام قليلة وزير البحرية جون فيلان، وهو مسؤول مدني كان من أبرز الداعمين لترامب، بسبب خلافات استراتيجية مرتبطة بالأسطول الأمريكي، والتوجهات العامة لسد الثغرات الموجودة، هذا بالإضافة إلى إقالات أخرى ترتبط بمشاكل داخلية، مثل: إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم، والنائب العام بام بوندي، ووزيرة العدل لوري تشافيز-ديريمر.

إن العرض السابق يعد مؤشراً جدياً على درجة الاضطراب التي تشهدها دوائر الحكم الأمريكية، وتحديداً في المؤسسات الأمنية والعسكرية، وإن كان البعض يرى في هذه الإقالات مجرد إجراءات يقوم بها وزير الحرب بيت هيغسيث مع الرئيس الأمريكي، بهدف ضبط الولاءات داخل هذه المؤسسات الحساسة، فإن ذلك لا يغير من جوهر المسألة، إذا أن طبيعة المرحلة التي تمر فيها الولايات المتحدة لم تعد تسمح لها بالحفاظ على الشكل القائم لهذه المؤسسات، التي يفترض أن تخلق حالة من التوازن، أما اليوم فهناك مواجهات حامية تجري وراء الأبواب المغلقة، ولا نعرف منها إلا اليسير، وهو ما يمكن أن يؤكد أن قدرة واشنطن على التماسك في هذه اللحظات الحساسة بات مسألة مشكوك بها بشدة، وإن استمرار تداعيات الحرب وغيرها من الملفات بهذا الشكل سيزيد من تسارع هذا التخبط، ويقودنا إلى مرحلة جديدة، لا يمكن التنبؤ بحجم أثرها على الولايات المتحدة التي عرفناها!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275