أوروبا عجوز بالفعل.. وأوكرانيا عصا استنادها الأخيرة
نور الدمشقي نور الدمشقي

أوروبا عجوز بالفعل.. وأوكرانيا عصا استنادها الأخيرة

تدخل الحرب في أوكرانيا مرحلة جديدة من التصعيد، لكن دون أي تحوّل كبير وحاسم بعد، فخلال الأسابيع الأخيرة، كثّفت روسيا عملياتها العسكرية على امتداد الجبهات، من الشمال الشرقي إلى الشرق والجنوب، ضمن استراتيجية تقوم على الضغط المستمر وتآكل القدرات الأوكرانية، دون السعي إلى اختراق سريع، وهذا النمط يعكس ثقة متزايدة لدى موسكو بقدرتها على إدارة حرب طويلة، تُستنزف فيها أوكرانيا تدريجياً على المستويين العسكري والاقتصادي.

في المقابل، تواصل كييف الاعتماد على أدوات غير تقليدية، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة والضربات بعيدة المدى، في محاولة لتعويض الاختلال في موازين القوة التقليدية، هذه العمليات تستهدف العمق اللوجستي والصناعي الروسي، بما في ذلك منشآت الطاقة والبنية العسكرية، في سياق استراتيجية تهدف إلى رفع كلفة الحرب على موسكو، وإبطاء زخمها الميداني، غير أن هذا النمط، رغم فعاليته التكتيكية كأهداف مهمة، لم ينجح حتى الآن في إحداث تغيير استراتيجي واضح على الأرض.
سياسياً، يعكس التصعيد الميداني الأخير فشل مسار التهدئة الذي طُرح خلال فترة عيد الفصح، فوقف إطلاق النار المؤقت الذي أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوبل بتعامل حذر من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، دون أن يتحول إلى مدخل لمسارٍ تفاوضي جاد، وبذلك، بدا واضحاً أن المسار السياسي لا يزال معلقاً، وأن أي حديث عن تسوية شاملة يبقى مؤجلاً في ظل استمرار التشدد والتعنت الأوروبي، ورفضه الاعتراف بالتخوفات والحقوق الروسية التي كانت سبباً ببدء العملية العسكرية.

على الضفة الأوروبية، جاء الإعلان عن الحزمة العشرين من العقوبات ليؤكد استمرار النهج ذاته، فقد أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن إجراءات جديدة تستهدف القطاع المصرفي الروسي، مع توسيع نطاق العقوبات ليشمل بنوكا من دول ثالثة يُشتبه في مشاركتها في الالتفاف على القيود، كما شملت الإجراءات تقييد التعاملات باليورو، وتشديد الرقابة على صادرات التكنولوجيا، في محاولة لإغلاق منافذ تستخدمها موسكو في تجارتها الدولية.

لكن هذه العقوبات، رغم تعقيدها المتزايد، تعكس في جوهرها مأزقاً أوروبياً أكثر مما تعكس قدرة على التأثير، فالاتحاد الأوروبي، الذي انتقل من العقوبات المباشرة إلى ما يشبه «إدارة شبكات الالتفاف العالمية»، يجد نفسه في مواجهة واقع اقتصادي وسياسي معقّد، حيث لم تنجح هذه الإجراءات في تغيير السلوك الروسي، أو التأثير جدياً على اقتصاده، بل دفعت موسكو إلى تسريع بناء بدائل مالية وتجارية خارج المنظومة الغربية.
في المحصلة، يبدو أن مسار الحرب لا يزال يميل لصالح روسيا، التي نجحت في تثبيت نمط استنزاف طويل الأمد، مقابل عجز أوكراني عن قلب المعادلة، واعتماد أوروبي على أدوات ضغط لم تثبت فعاليتها، بل وتخسر هذه الفعالية أكثر بمرور الوقت.. ومع استمرار هذا التوازن، فإن الخاسر الفعلي لا يقتصر على أوكرانيا وحدها، بل يمتد إلى أوروبا نفسها، التي تدفع كلفة اقتصادية وسياسية متصاعدة دون تحقيق أهدافها المعلنة، وفي ظل غياب مراجعة أوروبية جدية لنهجها المتشدد، من المرجح أن يستمر هذا المسار، حيث تتآكل أوكرانيا تدريجياً، بينما تتكيف روسيا مع الحرب كواقعٍ طويل الأمد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275