الهجمات المتزامنة في مالي... اختبار صلابة منظومة الكونفدرالية
تشهد مالي لحظة مفصلية جديدة في مسار نزاعها الممتد منذ أكثر من عقد، حيث تتقاطع التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة مع مسار سياسي وإقليمي بالغ التعقيد. فالهجمات المنسقة التي شهدتها عدة مدن، من الشمال في كيدال وغاو إلى الوسط في موبتي، وصولاً إلى محيط العاصمة باماكو، تمثل حلقة ضمن صراع مفتوح على شكل الدولة، ومستقبل التوازنات في منطقة الساحل الأفريقي.
في الساعات الأولى من يوم السبت، أعلنت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم القاعدة، مسؤوليتها عن هجمات متزامنة، هذه الهجمات نفذت بالتنسيق مع «جبهة تحرير أزواد». هذا التداخل بين التنظيمات الجهادية والحركات المحلية المسلحة يعكس طبيعة التمرد المركب في مالي، حيث لم يعد الصراع محصوراً بين الدولة وتنظيمات عابرة للحدود، بل أصبح شبكة معقدة من التحالفات المرحلية والأهداف المتقاطعة.
ورغم عنف الهجمات واتساع رقعتها الجغرافية، لم تسجل باماكو انهياراً أمنياً، وهو عنصر مهم في قراءة المشهد. إذ سعت العمليات، على ما يبدو، إلى إحداث صدمة متزامنة في عدة نقاط، بهدف إرباك الدولة أكثر من السيطرة المباشرة على العاصمة. هذا النمط ليس جديداً؛ فقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية محاولات مشابهة، من بينها الهجوم على مدرسة تدريب قوات الأمن قرب مطار باماكو في سبتمبر 2024، والذي أوقع عشرات القتلى، إضافة إلى عمليات لاحقة استهدفت خطوط الإمداد الحيوية، خاصة الوقود.
أما في كيدال، التي تعتبر العقدة الأكثر حساسية تاريخياً وسياسياً، فتدور معركة لم تُحسم بعد. فبينما تحدثت أطراف مسلحة عن استعادة السيطرة على المدينة، تشير المعطيات الميدانية إلى استمرار وجود الجيش المالي في مواقع استراتيجية، مع تمركزه في القواعد العسكرية وانتظاره تعزيزات، خصوصاً جوية، قد ترجح الكفة في المرحلة المقبلة. هذا التباين في توصيف السيطرة يعكس، إلى جانب الواقع العسكري، حرباً إعلامية موازية لا تقل أهمية عن المواجهة على الأرض.
في المقابل، تمكنت القوات الحكومية من احتواء الهجمات في مدن أخرى، مثل: كاتي وموبتي وغاو، مع إعادة الانتشار وتأمين المنشآت الحيوية. استطاع المجلس العسكري بقيادة آسيمي غويتا امتصاص الصدمة المرافقة للهجوم المركب، ومنع تحول الهجمات إلى انهيار شامل، وهو سيناريو لطالما راهنت عليه الجماعات المسلحة في مراحل سابقة.
ليست مجرّد اضطرابات أمنية
لكن ما يمنح هذه التطورات بعداً أعمق هو توقيتها السياسي والإقليمي. فمالي، إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر، تمضي في مسار إعادة تشكيل بنية السلطة والسيادة، ضمن ما بات يُعرف بكونفدرالية دول الساحل. هذا المسار، الذي يتحدى النفوذ التقليدي للقوى الغربية في المنطقة، يضع هذه الدول في مواجهة ضغوط متعددة الأشكال، من العزلة السياسية إلى التهديدات الأمنية المتصاعدة.
من هذا المنظور، لا تبدو الهجمات مجرد تصعيد ميداني، بل يمكن قراءتها أيضاً كمحاولة مستمرة لضرب النموذج الناشئ في الساحل، أو على الأقل اختبار صلابته في مراحله الأولى. فاستهداف مدن متفرقة في توقيت واحد، ومحاولة إظهار الدولة بمظهر العاجز عن السيطرة، يخدمان هدفاً يتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة، نحو التأثير في المعنويات والثقة.
المواقف الدولية بدورها تعكس حساسية الوضع. فقد أدانت روسيا الهجمات، وأعلنت تضامنها مع مالي، في موقف ينسجم مع تقاربها المتزايد مع السلطات العسكرية في باماكو. أما الدول الغربية، ورغم أنّها لن تستطيع إعلامياً الوقوف إلى جانب جماعات مصنّفة إرهابية إلا أنّ هذه الدول كانت تعمل بشكل معلن لتقويض ما جرى إنجازه في كونفدرالية دول الساحل، وهي لذلك وفي أقل تقدير تتقاطع مصالحها مع مصالح هذه الجماعات. ومن جهة أخرى فإن دول الكونفدرالية ستكون جزءاً من الصراع في حال توسعه أو استمراره، وقد نشهد تدخلاً مباشراً، خاصة بعد تشكيل قوات مشتركة في الأشهر السابقة بهدف حماية أمن الدول الثلاث، وتعزيز الاستقرار.
في المحصلة، تقف مالي أمام عدة سيناريوهات مفتوحة. فقد تتجه الأمور نحو حرب استنزاف طويلة تعيد إنتاج نمط الصراع المزمن، أو نشهد جولات قتال خاطفة يعقبها تثبيت مؤقت للسيطرة، أو حتى تطورات مفاجئة تقود إلى اختلالات كبيرة في ميزان القوى. غير أن الثابت حتى الآن هو أن الدولة لم تفقد تماسكها، وأن الجماعات المسلحة، رغم قدرتها على المبادرة، لم تنجح في تحقيق اختراق حاسم. بين هذين الحدين، يستمر الصراع بوصفه اختباراً مزدوجاً: لقدرة دولة مالي على فرض السيطرة، ولقدرة النموذج الإقليمي الناشئ في الساحل على الصمود في وجه الضغوط الأمنية والسياسية المتداخلة. وفي هذا الاختبار، لن تكون النتائج عسكرية فقط، بل سترسم ملامح مرحلة كاملة في غرب أفريقيا.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1275
معتز منصور