أوكرانيا في مؤتمر ميونيخ: تأكيد استمرار التشدد الأوروبي
جاءت أعمال الدورة الثانية والستين من مؤتمر ميونيخ للأمن، لتؤكد أن الحرب في أوكرانيا ما زالت محكومة بمنطق التصعيد أكثر من منطق التسوية، فالكلمات التي ألقاها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مدعوماً بمواقف أوروبية متشددة، عكست تمسك كييف وحلفاءها بخطاب المواجهة والتصعيد، في وقت يُفترض أن تُمهّد فيه محادثات جنيف المقبلة لمسار تفاوضي أكثر واقعية.
في خطابه، ركّز زيلينسكي على
استمرار الهجمات الروسية، مشيراً إلى آلاف الطائرات المسيّرة التي استُخدمت خلال الأشهر الماضية، وإلى تضرر جميع محطات الطاقة في بلاده، وطالب بتسريع تسليم أنظمة الدفاع الجوي، في تأكيد على أن الأولوية ما زالت عسكرية بامتياز، وكان اللافت، أنه ربط إجراء الانتخابات بوقف إطلاق نار لمدة شهرين، استجابةً للضغوط الروسية التي تبنّاها الرئيس دونالد ترامب، لكن هذا الطرح بهذه الصيغة يبدو أقرب إلى شراء الوقت منه إلى تسوية فعلية، إذ إن أي هدنة مؤقتة غير مشروطة قد تتيح لكييف إعادة ترتيب أوراقها عسكرياً وسياسياً، وهو ما يصعب أن تقبل به موسكو في ظل ميزان ميداني تعتبره لمصلحتها.
في المقابل، يتصاعد في أوروبا خطاب إعادة التسلح وتعزيز «القوة الصلبة»، دعوات المستشار الألماني فريدريش ميرتس لجعل الجيش الألماني الأقوى أوروبياً، وتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تحويل أوروبا إلى قوة جيوسياسية، تعكس توجهاً لا يكتفي بدعم أوكرانيا، بل يسعى إلى إعادة صياغة النظام الأمني الأوروبي على قاعدة مواجهة مفتوحة مع روسيا، بهذا المعنى، تبدو كييف في موقع رأس الحربة لمشروع أوروبي أوسع، حتى لو كان الثمن استمرار الاستنزاف البشري والاقتصادي داخل أوكرانيا نفسها.
أما موسكو، فمطلبها المعلن لم يتغير: ضمانات أمنية واضحة تحول دون انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، أو تحوّلها إلى منصة عسكرية غربية على حدودها، من منظور روسي، المسألة ليست توسعاً إقليمياً بقدر ما هي إعادة تثبيت لحياد أوكرانيا كشرط لأمنها القومي، وتجاهل هذا البعد في الخطاب الأوكراني والأوروبي يجعل أي مفاوضات تدور في حلقة مفرغة، حيث تُطرح «التنازلات» على كييف دون مقاربة جدية لهواجس موسكو.
لم يحمل مؤتمر ميونيخ مؤشرات حقيقية على تقدم سياسي، واستمرار التعنت الأوكراني المدعوم أوروبياً، والرهان على مزيد من السلاح والعقوبات، لا يغيّر في جوهر المعادلة، بل يراكم الخسائر يوماً بعد يوم، وبين تصعيد الخطاب، وتجميد المسارات التفاوضية، يبقى السلام مؤجلاً، فيما تدفع أوكرانيا الثمن الأكبر في المعركة نيابة عن أوروبا ومطامعها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265
نور الدمشقي