السودان... أدوارٌ إقليمية مؤثرة تدفع خطر التفتيت
يشهد السودان في الأسابيع الأخيرة تسارعاً لافتاً في وتيرة الأحداث، سياسياً وعسكرياً، في ظل صراع مفتوح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، يتجاوز كونه نزاعاً داخلياً ليصبح ساحة لتقاطع المبادرات الدولية والتدخلات الإقليمية، مقابل محاولات الجيش فرض معادلة ميدانية جديدة على الأرض.
دعم متنامٍ للجيش وتشكيك في المبادرات الخارجية
على الصعيد السياسي، يبرز تطور مهم يتمثل في تزايد الدعم الإقليمي والدولي لموقف الجيش السوداني، خاصة في ظل الاتهامات المتصاعدة لقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات جسيمة. فقد أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر ترقى إلى مستوى جرائم حرب، وجرائم محتملة ضد الإنسانية، مشيرة إلى مقتل ما لا يقل عن 4400 شخص داخل المدينة، وأكثر من 1600 آخرين أثناء محاولتهم الفرار، مع التحذير من أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير في ظل آلاف المفقودين.
في المقابل، تصطدم المبادرة الأمريكية الداعية إلى هدنة إنسانية وإيصال المساعدات، برفض واضح من قبل القيادة السودانية، التي ترى أن توقيت المبادرة يتزامن مع تقدّم ميداني للجيش، لا سيما في إقليم كردفان، وفك الحصار عن مدنٍ استراتيجية. وفي هذا السياق، شدد وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، على أن أي حل لا يمكن أن ينجح دون إشراك السودانيين أنفسهم، ورافضاً ما وصفه بـ«الحلول الترقيعية» أو الهدن المؤقتة، التي لا تعالج جذور الأزمة، مؤكداً: أن السودان يريد سلاماً دائماً لا مجرد فترات تهدئة تُستثمر لإعادة ترتيب صفوف المجموعات المسلحة، كما رفض محيي الدين سالم أي دور للجهات التي شاركت في تمويل الجماعات المتمردة في السودان.
في هذا السياق، دعا مجلس السلم والأمن الأفريقي المنعقد في أديس أبابا إلى هدنة إنسانية شاملة، في وقت رفض فيه رفع تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، في المقابل، أعلن السودان عودته إلى الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد) بعد عامين من تجميد عضويته، في خطوة تعكس سعي الخرطوم لإعادة التموضع داخل الأطر الإقليمية التي تراها أقل تصادماً مع رؤيتها السياسية الحالية.
اتهامات بتورط خارجي
زاد المشهد تعقيداً مع ما كشفته عدة جهات اعلامية عن وجود معسكر تدريبي لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية، على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود السودانية، وبالقرب من سد النهضة. ويمثل هذا الكشف، أول دليل مباشر على انخراط إثيوبيا في النزاع، إضافة إلى وثائق تشير إلى دور إماراتي في دعم قوات الدعم السريع، عبر التدريب والخبرات اللوجستية، الإمارات كانت قد رحبت بالمبادرة الأمريكية، وأعلنت استعدادها لدعم «الجهود الإنسانية» في تناقضٍ واضحٍ بين سلوكها على الأرض الداعم لقوات الدعم السريع، وبين خطابها الدبلوماسي الداعي إلى الاستقرار والتهدئة.
من جانب آخر تشهد خطوط الإمداد للدعم السريع تآكلاً مستمراً، حيث تراجعت الإمدادات بوضوح، حسب العديد من التقارير التي تثبت مساعي كل من ليبيا وتشاد لممارسة ضبط أكبر للحدود مع السودان، ومنع تهريب المحروقات والذخائر.
الجيش يفرض وقائع جديدة
ميدانياً، شهدت الأسابيع الأخيرة تحولاً نوعياً لصالح الجيش السوداني. فقد أعلن الجيش، في 3 شباط، رفع الحصار عن مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، بعد عمليات عسكرية استمرت أسابيع. وتكمن أهمية كادوقلي في موقعها الاستراتيجي في قلب جبال النوبة، وكونها حلقة وصل حيوية بين وسط السودان وجنوبه، هذا التقدم ترافق مع انشقاقات في صفوف قوات الدعم السريع، من بينها انشقاق القيادي مكي محمد التجاني في محور جنوب مدينة الأُبيِّض.
في جنوب كردفان، استهدفت قوات الدعم السريع مواقع للجيش جنوب كادوقلي، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة، إلا أن الجيش رد بتكثيف عملياته على محاور الإمداد. وفي النيل الأزرق، تصاعدت الاشتباكات في محيط مدينة الكرمك الحدودية، حيث قصف الجيش تجمعات للدعم السريع في السلك وكلمن، لقطع خطوط الإمداد القادمة عبر الحدود.
أما في دارفور، فقد قصف الجيش مواقع لقوات الدعم السريع في مدينة نيالا، كبرى مدن جنوب دارفور، لترد الأخيرة بقصف مدينة الطينة شمال دارفور، المعبر الحدودي الرئيسي مع تشاد، ما يعكس اتساع رقعة المواجهات، وتحولها إلى صراعٍ مفتوح على المعابر والطرق الاستراتيجية.
تُظهر التطورات الأخيرة، أن السودان قد يكون أمام فرصة لتجاوز خطر التفتيت الذي كان مخيّماً على المشهد قبل شهور. فالجيش يسعى إلى ترجمة تقدّمه الميداني إلى مكاسب سياسية، مدعوماً بموقف قوى إقليمية ودولية تدعم وحدة واستقرار السودان، خاصة الموقف المصري- السعودي- التركي، الذي يقدم دعماً سياسياً وعسكرياً ضمن موقف أوسع يشمل القرن الأفريقي والمنطقة بشكلٍ عام، لوضع حدّ لمخططات «إسرائيلية» بتنفيذ ودعم إماراتي، عبر ميليشيات تسعى لتفتيت الدول، من اليمن إلى الصومال وصولاً للسودان.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265
معتز منصور