اليمن على مفترق طرق: بين انهيار التوازنات القديمة وولادة مسار جديد
يشهد اليمن لحظة تحوّل مهمة قد تكون الأكثر حسماً منذ اندلاع الأزمة قبل أكثر من عقد. ففي وقتٍ تتناقض فيه الروايات الرسمية حول مصير المجلس الانتقالي الجنوبي، بين إعلان انحلاله، ثم نفي ذلك من قياداته، وصولاً إلى تقارير عن هروب رئيسه عيدروس الزبيدي، تُبادر المملكة العربية السعودية، بصفتها اللاعب الإقليمي المحوري، إلى فرض واقع جديد عبر ما وصفه وزير الدفاع السعودي بـ «مسار حقيقي» للقضية الجنوبية، يُدار من الرياض ويحظى بدعم المجتمع الدولي.
انهيار الترتيبات الهشّة
لقد شكّل المجلس الانتقالي الجنوبي منذ تأسيسه في 2017 قوة سياسية وعسكرية فاعلة في جنوب اليمن، مدعوماً إماراتياً ومتحالفاً ظاهرياً مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. لكن الولاءات المتضاربة، والمصالح المتنافسة داخل التحالف العربي نفسه، جعلت من العلاقة بين الرياض وأبو ظبي في الملف اليمني علاقة قلقة، تطفو على السطح كلما اشتدّ التنافس على النفوذ في عدن وحضرموت والمهرة. والآن، يبدو أن الرياض قرّرت قطع الطريق على أي محاولة لفصل الجنوب عن المعادلة الوطنية، أو تحويله إلى مشروع انفصال بدعم خارجي.
كذلك أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عن انتهاء عمليات استلام المعسكرات، ودعمتها ضربات جوية سعودية، استهدفت مواقع المجلس الانتقالي في المحافظات الجنوبية، هذه العملية وما رافقها من تطورات مرتبطة بالملف اليمني كإعلان الإمارات مغادرة اليمن بشكل نهائي بالإضافة إلى إعلان التطابق التام في الموقف من التطورات الإقليمية في بيان الرئاسة المصرية بين السعودية ومصر، والحديث عن ضرب السعودية لقوات الدعم السريع في السودان، وكذلك دفعها لتعزيزات بحرية في خليج عدن، قد يسفر عنه إجهاض انفصال أرض الصومال، تبدو كل هذه التطورات أحداثاً مترابطة ومؤثرة ببعض، تسمح لنا بالوصول إلى نتيجة أن الدول الإقليمية أصبحت أكثر حرصاً على أمنها القومي لأنه يتعرض لتهديد حقيقي وخطير، وردة الفعل هذه يجب أن تترافق برؤية واضحة للمنطقة كاملة، وإعادة ترتيب التحالفات وإيجاد طريقة لتحييد الخلافات.
الفراغ كبوابة للتدخلات الخارجية
ما يغفل عنه الكثيرون أن استمرار الملف اليمني دون حل حقيقي، والبدء بدفع مسار وطني يقوده اليمنيون أنفسهم لا يمكن إلا أن يعيد إنتاج أزمات قد تكون أكبر وأكثر تعقيداً، فبقاء الملف عرضة للاستثمارات الخارجية، وخاصة سعي «إسرائيل» لتوجيه ضربة للحوثيين، رغم فشلها سابقاً هي والولايات المتحدة، ينذر بإمكانية خلق مشاكل جديدة.
ولعلّ الأهمية الحقيقية الواجب توفرها ضمن مسار «مؤتمر الرياض للجنوب» لا تكمن فقط في إيجاد «تصور شامل للحلول العادلة»، بل في إعادة ربط الجنوب بالسياق الوطني الأوسع، وضمان ألا يُستخدم كورقة ضغط إقليمية في مفاوضات مستقبلية. فالمملكة، التي تُدرك اليوم أن الاستقرار في اليمن جزء لا يتجزأ من أمنها الاستراتيجي، تسعى إلى إغلاق كل الثغرات التي قد تستغلها قوى خارجية، أو حتى داخلية لزعزعة التوازنات.
الحل الوحيد: حوار داخلي مدعوم بتوافق
في الحقيقة، لا يمكن لأي تسوية في اليمن أن تصمد دون توافق إقليمي حقيقي بين القوى المؤثرة: السعودية، إيران، ومصر على الأقل. فالصراع لم يعد داخلياً بحتاً، بل نتاج تشابك معقد للمصالح الإقليمية. وطالما استمرت هذه القوى في اتباع سياسات (الاحتواء المؤقت) بدلاً من «التسوية الشاملة»، فسيظلّ الباب مفتوحاً أمام تدخلات خارجية تهدّد الأمن القومي العربي بأكمله.
ولهذا، فإن نجاح «مؤتمر الرياض» لن يُقاس فقط بمدى رضى الأطراف الجنوبية، بل بقدرته على أن يكون جزءاً من حوار وطني شامل يُدمج القضايا الجنوبية، الحوثية، والسياسية في إطار واحد. والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة السعودية بصفتها الضامن على دفع جميع الأطراف، بما في ذلك طهران، نحو تفاهمات تُقدّم مصالح الاستقرار على حساب المكاسب التكتيكية العابرة.
خاتمة
اليمن لم يعد يحتمل مزيداً من التجارب الفاشلة أو المراوغات السياسية. ما يحدث اليوم في الجنوب قد يكون بداية نهاية مرحلة الفوضى، أو قد يفتح فصلاً جديداً من الصراع إذا لم يُدر بحكمة. والرهان الأكبر يبقى على إدراك الأطراف الإقليمية أن «العدو الحقيقي» ليس في الداخل اليمني، بل في كل من يسعى إلى استغلال الانقسامات لضرب العمق الاستراتيجي العربي من الداخل. والحل، كما أثبتت التجارب، لا ينحصر في الغارات الجوية، أو إعادة التموضع العسكري، بل في التنازلات السياسية المتبادلة التي تضع الشعب اليمني، وليس المحاور الخارجية، في قلب المعادلة وتستند على وحدة داخلية تحد من التدخلات المشبوهة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260
معتز منصور